أنت… كما لم ترَ نفسك
دقيقتان قراءة · 287 كلمة
في لحظة هدوء نادرة،
حين ينسحب ضجيج العالم قليلًا،
كان يجلس وحده… يحدّق في الفراغ، وكأن الليل وحده يفهمه.
سأل نفسه بصمت، بصراحة لم يعتدها:
هل أنا بخير فعلًا؟
أم أنني فقط تعودت أن أقول: “أنا تمام”… دون أن أشعر بها؟
لم يكن متعبًا من يومه فقط…
كان متعبًا من كل الأيام التي حاول فيها أن يبدو قويًا،
بينما كان داخله ينهار بهدوء لا يراه أحد.
كل مرة ابتسم فيها، وهو لا يريد…
كل مرة قال: “ماشي الحال”، بينما كان يريد أن يقول العكس تمامًا.
أدرك، ولو للحظة، حقيقة كان يهرب منها طويلًا:
أنه لم يكن ضعيفًا…
بل كان يحمل أكثر مما يجب.
مشاعر لم يقلها،
كلمات حبسها في صدره،
وصمت اختاره… ليس لأنه يريد، بل لأنه لم يجد من يفهمه.
أحيانًا كان يتكلم كثيرًا…
ليس لأنه يحب الحديث،
بل لأن داخله كان يصرخ منذ زمن،
ولا أحد سمعه.
وأحيانًا أخرى، كان يصمت تمامًا…
لأنه تعب من الشرح،
وتعب أكثر من ألا يُفهم.
كان يعرف أن أصعب ما في الأمر،
ليس التعب نفسه…
بل أن تعتاد عليه،
حتى تظن أنه طبيعي.
أن تقول: “هكذا هي الحياة”…
وأنت في داخلك تعلم، أنها ليست كذلك.
رفع رأسه قليلًا، وتنفس ببطء،
وكأن هذه الليلة مختلفة عن غيرها.
لأول مرة…
لم يحاول أن يهرب من نفسه.
همس بصوت خافت، بالكاد يُسمع:
“أنا تعبان…”
كانت كلمة بسيطة،
لكنها بدت كأنها أول خطوة حقيقية بعد وقت طويل.
لم يكن عليه أن يفهم كل شيء الآن،
ولا أن يصلح كل شيء دفعة واحدة…
لكن ربما…
يكفي أن يعترف.
أن يخفف عن نفسه قليلًا،
أن يسامحها على كل مرة لم يكن فيها قويًا،
وأن يتذكر أخيرًا…
أنه ليس آلة.
هو إنسان…
وقلبه يستحق أن يُفهم،
لا أن يُضغط عليه أكثر.
وفي تلك الليلة،
تحت صمتٍ يشبه الاعتراف،
ربما…
كانت هذه أول مرة
يبدأ فيها فعلًا.