ما الذي تغيّر؟بقلم صدى القارئ فصل 1

السؤال

دقيقتان قراءة · 326 كلمة

لم تكن الخطبة مختلفة عن غيرها في بدايتها. نفس الكلمات، نفس الوجوه، نفس الصمت الذي يسبق الحديث. جلستَ في مكانك المعتاد، تحاول أن تسرح قليلًا في تفاصيل يومك، لكن شيئًا ما كان مختلفًا هذه المرة دون أن تفهم ما هو.

كان صوت الخطيب هادئًا في البداية، يتحدث عن أحوال الناس، عن الدنيا وتقلبها، عن الماضي الذي كان فيه الناس أقرب لبعضهم البعض، وأكثر بساطة في حياتهم. كلمات عادية، لكنها بدأت تأخذ شكلًا آخر كلما تقدمت الخطبة.

ثم جاء السؤال.

لم يكن سؤالًا صريحًا في البداية، بل فكرة تُرمى بهدوء بين الجمل: كيف كانت أمة قليلة العدد تغيّر العالم، بينما نحن اليوم، رغم كثرتنا، نبدو عاجزين عن تغيير أنفسنا؟

توقفت الكلمات في رأسك عند هذه الجملة. لم تعد تسمع ما بعدها جيدًا. كأن الصوت أصبح بعيدًا، وكأن المكان نفسه بدأ يضيق عليك قليلًا.

خرجتَ من المسجد بعد انتهاء الصلاة، لكنك لم تخرج كما دخلت. كل شيء حولك كان كما هو، لكن داخلك لم يعد كذلك.

الناس يمشون بجانبك بشكل طبيعي، يتحدثون، يضحكون، يذهبون في طرقهم اليومية، أما أنت فكنت تحمل سؤالًا لا يشبه أي سؤال مر عليك من قبل.

"ما الذي تغيّر؟"

سألته في نفسك أولًا، ثم مرة ثانية، وكأنك تنتظر أن يجيبك أحد، لكن لا أحد كان يجيب. ليس لأن الناس لا تعرف، بل لأن أحدًا لا يبدو أنه يسأل أصلًا.

في طريقك إلى البيت، بدأت تلاحظ أشياء لم تكن تراها من قبل. اختلافات صغيرة في الناس، في طريقة حديثهم، في نظرتهم لبعضهم البعض، في استعجالهم الدائم وكأن كل واحد منهم يعيش في عالم منفصل.

ومع كل خطوة، كان السؤال يكبر بدل أن يختفي.

هل تغيّر الناس فعلًا؟

أم تغيّرت الحياة نفسها؟

أم أن شيئًا آخر تغيّر دون أن ينتبه أحد؟

حين وصلت إلى باب منزلك، توقفت قليلًا قبل الدخول. شعرت أن مجرد فتح الباب سيأخذك من لحظة التفكير إلى حياة عادية لا تريد العودة إليها الآن.

لكن الباب فُتح في النهاية، ودخلت.

غير أن السؤال بقي واقفًا عند الباب… معك.

ولأول مرة، شعرت أن هذا السؤال لن يتركك بسهولة.

النهاية… لكن السؤال يبدأ الآن فقط.