أحلام على رصيف الانتظاربقلم AL7R فصل 1

يوميات ست بمية راجل

4 دقائق قراءة · 636 كلمة

"يلا يا بضاعة, صباح الرزق يا ولااااد" تصيح سامية بصوتها الأجش قليلاً، تجر عربتها الخشبية المُحمّلة بأنواع مختلفة من أدوات المطبخ البلاستيكية عبر أزقة الحي الضيقة. الشمس تُرسل خيوطها الذهبية الأولى، مُعلنة بداية يوم جديد، يوم آخر من الكفاح من أجل لقمة العيش.

سامية، امرأة في مطلع الأربعين، رسمت تجاعيد الزمن خطوطها على وجهها السَمْح، لكن عينيها لا تزالان تحتفظان ببريق لا ينطفئ، بريق الإصرار والتحدي. منذ رحيل زوجها في حادث أليم قبل خمس سنوات، صارت سامية هي المعيل الوحيد لأسرتها، أم وأب لثلاثة أطفال، أكبرهم أحمد في الصف الثاني الثانوي، وهبة في الصف الأول الإعدادي، والصغير عمر الذي لم يتجاوز الثامنة بعد.

تتوقف سامية أمام أحد البيوت، تُنادي على سيدة المنزل التي تطل من شرفتها "يا أم هاني، طقم التوزيع اللي طلبتيه وصل، ألوانه تحفة". تُلقي سامية نظرة سريعة على محيطها، تلاحظ محمود، الشاب العشريني جالساً على عتبة أحد المنازل، يضع يده على خده وعلامات الضيق بادية على ملامحه. تقترب منه سامية بعربتها، تنظر له بعطف "صباح الخير يا ابني، مالك قاعد زعلان ليه؟".

يرفع محمود رأسه، ينظر إلى سامية بعينين ذابلتين "صباح النور يا حاجة، مفيش جديد، نفس القعدة ونفس الزهق". تُدرك سامية على الفور ما يعانيه الشاب، البطالة، هذا الوحش الذي ينهش أحلام الشباب في هذا الحي. "ربنا يفرجها يا بني، ما تيأس، كل تأخيرة وفيها خيرة".

يُحاول محمود أن يرسم ابتسامة باهتة على شفتيه "ونعم بالله، بس الواحد تعب يا حاجة، لا شغل ولا جواز ولا أي حاجة". "الشغل هييجي، والجواز هييجي، كله بأوانه يا محمود، اسعى واتعب وربنا مش هيضيع تعبك". تقولها سامية وهي تُربت على كتفه بحنان.

تُكمل سامية جولتها، تُنادي على بضاعتها، تُساوم الزبائن، تضحك مع هذه، وتُواسي تلك. تُحب سامية عملها، فهو يُشعرها بقيمتها، ويُعطيها الأمل في غدٍ أفضل. تتذكر أيامها الأولى في هذه المهنة، كانت تشعر بالخجل والارتباك، لكنها سرعان ما تعلمت فنون البيع والشراء، وأصبحت "أشطر" بائعة في المنطقة.

تصل سامية إلى كشك الحاج سالم، الرجل العجوز الذي يُمثل ذاكرة الحي، تشعر سامية بالراحة عندما تراه، تُلقي عليه التحية، تجلس بجانبه على كرسي خشبي صغير، تُخرج من حقيبتها رغيفين من الخبز وكيس من الفول، تُشاركه إفطارها.

"عامله ايه يا ست الكل؟" يسألها الحاج سالم بصوته الهادئ. "الحمد لله يا حاج، ماشية، إنتَ عامل ايه؟ أخبار صحتك النهاردة إيه؟" تُجيبه سامية وهي تُناولُه رغيفاً. "الحمد لله، عايشين بِدُعاكم، الدنيا صعبة يا سامية، بس الأمل في الله كبير".

تتنهد سامية "فعلاً يا حاج، الأمل في الله هو اللي مصبرنا". يتناول الحاج سالم رشفة من كوب الشاي، ينظر إلى سامية بعينين حكيمتين "إنتِ ست بألف راجل يا سامية، ربنا يحفظك ويقويكي". تبتسم سامية "ربنا يخليك يا حاج، إنتَ الخير والبركة".

يُكملان إفطارهما في صمت، كل منهما يُفكر في همومه، لكن وجودهما معاً يُعطيهما شعوراً بالسكينة والطمأنينة.

في هذه الأثناء، تستيقظ فاطمة، الفتاة ذات السبعة عشر ربيعًا، على صوت أمها "قومي يا بت، الساعة بقت 10، يلا عشان تلحقي دروسك". تتثاءب فاطمة، تُحاول أن تُقاوم رغبتها في العودة إلى النوم، لكن صوت أمها الحاد يُجبرها على النهوض.

"حاضر يا ماما، قومت أهو". تُسرع فاطمة إلى الحمام، تغسل وجهها، تُرتّب شعرها الأسود الطويل، تنظر إلى نفسها في المرآة، تُلاحظ جمالها الطبيعي، لكنه جمالٌ مختلطٌ بالقلق. تحلم فاطمة بدخول كلية الطب، لكن حلمها يصطدم برغبة عائلتها في تزويجها مبكرًا، خاصة وأنها الابنة الوحيدة.

تُفطر فاطمة مع عائلتها، تحاول أن تتجنب الحديث عن الزواج، تُركز على دروسها وامتحاناتها، لكن نظرات أمها المُترقبة تُشعرها بالضغط. تُنهي فاطمة إفطارها على عجل، تُودع عائلتها، تُسرع إلى الشارع، تُحاول أن تُشتت أفكارها، تُركز على هدفها، كلية الطب، حلمها الذي تُقاتل من أجله.

وبينما تُغادر فاطمة المنزل، تصطدم ب"محمود" الذي كان يسير شارد الذهن. يسقط كتاب الطب الذي كانت تحمله من يدها. ينحني محمود ليلتقطه، تنظر فاطمة إليه، تشعر بنظراته تُخترقها، تشعر بخفقان قلبها يتسارع. يبتسم محمود، يُناولها الكتاب "أنا آسف، ما اخدتش بالي". تُجيبه فاطمة بصوت مُرتبك "لا عادي، مفيش مشكلة". يتبادلان نظرة طويلة، نظرة تُشبه بداية حكاية جديدة، حكاية قد تُغير مجرى حياة كل منهما. تُسرع فاطمة بالرحيل، تُحاول أن تُخفي ارتباكها، بينما يقف محمود يُراقبها وهي تبتعد، يُفكر في تلك العيون الجميلة التي سحرته من أول نظرة.