رسالة إلى أطياف الراحلين
دقيقتان قراءة · 245 كلمة
أعلمُ أنك تعتقد أن الحياة تستمر بشكل طبيعي بعد الفقد، لكنك تخدع نفسك.
تستيقظ في كل صباح، ترتدي قناعك المفضل أمام العالم، تبتسم لزملائك في العمل، وتتحدث عن الطقس والخطط القادمة وكأن شيئاً لم يكن. لكن في لحظة خاطفة—حين تهدأ الضوضاء حولك وتجد نفسك وحيداً في مصعد فارغ أو عند إشارة مرور حمراء—يعود كل شيء ليزاحم صدرك من جديد.
تلتفت حولك، فتشعر بطيف أولئك الذين أخذتهم الأيام منك. تتذكر وجوههم، ضحكاتهم التي كانت تملأ الأركان، ونبرات أصواتهم التي كانت تجعل أصعب أوقاتك برداً وسلاماً.
تسأل نفسك بصوت خافت لا يسبقك إليه أحد:
"لماذا لم أعانقهم لفترة أطول في المرة الأخيرة؟ لماذا استعجلتُ الرحيل حين كانوا يتحدثون معي؟ ولماذا ظننتُ أن وجودهم في حياتي أمرٌ بديَهي لا ينتهي؟"
تبدأ بالبحث عنهم في أبسط التفاصيل: في كوب قهوة يشبه ذاك الذي كانوا يحبونه، في أغنية قديمة مرت مصادفة على المذياع، أو حتى في اسم يشبه اسمهم يُنادى به في الزحام، فيلتفت قلبك قبل عينيك.
لكن القسوة الحقيقية لا تكمن في غيابهم فقط، بل تكمن في ذلك الصمت الذي يخلفونه بداخلنا. تشعر وكأن هناك غصة دائمة تقف في حلقك، كلما حاولت أن تعبر عن مشاعرك، خنقتك الدموع وسدت بوجهك المنافذ. تدرك متأخراً أن أكثر الأشياء حزناً ليست تلك التي خسرناها، بل تلك الذكريات الجميلة التي أصبحت فجأة مصدراً للألم لمجرد أنها لن تتكرر.
تجلس في نهاية اليوم على حافة سريرك، تتأمل ظلك على الجدار، وتهمس لأولئك الراحلين في عتمة الليل:
"لقد ترشحتم بعيداً، وأخذتم معكم جزءاً مني لم يعد يعود أبداً.. كنت أظن أن الغياب مسافة نعدها بالخطوات، فكتشفت أنه ثقلٌ نحمله في قلوبنا إلى الأبد."