غلاف رواية ماس ماسبقلم Maple Bloom فصل 2

ماتبقى بعد السقوط

11 دقيقة قراءة · 2,003 كلمة

ماس

الفصل الثاني: ماتبقى بعد السقوط

تأليف: مراد جمال الديح

لم يكن سام يعرف كم مضى من الوقت منذ سقط على أرض القصر.

كان آخر ما يتذكره هو الألم الذي مزّق جسده، وصوت الوحوش وهي تملأ الممرات، ثم صورة والده المسجّى بلا حراك. حاول أن يتمسّك بتلك الصورة، وأن يستوعب ما حدث، لكن الظلام ابتلعه قبل أن يتمكن من التفكير في أي شيء آخر.

وفي مكان بعيد عن القصر، كان ثلاثة أشخاص يتحركون بسرعة عبر ممر ضيق، يحملون جسدًا مثقلًا بالجراح.

قال أحدهم وهو ينظر إلى الشاب الذي بين ذراعيه:

«هل ما زال يتنفس؟»

أجابه الآخر بعد أن تفحّص حالته سريعًا:

«نعم، لكنه فقد الكثير من الدم. علينا أن نصل إلى مكان آمن قبل أن يستعيد وعيه.»

كان الثلاثة يرتدون ملابس داكنة تخفي ملامحهم، وتغطي وجوههم أقنعة تمنع التعرّف على هوياتهم.

لم يتوقفوا إلا بعد أن ابتعدوا بما يكفي عن القصر، ووصلوا إلى مبنى منعزل لا يبدو أن أحدًا يستخدمه.

وضعوا سام على سرير بسيط، ثم بدأ أحدهم بفحص جروحه.

قال الرجل الواقف عند الباب:

«لم أتوقع أن نصل متأخرين إلى هذا الحد.»

ردّ صاحب الصوت الهادئ:

«لم يكن لدينا وقت كافٍ. ما حدث في القصر كان أسرع مما توقعنا.»

ساد الصمت للحظات.

ثم قال الثالث، بنبرة يشوبها القلق:

«وماذا سنقول له عندما يستيقظ؟»

لم يجبه أحد.

فلم تكن هناك كلمات قادرة على تغيير ما حدث، ولا تفسير يمكنه أن يعيد الملك إلى الحياة.

---

الاستيقاظ

دع

تسلل الضوء إلى الغرفة من خلال نافذة صغيرة، وانعكس على وجه سام.

تحركت أصابعه ببطء، ثم انقبضت يده فجأة، وكأنه يحاول الإمساك بشيء أفلت منه.

فتح عينيه بصعوبة.

كان السقف غريبًا، والجدران لا تشبه جدران القصر، ورائحة المكان لم تكن مألوفة له.

حاول النهوض، لكن ألمًا حادًا اندفع عبر جسده، فأجبره على الاستلقاء مجددًا.

«آه...!»

وضع يده على موضع الإصابة، وأخذ يتنفس بصعوبة.

ما الذي حدث؟

أين هو؟

ولماذا لا يتذكر سوى الدم والظلام؟

تدفقت الصور إلى ذهنه فجأة؛ صرخات الحراس، والوحوش التي اجتاحت القصر، والممر الذي حاول عبوره للوصول إلى والده.

ثم تذكّر وجه لوسيان.

وجه والده الذي لم يتحرك، مهما ناداه.

اتسعت عينا سام، وشعر بشيء بارد يضغط على صدره.

«أبي...»

خرجت الكلمة من فمه ضعيفة، بالكاد سمعها هو نفسه.

رفع رأسه محاولًا النهوض مرة أخرى، متجاهلًا الألم الذي كان يمزّق جسده.

«أبي!»

انفتح باب الغرفة قبل أن يتمكن من الوقوف.

دخل رجل مقنّع، وخلفه رجلان آخران.

تجمّد سام في مكانه.

لم يكن يعرف هؤلاء الرجال، لكنه تذكّر آخر لحظات وعيه؛ ثلاثة أشخاص ظهروا أمامه وسط الفوضى، ثم سقط بعد أن اخترقت ضربة جسده.

حدّق فيهم بريبة، وأخذ يتراجع فوق الفراش حتى اصطدم ظهره بالجدار.

«من أنتم؟!»

لم يُجبه أحد على الفور.

قال سام بصوت مرتجف، محاولًا أن يبدو حازمًا:

«أين أنا؟ وماذا فعلتم بي؟»

تقدم أحد المقنّعين خطوة.

«اهدأ يا سام. أنت لست في خطر الآن.»

«لا تقترب!»

رفع سام يده محاولًا استدعاء قوته، لكن جسده لم يستجب له كما أراد. شعر بضعف لم يختبره من قبل، وكأن كل ما كان يظن أنه يملكه قد اختفى في لحظة.

ابتسم أحد الرجال خلف قناعه، ثم قال:

«لا تزال عنيدًا كما أنت.»

توقّف سام عن الحركة.

كان في الصوت شيء مألوف، شيء يعرفه جيدًا.

حدّق في الرجل الذي تكلم، محاولًا أن يربط ذلك الصوت بوجه يعرفه، لكنه لم يستطع رؤية سوى القناع.

ثم قال ببطء:

«هذا الصوت...»

لم يتحرك الرجل.

اقترب سام قليلًا، رغم الألم الذي كان ينهش جسده.

«كايان؟»

ساد الصمت لثوانٍ.

رفع الرجل يده إلى قناعه، ثم نزعه بهدوء.

ظهر وجه شاب يعرفه سام أكثر مما أراد الاعتراف به.

كان كايان.

اتسعت عينا سام، ولم يصدق ما يراه.

«كايان؟!»

قال كايان بهدوئه المعتاد:

«مرحبًا بعودتك إلى الوعي.»

انتقل نظر سام بينه وبين الرجلين الآخرين.

«وماذا عن هذين؟»

رفع الرجل الثاني قناعه، لتظهر ابتسامة عريضة على وجهه.

«كنت أتوقع استقبالًا أفضل من هذا! لقد حملناك طوال الطريق تقريبًا، وكان بإمكانك على الأقل أن تشكرنا.»

كان ميرو.

أما الرجل الثالث، فنزع قناعه دون أن يعلّق على كلام ميرو.

كان كايزر.

ظل سام يحدّق فيهم، عاجزًا عن استيعاب اجتماعهم في هذا المكان، بعيدًا عن القصر الذي تحوّل إلى ساحة للموت.

لكن سؤالًا واحدًا كان يطغى على كل شيء.

«لماذا أنا هنا؟»

تبادل الثلاثة النظرات.

لاحظ سام ذلك، فازداد توتره.

«أجيبوني! ماذا حدث في القصر؟»

لم يردّ كايان مباشرة، بل اقترب من السرير وقال:

«هاجمت الوحوش القصر. لم نتمكن من منع ما حدث.»

«أعرف ذلك! كنت هناك!»

ارتفع صوت سام، ثم أمسك بحافة السرير محاولًا تثبيت نفسه.

«رأيت الوحوش. رأيت الحراس وهم يسقطون. كنت أحاول الوصول إلى...»

توقفت الكلمات في حلقه.

انخفض بصره إلى الأرض، وكأن عقله يرفض السماح له بإكمال الجملة.

لكنه حاول مرة أخرى.

«والدي...»

لم يتكلم أحد.

رفع سام رأسه ببطء، ونظر إلى كايان مباشرة.

«أين أبي؟»

أشاح ميرو بنظره، بينما ظل كايزر واقفًا في مكانه، جامد الملامح.

وكان صمت كايان وحده كافيًا ليخبر سام بأن الإجابة التي يخشاها أقرب مما يحتمل.

«لا...»

هز سام رأسه.

«لا، لا تقل ذلك.»

حاول كايان التحدث، لكن سام قاطعه.

«أين أبي؟!»

لم يعد صوته يشبه صوت الأمير الواثق الذي اعتاد أن يأمر الآخرين وينتظر منهم الطاعة. كان صوت شاب مذعور، يحاول التشبث بآخر خيط من الأمل.

أغمض كايان عينيه للحظة.

ثم قال:

«سام... الملك لوسيان مات.»

---

ما تبقّى من الأمير

لم يتحرك سام.

ظل ينظر إلى كايان، كأنه ينتظر منه أن يتراجع عن كلماته، أو أن يبتسم ويخبره بأن الأمر كله مجرد سوء فهم.

لكن كايان لم يفعل.

لم يقل أحد شيئًا.

وببطء، بدأ وجه سام يفقد لونه.

«مات؟»

خرج السؤال هامسًا.

لم يجبه أحد، فكرره، هذه المرة بصوت أعلى:

«قلتَ إنه مات؟»

انخفض رأسه، وانقبضت أصابعه على الغطاء.

«هذا مستحيل...»

حاول أن يضحك، لكن الصوت الذي خرج منه كان أقرب إلى شهقة مختنقة.

«أبي لا يموت بهذه السهولة. إنه الملك لوسيان! إنه...»

توقفت الكلمات مجددًا.

تذكّر سام والده واقفًا في القصر، بهدوئه المعتاد، يتحدث معه عن مسؤولياته ومستقبله. تذكّر نظراته التي كانت تكشف أخطاءه حتى عندما يحاول إخفاءها، وصوته الذي ظل يرافقه طوال حياته.

لم يكن لوسيان مجرد ملك.

كان الشخص الذي يلجأ إليه سام كلما ضاقت به الأمور، حتى عندما يتظاهر بأنه لا يحتاج إلى أحد.

كان الشخص الوحيد الذي استطاع أن يوقف غروره بكلمات قليلة، دون أن يجعله يشعر بأنه أقل قيمة.

والآن، لم يعد هناك من ينتظره في نهاية الطريق.

انحنى سام إلى الأمام، ووضع يديه على وجهه.

في البداية، لم يصدر عنه سوى أنفاس متقطعة.

ثم اهتز كتفاه.

وانفجرت دموعه.

«أبي...»

لم يحاول إخفاء بكائه، ولم يستطع.

«لماذا؟»

ضغط على وجهه بيديه، وكأن بإمكانه منع الحقيقة من الوصول إليه.

«لماذا حدث هذا؟!»

جلس ميرو على طرف كرسي قريب، واختفت ابتسامته المعتادة تمامًا.

أما كايان، فوقف أمام سام دون أن يعرف كيف يواسيه.

لم يكن كايان بارعًا في التعامل مع هذا النوع من الألم. كان يستطيع وضع الخطط، وقراءة تحركات خصومه، والتفكير في عشرات الاحتمالات قبل أن يتخذ خطوة واحدة.

لكنه لم يستطع التفكير في جملة واحدة تعيد شيئًا من التوازن إلى صديقه.

أما كايزر، فظل صامتًا.

كان يعرف أن بعض الكلمات لا تخفف الألم، وأن محاولة إخفاء الحقيقة لن تجعلها أقل قسوة.

مرّت دقائق طويلة قبل أن يرفع سام رأسه.

كانت عيناه حمراوين، ووجهه مبللًا بالدموع، لكن شيئًا آخر بدأ يظهر خلف حزنه.

الغضب.

مسح دموعه بظهر يده، ثم دفع الغطاء جانبًا.

«أريد أن أذهب.»

نظر إليه كايان.

«إلى أين؟»

«إلى القصر.»

حاول سام وضع قدميه على الأرض، لكنه كاد يسقط فور وقوفه. أمسك بحافة السرير، وشدّ على أسنانه حتى لا يصدر صوتًا.

تقدم ميرو لمساعدته، لكن سام دفع يده بعيدًا.

«لا تلمسني!»

تراجع ميرو بصمت.

استقام سام بصعوبة، ثم رفع رأسه.

«أريد أن أعرف من فعل هذا.»

كانت نبرته قد تغيّرت.

لم يعد يبكي، ولم يعد يسأل لماذا مات والده.

لقد استبدل حزنه بهدف واحد، بدا له أسهل من مواجهة الفراغ الذي تركه لوسيان خلفه.

الانتقام.

«سأجدهم جميعًا. كل من شارك في هذا الهجوم سيدفع الثمن.»

خطا خطوة نحو الباب، ثم ثانية.

لكن جسده خانه، فترنح وكاد يسقط.

هذه المرة، لم يمنحه كايزر فرصة للاعتراض.

أمسك بذراعه وأعاده إلى السرير بقوة أجبرته على الجلوس.

صرخ سام:

«اتركني!»

لكن كايزر لم يتركه.

«كفى.»

حاول سام الإفلات منه.

«قلت لك اتركني!»

ثبت كايزر نظره عليه، ثم قال ببرود:

«حتى لو وجدتهم... أنت ضعيف.»

تجمّد سام.

بدت الكلمات وكأنها صفعة أشد قسوة من الإصابة التي كادت تقتله.

حدّق في كايزر، وقد امتزج الغضب بالذهول في عينيه.

«ماذا قلت؟»

لم يتراجع كايزر.

«سمعتني.»

«أنا أمير فالدار!»

«وهل سيعيد ذلك والدك إلى الحياة؟»

ساد الصمت.

اشتعل وجه سام غضبًا، لكنه لم يجد جوابًا.

واصل كايزر حديثه دون أن يرفع صوته:

«انظر إلى حالتك. لا تستطيع الوقوف دون أن تتمايل، وجسدك لم يتعافَ من إصابته بعد. أنت لا تعرف عدد أعدائك، ولا قدراتهم، ولا سبب هجومهم. ومع ذلك، تريد أن تندفع نحوهم وكأن الغضب وحده سيمنحك القوة.»

شدّ سام قبضتيه.

«لن أسمح لهم بالإفلات.»

«لم أقل إن عليك السماح لهم بذلك.»

اقترب كايزر قليلًا، ثم أضاف:

«قلت إنك ضعيف الآن. وهذه حقيقة لن تتغير لمجرد أنك ترفض سماعها.»

لم يجد سام ما يقوله.

كان يريد أن يضربه، وأن يصرخ في وجهه، وأن يثبت له أنه مخطئ.

لكن جسده لم يكن قادرًا حتى على تنفيذ أبسط ما يريد.

نظر إلى يديه.

لطالما اعتقد أنه قوي بما يكفي لحماية نفسه ومن حوله. كان يفوز في التدريبات، ويتفوق على كثير من أقرانه، ويستمع إلى كلمات الإعجاب حتى بدأ يصدق أن ما يملكه من قوة يكفيه لمواجهة أي خطر.

لكنه لم يستطع حماية والده.

ولم يستطع حماية القصر.

وفي النهاية، سقط أمام عدو لم يعرف حتى هويته.

انخفض رأسه ببطء.

لم يكن الألم في جسده هو ما جعله عاجزًا عن الحركة، بل الحقيقة التي بدأت تتضح أمامه.

كان ضعيفًا بالفعل.

على الأقل، أمام ما حدث تلك الليلة.

---

بعد أيام

مرّت الأيام التالية بطيئة وثقيلة.

تلقى سام الرعاية اللازمة، وبدأت جروحه تلتئم تدريجيًا، لكنه لم يستعد هدوءه.

كان يقضي ساعات طويلة صامتًا، يحدّق من النافذة أو يجلس على طرف السرير، غارقًا في أفكاره.

لم يعد يتحدث عن الانتقام كلما دخل أحدهم الغرفة، لكنه لم يتخلَّ عنه أيضًا.

كان الغضب لا يزال هناك، مختبئًا تحت حزنه، ينتظر اللحظة التي يجد فيها طريقًا للخروج.

في أحد الأيام، دخل كايان الغرفة، ووجد سام جالسًا قرب النافذة.

قال كايان:

«يبدو أنك أصبحت قادرًا على الوقوف دون أن تسقط.»

لم يلتفت سام إليه.

«هل جئت لتتأكد من أنني ما زلت حيًا؟»

«لو كان هذا هدفي، لاكتفيت بالسؤال من الخارج.»

لم يبتسم سام، لكنه التفت إليه أخيرًا.

دخل ميرو خلف كايان، يحمل بعض الطعام، ثم وضعه على الطاولة.

«أحضرت لك الطعام. وأرجو ألا ترفضه هذه المرة، لأنني لن أتحمل سماع كايزر وهو يشرح لي كيف أن إطعام المصابين مسؤولية أخلاقية عظيمة.»

جاء صوت كايزر من خلفه:

«إنها مسؤولية فعلًا، خصوصًا عندما يكون المصاب عنيدًا كالبغل.»

التفت ميرو إليه مستنكرًا.

«هل تقصد سامًا أم نفسك؟»

«أقصد الشخص الذي يتحدث أكثر مما يفكر.»

«الكلام قوة أيضًا.»

رد كايزر بجمود:

«إذًا استخدمه لتقنع نفسك بأنك مفيد.»

فتح ميرو فمه للاعتراض، ثم أغلقه عندما لم يجد ردًا مناسبًا.

خرجت من سام ضحكة قصيرة.

كانت خافتة، وكأنها أفلتت منه دون قصد.

التفت الثلاثة إليه.

توقفت ابتسامة ميرو للحظة، ثم اتسعت.

«لقد ضحك! كايان، هل رأيت؟ لقد ضحك!»

عاد سام إلى وجهه الجاد فورًا.

«لم أضحك.»

قال كايزر:

«بل ضحكت.»

«كان مجرد صوت.»

«صوت يشبه الضحك.»

تنهد سام، لكنه لم يستطع منع ابتسامة صغيرة من الظهور على وجهه.

لم يكن ذلك يعني أن حزنه انتهى، ولا أن فقدان والده أصبح أمرًا يمكنه تقبّله بسهولة.

لكنه شعر، للحظة قصيرة، أن العالم لم يتوقف تمامًا.

ما زال هناك أشخاص حوله، أشخاص لم يتركوه وحده عندما فقد كل شيء.

ظل سام صامتًا لبعض الوقت، ثم التفت إلى كايان وسأله:

«هل تعتقد أن الهجوم كان يستهدفني؟»

لم يُجب كايان بسرعة.

راقب سام وجهه، محاولًا التقاط أي إشارة.

ثم قال كايان:

«لا نعرف حتى الآن ما الذي أراده المهاجمون بالضبط. لا أريد أن أقدم لك تخمينًا على أنه حقيقة.»

لم يكن هذا الجواب الذي يريده سام، لكنه كان أفضل من كذبة مريحة.

خفض نظره إلى يديه.

«إذًا لا نعرف من فعل ذلك، ولا لماذا.»

«ليس بعد.»

«ولا نعرف إن كانوا سيعودون.»

«لا.»

صمت سام قليلًا، ثم رفع رأسه.

«إذًا يجب أن أصبح أقوى.»

لم يبدُ كايان متفاجئًا.

«كنت أعلم أنك ستقول ذلك.»

«لن أبقى هكذا. لن أظل عاجزًا عن حماية نفسي، أو عن مواجهة من يهدد من بقي لي.»

توقف سام لحظة قبل أن يضيف:

«أريد أن أتعلم كل ما يمكنني تعلمه. أريد أن أعرف حدود قوتي، وألا أكرر الخطأ نفسه.»

نظر كايان إليه طويلًا.

كان في صوته شيء مختلف هذه المرة. لم يكن مجرد غضب أعمى، ولا محاولة يائسة لإثبات أنه أقوى مما هو عليه.

كان هناك إدراك مؤلم بأن القوة التي اعتاد الاعتماد عليها لم تكن كافية.

قال كايان:

«عندما تتعافى تمامًا، سنبدأ تدريبك.»

«لا أريد الانتظار.»

«سواء أردت ذلك أم لا، لن تتمكن من التدريب بجدية وأنت بهذه الحالة.»

تنهد سام بانزعاج.

«أنت تتحدث وكأنك كايزر.»

«لا تهنّي.»

ارتسمت على وجه سام ابتسامة صغيرة.

لكنها اختفت سريعًا عندما عاد ببصره إلى النافذة.

كان القصر بعيدًا عن هذا المكان، إلا أن صورته لم تفارق ذهنه. كل زاوية فيه كانت تحمل ذكرى، وكل ذكرى كانت تعيده إلى اللحظة التي فقد فيها والده.

لم يكن يعرف متى سيعود إلى هناك، ولا كيف سيواجه الناس بعد ما حدث.

ولم يكن يعرف ما الذي ينتظره في المستقبل.

لكنه عرف شيئًا واحدًا.

لن يستطيع إعادة الماضي مهما بلغت قوته.

أما ما سيحدث بعد ذلك، فلا يزال أمامه فرصة لتغييره.

---

السؤال الأخير

وقف كايان متجهًا نحو الباب، ثم توقف قبل أن يفتحه.

قال دون أن يلتفت:

«هناك أمر آخر يجب أن تفكر فيه.»

رفع سام رأسه.

«ما هو؟»

استدار كايان ونظر إليه.

«لقد مرّت أيام منذ الهجوم. والناس ينتظرون معرفة ما حدث، والمملكة تمر بوقت صعب.»

لم يجب سام.

تابع كايان بصوت أكثر هدوءًا:

«هناك أشخاص كانوا يعرفون الملك لوسيان، وأشخاص خدموه طوال حياتهم. وهناك من يريدون توديعه.»

شعر سام بانقباض في صدره.

فهم ما يقصده كايان قبل أن ينطق بالسؤال، ومع ذلك لم يستطع الاستعداد لسماعه.

اقترب كايان خطوة، ثم سأله:

«ألن تذهب إلى الجنازة؟»

تجمّد سام في مكانه.

لم يرفع رأسه، ولم يحاول الإجابة.

بقي صامتًا، وعيناه معلقتان بالأرض، بينما عادت إليه صورة والده للمرة التي لا يعرف عددها.

لم يكن مستعدًا لمواجهة الحقيقة أمام الآخرين.

ولم يكن يعرف إن كان قادرًا على الوقوف أمام نعش الرجل الذي كان يظنه يومًا أقوى من الموت نفسه.

ظل كايان ينتظر، لكن سام لم ينطق بكلمة واحدة.

وفي ذلك الصمت، بدا واضحًا أن إنقاذ حياته كان بداية معركة أخرى؛ معركة لم يكن يعرف كيف يخوضها، ولا إن كان سينتصر فيها يومًا.

نهاية الفصل الثاني: ماتبقى بعد السقوط