الفصل الثاني
4 دقائق قراءة · 638 كلمة
لم تكن ليان تعرف كيف وصلت إلى غرفتها.
كل ما تتذكره هو أنها أغلقت الباب بقوة، ثم سقطت على الأرض كطفلة فقدت طريقها.
شعرت وكأن قلبها يُسحب من صدرها، وأن الهواء ثقيل لا يسع حتى دمعة.
كان البيت هادئًا، لكن داخل صدرها عاصفة.
ترددت الكلمات في رأسها، كلمة واحدة فقط:
"زواج."
لكن ليس أي زواج...
زواج بلا رغبة. بلا اختيار. بلا حياة.
رفعت وجهها نحو السقف، والدموع تتساقط بإصرار، ترتطم على خديها كأنها تشهد على خيانة حلم عاشته لسنوات.
مدّت يدها المرتجفة نحو طاولة صغيرة قرب السرير، وسحبت مصحفها.
لعل القرآن يكون ملجأها في هذه الليلة التي شعرت فيها أن كل شيء يُنتزع منها.
فتحت المصحف على غير قصد عند سورة "البقرة"، ووقعت عيناها على آية:
﴿وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾
لم تستطع أن تتمالك نفسها...
انفجر البكاء من جديد، بحرقة أعمق.
سمعت طرقًا خفيفًا على الباب.
لم ترد.
تكرر الطرق بصوت حزين هذه المرة.
"ليان... بنتي، افتحي."
تعرفت على صوت والدها، فمسحت دموعها بيدها المرتجفة، ونهضت بصعوبة.
فتحت الباب قليلًا، ثم عادت وجلست على حافة السرير.
دخل والدها بخطوات بطيئة وكأنه يحمل على كتفيه عمرًا كاملًا من الهزيمة.
كانت عيناه محمرّتان، وكأنه هو أيضًا بكى قبل أن يأتي إليها.
جلس على الكرسي الخشبي الصغير في الغرفة، ولم ينظر إليها أول الأمر.
ظلّ صامتًا لدقيقة كاملة...
دقيقة ثقيلة كالجبل.
ثم قال بصوت متقطّع:
"أنا... أنا تعبت يا ليان."
رفعت رأسها إليه.
رأت رجلًا ليس أباها فقط...
بل رجلًا مكسورًا، مهزومًا، يبحث عن نجدة.
تابع بصوت مطفأ:
"الديون يا بنتي... الديون أكلت روحي. كل يوم يطرق الباب دائن. كل يوم تهديد. كل يوم خيبة."
سكت قليلاً، ثم:
"كنتُ أخاف عليك وعلى أمك... لو طُردنا من البيت، أين نذهب؟"
شعرت ليان بوخز في قلبها.
لكنها لم تستطع أن تمنع نفسها من السؤال الذي يحرق وجدانها:
"وماذا عني؟ ماذا عن قلبي؟ ماذا عن حياتي التي رميتها دون أن تسألني؟"
كأن الكلمات صفعت والدها.
مال برأسه للأسفل، وقال:
"ريان شاب صالح... يصلي... يخاف الله. ولن يظلمك أبدًا. والله ما اخترتُه إلا لأنه محترم."
قاطعته بعينين دامعتين:
"لكنه غريب عني يا أبي... غريب!"
ردّ بهمس:
"أحيانًا الغريب قد يكون رحمة يا ليان."
سادت لحظة صمت طويلة.
لم يكن هناك سوى صوت بكائها المكتوم، وصوت ساعة الحائط التي كانت تدق ببطء وكأنها تشهد على لحظة تُغيّر مصير فتاة.
حاول الأب أن يقترب منها، لكن خطواته خجولة.
وقف قربها وقال بصوت مكسور:
"اسمعيني... لم أجبركِ لأنني قاسٍ... بل لأنني ضعيف."
هذه المرة، لم تستطع احتمال المزيد.
وقفت فجأة وهي تقول:
"أبي... الزواج ليس حلاً! كنتَ تستطيع إيجاد عمل إضافي، بيع شيء، طلب المساعدة... أما هذا؟!"
ارتجف الأب، لكن الحقيقة كانت أقوى من محاولاته:
"حاولت... والله حاولت. لم يبقَ باب إلا طرقته. ولم يبقَ كرامة إلا بعتها."
سقط على الكرسي، كأن كل القهر الذي أخفاه لسنوات خرج في تلك اللحظة.
"ريان لم يشترِك يا ليان... هو أرادك زوجة في بيته، وليس دينًا يسدده. قال لي: نحن عائلة لا نأخذ امرأة مكسورة... نحن نرفعها."
رفعت ليان حاجبيها بدهشة...
كانت تلك أول مرة تسمع شيئًا إيجابيًا عن الرجل.
لكن الألم بداخلها لم يكن ليسمح بأي ضوء.
بعد أن خرج والدها، أغلقت الباب بهدوء، وجلست على سجادة الصلاة.
وضعت المصحف أمامها، ثم سجدت...
وسكب قلبها قبل دموعها.
كانت تبكي بصوت خافت، لا يسمعه أحد إلا الله.
"يا رب... أنت تعلم أنني ضعيفة... أخشى هذا الزواج... أخاف أن أعيش حياة لا أريدها... أخاف أن أُساق إلى مستقبل لا يشبهني..."
رفعت رأسها قليلًا، ومسحت عينيها، ثم قالت:
"إن كان في هذا الزواج خير... فاشرح صدري له. وإن كان فيه شر... فاكشف لي طريق الخلاص."
قامت ثم توضأت، ووقفت تصلي ركعتين للاستخارة.
وعندما انتهت...
جلست قرب النافذة، تراقب السماء وقد بدأ الفجر يقترب.
سمعت صوت المؤذن من بعيد:
"الصلاة خير من النوم..."
تساقطت دموعها من جديد...
ليلٌ طويل انتهى، لكن الظلام داخل قلبها لم ينتهِ بعد.
كانت تهمس:
"يا رب... إنك ترى ضعفي. فأعنّي."
ولم تكن تعلم...
أنه في اللحظة نفسها، على الجانب الآخر من المدينة، كان رجلٌ آخر يستيقظ لصلاة الفجر...
رجلٌ سيكون جزءًا من حياتها قريبًا.
قريبًا جدًا