معادلة السقوط الحربقلم مستخدم قديم فصل 1

النغمة الخاطئة

5 دقائق قراءة · 813 كلمة

في عالم "يامن"، الوجوه ليست سوى ألغاز مبعثرة؛ مساحات من الجلد المسطح، أنوف غريبة، وأعين لا تترك أثراً في ذاكرته. بالنسبة له، البشر هم مجرد نسيج من الأصوات، إيقاعات المشي، وروائح العطور التي تسبق أصحابها. لهذا السبب، كان يعشق العمارة؛ فالجدران لا تتغير، والزوايا القائمة تظل وفية لمنطقها، والخرسانة لا تملك وجهاً يخونك بصمتها.

كانت الساعة قد تجاوزت الثانية بعد منتصف الليل، وكان "برج القمة" يرتفع خلف زجاج مكتبه في الطابق الأربعين مثل عملاق من الفولاذ يحدق في أضواء المدينة الصاخبة. هذا البرج لم يكن مجرد بناء؛ كان ابنه الذي لم ينجبه، التحفة التي صممها لتكون الأكثر أماناً في وجه أعنف الزلازل.

أمام "يامن" على الشاشة الضخمة، كانت المخططات النهائية لنظام التخميد الاهتزازي (Tuned Mass Damper) مفرودة كخريطة كنز معقدة. كانت يده ترتجف قليلاً وهو يمرر الفأرة فوق الوصلات الهيكلية. شعر بشيء ليس في مكانه. لم يكن خطأً هندسياً واضحاً، بل كان "نغمة خاطئة" في سيمفونية الأرقام التي يحفظها عن ظهر قلب.

تمتم يامن بصوت خفيض: "هذا المستشعر.. لم أضعه هنا".

اقترب بوجهه من الشاشة حتى كاد يلامس الزجاج. في القطاع (7-B)، حيث تلتقي الأعمدة الرئيسية للبرج، وجد تعديلاً في شيفرة الترددات. وفقاً لهذا التعديل، فإن كتلة التوازن في قمة البرج لن تعمل على امتصاص الاهتزازات، بل ستقوم بتضخيمها إذا تعرض المبنى لتردد صوتي معين.

توقف قلبه لثوانٍ. هذا ليس خطأً بشرياً، إنه عمل جراحي دقيق. شخص ما، يملك صلاحية الوصول إلى الخادم الرئيسي، قام بتغيير المعادلة الرياضية قبل ثمان وأربعين ساعة فقط من حفل الافتتاح الضخم.

"من قد يفعل هذا؟" سأل نفسه، بينما كان عقله يحاول استرجاع "أصوات" زملائه في الشركة؛ فمن المستحيل أن يتذكر "وجوههم". تذكر صوت "سامر" الأجش، وضحكة "ليلى" الرقيقة، وخطوات مدير المشروع الرزينة. أي منهم يملك الدافع لتحويل هذا البرج إلى مقبرة زجاجية؟

فجأة، غمرته قشعريرة باردة. لم يكن وحده.

الحواس التي شحذها "عمى الوجوه" لديه جعلته يدرك التغييرات الطفيفة في بيئته. الهواء في المكتب تغيرت كثافته. كانت هناك رائحة خفيفة، مزيج من المطر العالق بالثياب وجلد قديم. رائحة لم تكن تخص أحداً من طاقمه المعتاد.

تجمد يامن في مكانه، وعيناه لا تزالان معلقتين على الشاشة. سمع صوت "تكة" خفيفة؛ صوت نعل حذاء يضغط على السجاد الفاخر خلفه ببطء شديد. لم يكن إيقاعاً مألوفاً. كانت الخطوات واثقة، ثقيلة، ومنتظمة بشكل مرعب.

"هل أنت مازلت هنا يا يامن؟"

جاء الصوت هادئاً، عميقاً، ويحمل نبرة ودودة مصطنعة. تجنب يامن الالتفاف بسرعة؛ فهو يعلم أنه حتى لو نظر إلى المتحدث، فلن يتمكن من التعرف عليه بمجرد وجهه. سيحتاج لسماع المزيد، أو رؤية حركة جسده.

قال يامن وهو يحاول الحفاظ على ثبات صوته: "كنت أراجع اللمسات الأخيرة للمصاعد.. من يتحدث؟".

"أوه، اعتذاري.. نسيت أنك تعتمد على أذنيك أكثر من عينيك".

اقترب الظل حتى أصبح بجانب مكتب يامن تماماً. من زاوية عينه، رأى يامن يداً ترتدي قفازاً جلدياً أسود توضع برفق فوق حافة الطاولة. لم يستطع رؤية الوجه بوضوح بسبب إضاءة الشاشة القوية، لكنه شعر بنظرات تخترقه.

تابع الغريب: "التعديلات في القطاع (7-B) عبقرية، أليس كذلك؟ إنها تجعل البرج يتنفس مع المدينة.. يرقص معها".

شعر يامن بالدم يتجمد في عروقه. هذا الشخص يعرف بالضبط ما الذي كان ينظر إليه. قال يامن بحدة: "هذه التعديلات ستؤدي إلى كارثة إذا هبت رياح قوية أو تم عزف موسيقى بتردد معين في القاعة الكبرى. سأقوم بإلغائها الآن".

تحركت اليد الجلدية بسرعة البرق لتغلق شاشة الحاسوب. ساد الظلام المكتب، ولم يتبق سوى ضوء القمر الشاحب المتسلل من النوافذ.

"لا أعتقد أنك ستفعل ذلك يا يامن،" قال الغريب، واقترب أكثر حتى صار همسه في أذن المهندس. "هذه ليست مجرد معادلة، إنها قدر هذا المبنى. وإذا حاولت العبث بها، تذكر أنني أعرف أين تعيش، وأعرف أنك لا تستطيع حتى تمييز وجه الشخص الذي قد يقف أمام باب بيتك ليقتلك".

دفع الغريب يامن بقوة نحو الكرسي، وسمع يامن صوت خطواته تتراجع نحو الباب بسرعة. صرخ يامن وهو يحاول النهوض: "توقف!".

لكن المكتب كان قد فرغ تماماً. ركض يامن نحو الممر، لكنه لم يجد أحداً. صمت المكاتب الفارغة كان يطن في أذنيه. عاد إلى مكتبه ليعيد تشغيل الحاسوب، لكنه وجد مفاجأة أسوأ بانتظاره.

لقد تم مسح المخططات الأصلية تماماً، وحل مكانها ملف واحد يحمل اسماً غريباً: "السمفونية رقم 0".

بيدين ترتجفان، فتح يامن الملف، لتظهر له رسالة قصيرة مشفرة باللون الأحمر: "الاختبار الأول يبدأ غداً عند الفجر. لا تحاول الهرب، فالأعين التي لا تملكها.. تراقبك الآن".

شعر يامن بضغط هائل في صدره. نظر نحو البرج في الخارج، وخُيل إليه للحظة أن المبنى يتمايل، ليس بفعل الرياح، بل بفعل تلك النغمة الخفية التي بدأت تدب في أساساته.

بينما كان يهم بمغادرة الشركة، تعثر بظرف أبيض ملقى تحت مكتبه. فتحه ليجد صورة فوتوغرافية له وهو نائم في سريره، التُقطت من زاوية مستحيلة داخل غرفته المغلقة. وفي خلفية الصورة، كان هناك وجه لشخص ما يقف خلفه في الظلام، لكنه وجه مشوه في الصورة، وكأن المصور أراد أن يسخر من مرضه.

خرج يامن إلى الشارع وهو يشعر بالدوار. كل شخص يمر بجانبه كان يمثل تهديداً محتملاً؛ كل وجه يراه هو مجرد "قناع" مجهول. وبينما كان يقف بانتظار سيارة أجرة، شعر ببرد مفاجئ في رقبته، وسمع صوتاً مألوفاً جداً يهمس خلفه مباشرة:

"لقد نسيت حقيبتك في المكتب يا يامن.. أم أنك نسيتني أنا أيضاً؟"

التفت يامن بذعر، ليجد أمامه رجلاً يبتسم بملامح بدت له ككل الملامح الأخرى في العالم، لكن إيقاع تنفسه كان هو ذاته إيقاع الشخص الذي كان في المكتب منذ دقائق.