معادلة السقوط الحربقلم مستخدم قديم فصل 2

وجوه بلا ملامح

5 دقائق قراءة · 930 كلمة

كانت الأضواء المنعكسة على أرصفة المدينة المبللة تبدو لـ "يامن" كبقع زيتية مشوهة. تجمدت أنفاسه في صدره وهو يشعر بوقع تلك الجملة خلف أذنه مباشرة. "لقد نسيت حقيبتك.. أم أنك نسيتني أنا أيضاً؟". لم تكن الكلمات بحد ذاتها هي ما أرعبه، بل ذلك التطابق المذهل في نبرة الصوت الصادر من خلفه مع الصوت الذي سمعه في المكتب المظلم منذ دقائق.

التفت "يامن" ببطء، وقلبه يقرع جدران صدره بعنف. أمامه، وقف رجل يرتدي معطفاً طويلاً داكناً. حاول "يامن" كعادته أن يمسح ملامح الرجل بحثاً عن علامة مميزة، لكن عقله خانه كالعادة؛ رأى عينين، وأنفاً، وفماً، لكنها كانت قطعاً مبعثرة لا تشكل "هوية" في ذاكرته. كان وجه الرجل بالنسبة له مجرد ورقة بيضاء أخرى في كتاب مفقود.

"من أنت؟" خرج صوت يامن مخنوقاً.

ابتسم الغريب، وكانت ابتسامته تبدو من خلال حركة عضلات فكه لا من خلال شكل شفتيه. مد يده بالحقيبة التي تركها يامن بالفعل في المكتب، لكن الحقيبة بدت أثقل مما يتذكر. قال الغريب بنبرة ودودة تفيض بالسم: "أنا مجرد عابر سبيل يحب الحفاظ على ممتلكات الآخرين.. خاصة تلك الممتلكات التي تحوي أسراراً هندسية قاتلة".

في تلك اللحظة، لاحظ يامن لمعان نصل معدني صغير يبرز من بين أصابع القفاز الجلدي الأسود الذي يرتديه الغريب. لم تكن هناك جلبة، ولا صراخ، فقط حركة رشيقة ومحسوبة بدقة جراحية. أدرك يامن أن موته يقف على بعد خطوة واحدة.

بدلاً من التجمد، عمل عقله المعماري بسرعة مذهلة. في جزء من الثانية، مسح المحيط ليس كبشر، بل كـ "فراغات" و"كتل". لمح سيارة أجرة تقترب من بعيد، وفتحة زقاق ضيق على يمينه، وعمود إنارة مائل. وبحركة فطرية، دفع الحقيبة نحو صدر الغريب بكل قوته، مما أربك توازنه للحظة، وانطلق يركض نحو الزقاق الضيق.

كان يركض لا خلفاً للهرب فقط، بل هرباً من تلك الحقيقة المرعبة: أنه يهرب من شخص لن يعرفه أبداً لو التقى به في وضح النهار بعد خمس دقائق. كان الزقاق مظلماً، ورائحة الرطوبة والنفايات تزكم الأنوف. سمع وقع خطوات خلفه، إيقاعاً سريعاً ومنتظماً، "تك.. تك.. تك"، نعل صلب يضرب الإسفلت. لم يكن الغريب يركض بجنون، بل كان يلاحقه بثقة الصياد الذي يعرف أن فريسته محاصرة في صندوق خرساني.

وصل يامن إلى نهاية الزقاق ليجده مسدوداً بجدار طوبي قديم. التفت بذعر، ليجد الظل يقترب. انطفأ مصباح الزقاق الوحيد فجأة، وساد ظلام دامس. شعر يامن بحركة الهواء، بشيء يخرق السكون قادماً نحو حنجرته. انحنى بغريزة البقاء، ليسمع صوت النصل وهو ينغرس في الخشب خلف رأسه مباشرة.

"أنت بارع في الهروب يا يامن، لكنك لست بارعاً في إخفاء الحقيقة،" همس الصوت في الظلام.

قبل أن يتمكن الغريب من توجيه ضربته الثانية، انطلقت صفارة إنذار قوية من الشارع الرئيسي، متبوعة بضوء أحمر وأزرق دوار انعكس على جدران الزقاق. كانت دورية شرطة تمر صدفة. تردد الغريب للحظة، ثم تراجع في الظلام بنفس الهدوء المرعب الذي ظهر به.

تعثر يامن في طريقه للخارج، وصرخ بأعلى صوته وهو يلوح لسيارة الشرطة: "ساعدوني! هناك من يحاول قتلي!".

بعد ساعة، كان يامن يجلس في مكتب التحقيقات، يرتجف بينما يلف كتفيه ببطانية خشنة. كان الهواء في القسم يعبق برائحة القهوة المغلية والورق القديم والسجائر. دخل المكتب رجل ذو بنية قوية وشعر أشيب مقصوص بعناية، يرتدي بدلة مدنية أنيقة. وضع الرجل ملفاً أمامه وجلس بهدوء.

"أنا العميد حسان،" قال بصوت عميق ورزين. "أخبرني يا سيد يامن، ماذا حدث بالضبط؟".

بدأ يامن يسرد القصة بتلعثم؛ المخططات المعدلة، "السيمفونية رقم 0"، الصورة التي وجدها تحت مكتبه، والرجل الذي لاحقه. كان حسان يستمع باهتمام، لكن عينيه كانتا تشيان بنوع من الريبة المهنية.

"حسناً يا سيد يامن،" قال حسان وهو يفتح مفكرة صغيرة. "أعطني وصفاً دقيقاً لهذا الرجل. طوله، لون عينيه، ملامح وجهه.. أي علامة مميزة؟".

ساد صمت ثقيل في الغرفة. فرك يامن وجهه بيدين مرتعشتين. "لا أستطيع."

قطب حسان حاجبيه. "ماذا تعني بـ لا تستطيع؟ لقد وقف أمامك، وتحدث إليك، وحاول طعنك في زقاق مضاء بأنوار الشرطة!".

تنهد يامن بعمق، وشعر بمرارة الفشل. "أنا أعاني من حالة طبية نادرة تسمى (عمى الوجوه). أنا أرى الملامح يا سيادة العميد، لكني لا أستطيع ربطها ببعضها. بالنسبة لي، وجهه كان يشبه وجهك، ويشبه وجه العسكري الذي يقف في الخارج. لا أستطيع تمييزه من بين ألف رجل لو وقفوا أمامي الآن."

نظر إليه حسان بنظرة تجمع بين الشفقة والشك. "هل تطلب مني أن أطارد شبحاً بلا وجه؟ ادعاءك بوجود تلاعب في مشروع (برج القمة) خطير جداً، وإذا لم تكن تملك وصفاً للمعتدي، فإن الأمر يبدو وكأنك.. لنقل.. تبالغ بسبب ضغط العمل قبل الافتتاح."

"لست أبالغ!" صرخ يامن وهو يقف من مكانه. "البرج سينهار! هناك معادلة في نظام الاهتزاز تم تغييرها لتدمير المبنى عند تردد معين!".

هدأ حسان من روعه وأشار إليه بالجلوس. "لقد أرسلنا فريقاً للمكتب، ولم يجدوا أي أثر لاقتحام، ولا أي ملفات باسم (السيمفونية رقم 0). الحاسوب الخاص بك كان خالياً تماماً من أي مخططات معدلة. في الواقع يا سيد يامن، شركتك أبلغت عن اختفاء ملفات سرية من مكتبك الليلة، ويتهمونك أنت بأخذها."

شعر يامن أن الأرض تميد به. لقد قلبوا الطاولة عليه في ساعات قليلة. الشخص الذي كان يلاحقه لم يكن يريد قتله فحسب، بل كان يريد تدمير سمعته وجعله كبش فداء للكارثة القادمة.

"سيادة العميد، أرجوك.. ابحث عن رائحة جلد قديم ومطر، ابحث عن وقع خطوات منتظمة كالساعة،" قال يامن بيأس.

ابتسم حسان ببرود وضعيف. "هذه ليست أدلة يمكنني تقديمها للمدعي العام. الآن، سأضطر للتحفظ عليك حتى الصباح للتأكد من بعض المعلومات، خاصة وأننا وجدنا شيئاً مثيراً للاهتمام في سيارتك."

أخرج حسان كيساً بلاستيكياً شفافاً، وبداخله كان هناك جهاز تحكم صغير مشفر، وبجانبه ورقة مطوية بخط يد يامن تقول: "المعادلة اكتملت. السقوط يبدأ من الداخل".

صعق يامن. لم ير هذا الجهاز من قبل، ولم يكتب تلك الجملة قط. أدرك في تلك اللحظة أن "الوجه الذي لا ملامح له" قد أحكم الحصار حوله تماماً. وبينما كان العسكري يقتاده نحو غرفة الحجز، لمح يامن من طرف عينه رجلاً يمر في الممر الطويل للقسم. كان يرتدي زي عمال النظافة. لم يستطع رؤية وجهه، لكنه سمع "تكة" نعل حذائه على البلاط؛ كان نفس الإيقاع، نفس الخطوات الواثقة.

توقف الرجل للحظة، دون أن يلتفت، ورفع يده ببطء ليعدل ياقته، كاشفاً عن قفاز جلدي أسود يغطي كفاً واحدة.