كرونوسيا
5 دقائق قراءة · 847 كلمة
في مكان ما من الكون، بعيدا عن كل الأبعاد المعروفة، تقف أرض مستقلة لا تتبع أي سلطة، نقطة الوصف بين كل العوالم جميعها. هناك، حيث يلتقي الواقع بالخيال، والخير بالشر، وتتلاشى كل الحدود والحواجز، وكأنها لم تكن، توجد كرونوسيا، أرض العوالم. مكان ليس في الزمان ولا في المكان، لكنه يجمع كل الزمان وكل المكان.
في قلب كرونوسيا، كانت تنتصب سبع بوابات، مصفوفة في دائرة مثالية، كأنها ساعة كونية عملاقة. كلها كانت تنظر نحو المركز، حيث يعلو عمود ضخم من الحجر الكرونوسي، حجر أزرق غامق يلمع بضوء النجوم، كأن الآلاف منها محبوسة بداخله. نقشت على سطحه حروف ورسومات غريبة، ليست من لغة البشر ولا من لغة الوحوش، ولا حتى من أي لغة معروفة. حروف تروي قصصا وحقائق أزلية، تنبئ بمستقبل قد يحدث، وماض قد يمحى، وأسرارا لو عرف أحد كيف يستغلها، لأطاحت بالكون بأسره.
كانت كل بوابة من السبع مصنوعة بشكل عجيب، مختلفة تماما عن الأخرى في هيئتها، حجمها، مادتها، وحتى رائحتها. وبينما كان الزمن يقف على أعتابها، انفتحت كلها فجأة، في لحظة واحدة متزامنة، وكأن يدا خفية أدارت مفتاحا واحدا لجميع الأقفال. في تلك اللحظة ذاتها، أشع الحجر الكرونوسي بنور عظيم يعمي الأبصار، يسكت الأصوات، ويجمد الزمن. مرت فترة لا علم لأحد بطولها. ربما كانت مجرد ثوان، أو ربما كانت سنوات، أو حتى قرون. ثم، خف النور تدريجيا، وتلاشى تماما، كما يتلاشى الحلم عند الاستيقاظ، تاركا الحجر فارغا، صافيا، أملس، بلا نقش، وبلا رسم. ثم، بدأ عدة أشخاص يخرجون من البوابات تباعا، الواحد تلو الآخر.
البوابة الأولى، كانت بابا عاديا، صغيرا، معدنيا، مصبوغا بالأخضر والأزرق. كتبت فوقها: تيراريا، عالم البساطة. خرجت منها فتاة، ترتجف مذعورة كغصن شجرة في مهب الريح، وتنظر حولها بعينين واسعتين خائفيتين، لا تدري كيف وصلت إلى هنا. كان اسمها هاجر.
أما الثانية، فبدت كبوابة سجن قديم، سوداء حالكة، تغطيها رسومات لكائنات مرعبة، عيون حمراء متقدة كالجمر، وأفواه مفتوحة تصرخ في صمت أبدي، ووجوه مرعوبة. كتبت فوقها: ميلانكوليا، عالم الرعب. خرج منها فتى، شاحب الوجه، بعينين مرعوبتين. ارتاحتا قليلا لما رأى النور، لأنه فر مما يوجد في الداخل، ومما كان خلفه. كان اسمه لِيون.
البوابة الثالثة، كانت غريبة، شفافة، كأنها مصنوعة من الماء المتجمد، أو من الزجاج الممزوج بالضوء. كانت تموج وتتمايل، وكأنها تتكون من غاز يطير مع الهواء. كانت تطلق أحيانا طيفا من الألوان كقوس قزح مكسور. كتبت فوقها: هيدولارسيا، عالم السماء. لكن لم يخرج منها أحد. ظلت البوابة مفتوحة، مرتبكة، تنتظر أن يعبر منها شخص ما.
البوابة الرابعة، كانت ضخمة، مستديرة كالبئر، حوافها مكسوة بالطحالب والصخور، وكأنها بوابة قديمة نُسيت في غابة موحشة. الكتابة فوقها كانت مضببة، غير واضحة، لا يمكن قراءتها، كأن الزمن أكل حروفها. خرج منها رجل واحد، متقدم في السن. كان الرجل هادئا، يقف باستقامة، ينظر بإمعان نحو الحجر الكرونوسي. حين رأى سطحه فارغا، تصببت قطرات العرق القلقة على جبينه، وتسلل الضيق إلى عينيه، فجعلهما متجعدتين.
أما الخامسة، فكانت صغيرة جدا، أصغر من أن يعبرها إنسان بالغ. لم تكن كغيرها من الأبواب، لا زخارف، لا كتابة، لا ضوء. كان لونها ترابيا ومغبرا. كأنها مدفونة تحت الأرض لقرون. بدت كباب قبو مهمل. لكنها، رغم ذلك، كانت الوحيدة التي ظلت تغلق وتفتح من تلقاء نفسها، كأنها تتردد، كأنها تخشى إخراج ما بداخلها. كتبت فوقها، بخط يد غير ثابت، متعرج: فينوفاريا، الفجوة.
البوابة السادسة، كانت مخيفة، وكأنها ليست بابا، بل جرحا في نسيج المكان. حوافها كانت غير منتظمة، كأنها مزقت بقوة هائلة، وتنبعث منها رائحة كبريت ودخان خفي. كانت مائلة، وبدت حين انفتحت كشرخ يتوسع، يمزقه شيء ما من الداخل، ساعيا للخروج. فوقها، كُتبت الكلمات متموجة، وكأنها تنجذب نحو البوابة بمغناطيس عملاق: أسديموريا، عالم الدخلاء. خرج من تلك البوابة شخصان، توأمان، فتى وفتاة. كان اسماهما ميرو وماريا.
وأخيرا، البوابة السابعة، كانت بوابة سحرية، حلزونية الشكل، تشع بنور سماوي اللون، وتحيطها النقوش والكتابات الرونية، وعلى جانبها، يتموضع تنينان صغيران ينظران باتجاه بعضهما البعض. كتب فوقها: يوفوريا، عالم العجائب. من هذا الباب، خرج أربعة أشخاص. كان الأول فتى، اسمه سمير. وكانت الثانية فتاة، اسمها أروى. أما الثالث فكان فتى، اسمه سند. والرابعة كانت فتاة، اسمها ليريا.
تجمع العابرون في أرض كرونوسيا الوسطى، تحت ظل العمود الحجري. كانت الحيرة تعلو نظراتهم جميعا، ما عدا الرجل العجوز. كان الجميع صامتين، يحدقون في بعضهم البعض، لا يعرف أي منهم الآخر، ولا يعرف لماذا هو هنا. بعد لحظات، كسرت الصمت صيحة شاب خرج من بوابة هيدولارسيا. كان يركض وكأن شيئا يطارده. توجهت العيون نحوه، وصرخت الفتاة ليريا باسمه: زيد! كان اسمه زيد، آخر من وصل. ومن خلفه، انغلقت البوابة التي جاء منها، وتلتها تباعا جميع البوابات الأخرى. ما عدا بوابة فينوفاريا، التي ظلت على حالها تنفتح وتنغلق بسرعة شديدة.
هؤلاء الأشخاص، الذين استدعتهم كرونوسيا، لم يتم اختيارهم عشوائيا. كلهم كانوا مرتبطين، ولو بطريقة غير مباشرة. كان العجوز يعرف هوياتهم جميعا، لكن لا أحد منهم كان يعرف هويته.
لكن العجوز ليس محور الأحداث الآن. الشخص الأهم هناك، والذي سيعتمد مصير الكون عليه، هو ذاك الفتى، ذو العينين الخضراوين، سمير. سيلعب دورا مشابها لدور كرونوسيا نفسها. سيصل بين العابرين أو سيفرقهم، اعتمادا على قراراته وأفعاله، على اختياراته التي قد تبدو صغيرة، لكنها ستغير كل شيء.
لكن هذا سيحدث لاحقا. كل هذه الأمور، وكل هذه الأحداث، ستنتظر. قبلها، هناك الكثير والكثير من الوقائع والمغامرات التي سيعيشها هؤلاء العابرون. سمير خاصة، ستكون حياته الأكثر تعقيدا، ومحيطه الأكثر فوضى. لا معنى من الحديث عن هذا الآن. فلنعد إلى الوراء، سنوات عديدة. إلى اليوم الذي ولد فيه هذا الفتى. إلى البداية الحقيقية لكل شيء...