البداية
4 دقائق قراءة · 694 كلمة
كان ذلك اليوم خانقا، تجاوزت درجة الحرارة فيه خمسا وأربعين درجة بقليل، ليكون أكثر الأيام حرا في تلك السنة، في مدينة ديجي على الأقل.
كانت الشوارع شبه خالية، لا تجد فيها إلا القلة القليلة جدا من المشاة، وكلهم، بلا استثناء، يتصببون عرقا، ويتمنون في نفوسهم لو يعودون إلى منازلهم المكيفة في الحال، أو يختبؤون تحت شجرة أو ظلة، كي يتجنبوا التعرض لأشعة الشمس الحارقة، والتي لعنها كثيرون منهم ذلك اليوم.
مدينة ديجي ليست بالمدينة الكبيرة، يمكنك تسميتها بلدة حتى، إذ يمكنك أن تقطع المدينة بأكملها من شرقها إلى غربها، أو من شمالها إلى جنوبها، في ثلاثين دقيقة فقط، هذا إذا كنت ستمشي على قدميك، أما بالسيارة فالرحلة لن تتجاوز نصف ذلك الوقت.
يوجد في المدينة بأكملها مستشفيان اثنان فحسب، يقع الأول منهما في أقصى الغرب، بينما الثاني يتواجد بين وسط المدينة وأقصى الشرق. لكن كليهما كان كبير الحجم جدا، ويتسع لعدد هائل من المرضى والعاملين.
في ديجي، في المستشفى الغربي، في التاسع عشر من يونيو، أكثر الأيام قيظا التي عرفتها المدينة، الهواء ثقيل وساخن، والمروحة القديمة على السقف تدور ببطء كأنها تعمل بالكاد، وتخلط رائحة المطهر مع العرق والعطر الذي تزينت به إحدى العاملات. رغم خلوه سوى من امرأة واحدة، وطبيبة توليد، وممرضتين اثنتين، تعالت الأصوات من جناح التوليد، وكأن هناك حربا دائرة هناك.
كانت المرأة مستلقية على سرير معدني، يداها تمسكان بطرفي السرير، وتقبضان عليهما بقوة جعلت مفاصلها بيضاء وقد فر الدم منهما. لمعت قطرات من العرق على جبينها، الذي يتعرض لضوء المصباح المثبت فوقها تماما، وشعرها البني الكثيف المبلل قد التصق بصدغيها. كل انقباضة كانت تجيء كضربة تكسرها من الداخل، فتصرخ بأعلى صوتها، وكأن جلدها يُشوى بمكواة. ارتجف صوتها وتردد بين التوسل والاستسلام وهي تصيح: ((لا يمكنني! لا... لا أستطيع الاستمرار!))
وقفت الطبيبة الأربعينية بين ساقي المرأة، وقالت تشجعها بصوت جاف: ((بل تستطيعين! هيا، لم يتبق إلا القليل، تنفسي وادفعي بكل ما أوتيت من قوة.))
أخذت المرأة نفسا متقطعا، ودفعت، وتنفست، ودفعت، ثم توقفت وقد خارت قواها. قالت الطبيبة تستحثها على المتابعة من جديد: ((هيا! لا يمكنك الاستسلام الآن، رأسه قد خرج، دفعة أخرى وسننتهي.))
أخذت إحدى الممرضتين تمسح العرق عن جبين المرأة بمنديل مبلل تحمله بيمناها، وباليد الأخرى تمسح القطرات اللاذعة التي تراكمت على وجهها هي. بينما كانت الممرضة الثانية تجهز المقص والمشبك، وعيناها تراقبان شاشة نبض الجنين التي تصدر صوتا ما.
أخذت المرأة نفسا جديدا، واحتقن وجهها بالدم، ودفعت بكل ما بقي في جسدها من طاقة. صرخت بصوت أعلى هذه المرة، فقد كان ألمها لا مثيل له؛ كانت تشعر بحرقة وتمزق، وبالجنين يحفر طريقه للخروج إلى العالم.
ثم، توقفت صرخاتها فجأة، وساد الصمت الأرجاء، صمت ثقيل. ارتخت ذراعا المرأة، وسقطتا على جانبي السرير، وكذا فعلت كل عضلات جسدها دفعة واحدة. علا صدرها وهبط، وتحرك بؤبؤا عينيها بسرعة قبل أن يتوقفا وتنسدل جفونها. فقدت المسكينة وعيها من شدة الإرهاق.
لكن الصمت لم يدم طويلا، ثوان معدودة فقط وعم الغرفة صوت بكاء حاد. رفعت الطبيبة الطفل بسرعة، وصفعت ظهره الصغير بخفة، فارتفع صراخه أكثر، وأخذ يتحرك ويلوح بقبضتيه الصغيرتين في الهواء. جلده كان أزرق مائلا للحمرة، ومغطى بمادة بيضاء لزجة. أسرعت الممرضة تقطع الحبل السري بالمقص المعدني، ثم لفته الطبيبة بمنشفة زرقاء.
نادَت إحدى الممرضتين الأب القلق الذي كان ينتظر بفراغ صبر خلف الباب، وقد شحب وجهه من القلق والحر. فدخل ومعه دخلت فتاتان.
الأولى هاجر، تجاوزت الخمس سنوات منذ أسابيع قليلة؛ كانت طويلة مقارنة بمن هم في عمرها، بشرتها بيضاء ناعمة وصافية، وشعرها بني حريري ينسدل على كتفيها الصغيرتين، أما عيناها، فكانتا بنفس لون شعرها، لكن أكثر عمقا. من خلال تأملك لقسمات وجهها، يمكنك استنتاج أنها ستكبر لتصير شابة حسناء بارعة الجمال. كانت ترتدي قميصا خفيفا وردي اللون، بلا كمين، وذا رسم صغير يمثل وردة وحيدة، خيط على صدر القميص من اليسار، وسروالا قصيرا يحمل نفس اللون والرسم، يرتفع فوق ركبتها بقليل.
أما الثانية، أروى، فأصغر بثلاث سنوات كاملة. كانت ذات بشرة بيضاء مثل أختها، لكن مع بعض النمش على أنفها وتحت عينيها، لم يكن بالإمكان ملاحظته إلا إذا دققت النظر في وجهها لبعض الوقت. شعرها اصطبغ بلون أسود كالفحم، مع أنه كان يشبه شعر هاجر في نعومته وحريريته، وعيناها الصغيرتان الجميلتان سبح فيهما بؤبؤان سوداوان كالليل. كانت ترتدي ثيابا مطابقة لثياب أختها، لكن لونها كان أحمر فاقعا.
اقتربت الطبيبة من الأب ومدّت له الحزمة الصغيرة قائلة: ((مبروك. ولد سليم.))
لم يرد الأب عليها بشيء، ابتسم لها فقط، ومد يديه ليأخذ ابنه. وفي قرارة نفسه، اعتزم أن يهب حياته لهذا الصغير.