حين خذنا الجميعبقلم احمد الرحال User 9089 فصل 2

الفصل 2

3 دقائق قراءة · 653 كلمة

### الفصل الثاني: البيت الذي يخفي الأسرار

لم ينم أحمد تلك الليلة.

ظلّت الرسالة تتردد في ذهنه، وكلما حاول إقناع نفسه بأنها مجرد خدعة، عاد السؤال نفسه ليطارده: من الذي كذب عليه؟ ولماذا الآن، بعد مرور ثلاث سنوات على وفاة والده؟

مع بزوغ الفجر، حمل حقيبته وغادر شقته. لم يخبر أحدًا بوجهته، ولم يكن يرغب في سماع نصائح من أشخاص لم يعودوا يعرفون عنه شيئًا.

كانت الرحلة إلى مدينته القديمة طويلة، لكن الطريق لم يكن أصعب من الطريق الذي قطعه داخل نفسه طوال السنوات الماضية.

عندما وصل، بدت المدينة أصغر مما يتذكرها. الشوارع نفسها، والمقاهي القديمة، والأشجار التي زرعها الزمن على جانبي الطريق. ومع ذلك، شعر بأنه غريب في مكان كان يومًا عالمه كله.

توقف أمام منزل عائلته.

كان الباب الخشبي لا يزال يحمل الخدوش ذاتها التي تركها عندما كان طفلًا، وكانت النافذة المطلة على الحديقة مغلقة بستائر رمادية لم يرها من قبل.

اقترب من الباب، ثم تراجع خطوة.

ثلاث سنوات كاملة لم يجرؤ خلالها على العودة.

لم يكن يخاف المنزل، بل ما قد يجده داخله.

طرق الباب مرتين.

انفتح الباب ببطء، وظهرت أمامه امرأة لم يتوقع رؤيتها.

كانت مريم، ابنة عمّه، التي نشأت معه منذ الطفولة، وكانت أقرب إليه من كثيرين اعتبرهم إخوة. لكنها كانت أيضًا آخر شخص رآه أحمد قبل مغادرته المدينة، وآخر شخص ظن أنه يمكن أن يخونه.

نظرت إليه بدهشة، ثم تغيّر وجهها فجأة.

— أحمد؟!

لم يُجب. كان يراقب عينيها، محاولًا فهم سبب خوفها.

قالت بصوت منخفض:

— ماذا تفعل هنا؟ كان عليك ألا تعود.

تلك الكلمات وحدها كانت كافية لتجعله يشعر بأن الرسالة لم تكن كذبة.

دفع الباب قليلًا ودخل.

— أريد أن أعرف ماذا حدث لأبي.

أغلقت مريم الباب خلفه، ثم التفتت إليه.

— أنت لا تعرف شيئًا عمّا جرى في تلك الليلة.

— إذن أخبريني.

خفضت رأسها، وشبكت أصابعها بتوتر.

— لا أستطيع.

ضحك أحمد ضحكة قصيرة خالية من الفرح.

— ثلاث سنوات يا مريم. ثلاث سنوات وأنا أعيش مقتنعًا بأن أبي مات بسبب المرض، وأن كل شيء انتهى. والآن يصلني شخص مجهول ويخبرني أن الجميع كذبوا عليّ. وأول ما أعود، تقولين لي إن عليّ المغادرة!

رفعت مريم عينيها إليه، وكانت الدموع تتجمع فيهما.

— لأن بعض الحقائق، يا أحمد، لا تعيد الموتى إلى الحياة. إنها فقط تدمّر من بقي منهم.

— ومن الذي تحاولين حمايته؟

لم تجب.

وفي تلك اللحظة، سمعا صوت خطوات قادمة من الطابق العلوي.

تجمّدت مريم، ونظرت نحو السلم.

أما أحمد، فالتفت ببطء.

ظهر رجل في نهاية الدرج، يرتدي قميصًا أبيض ويحمل في يده كوبًا من القهوة. كان الرجل الذي استقبله في طفولته كلما عاد من المدرسة، والذي جلس بجانبه يوم وفاة والده، وربّت على كتفه قائلًا إن عليه أن يكون قويًا.

كان عمّه سالم.

ابتسم سالم ابتسامة هادئة، وكأن عودة أحمد لم تكن مفاجأة بالنسبة إليه.

— كنت أعلم أنك ستعود يومًا.

تقدّم أحمد خطوة.

— هل كنت تعلم أن أبي لم يمت كما أخبرتموني؟

اختفت الابتسامة عن وجه سالم.

وضع الكوب فوق الطاولة، ثم نظر إلى مريم نظرة جعلتها تتراجع إلى الخلف.

— من أخبرك بهذا الكلام؟

أخرج أحمد هاتفه، وعرض عليه الرسالة.

قرأ سالم الكلمات ببطء، ثم أعاد الهاتف إليه.

— هناك أشياء يا أحمد، لو بقيت مدفونة، لكان الجميع عاشوا بسلام.

أجابه أحمد بحزم:

— يبدو أن الجميع عاشوا بسلام إلا أنا.

ساد الصمت.

ثم اتجه سالم نحو مكتبه، وفتح درجًا قديمًا، وأخرج ظرفًا بنيّ اللون. ظل ممسكًا به لحظات قبل أن يضعه أمام أحمد.

— هذا تركه أبوك قبل وفاته بيومين. طلب مني ألا أعطيك إياه إلا إذا عدت بنفسك إلى هذا المنزل.

حدّق أحمد في الظرف.

كان اسمه مكتوبًا عليه بخط والده الذي يعرفه جيدًا.

مدّ يده، لكن سالم أمسك بمعصمه.

— قبل أن تفتحه، أريدك أن تعرف شيئًا واحدًا: مهما قرأت في هذه الرسالة، لا تتسرع في الحكم على أحد.

انتزع أحمد يده برفق، وأخذ الظرف.

فتحَه بحذر، وأخرج ورقة مطوية. كانت هناك بضعة أسطر فقط، لكن أول جملة جعلت أنفاسه تتسارع:

«إلى ابني أحمد، إذا وصلت إليك هذه الرسالة، فهذا يعني أنني لم أستطع حمايتك من الحقيقة، وأن الشخص الذي ستثق به أكثر من الجميع هو نفسه الذي أخفيت عنك أمره طوال حياتك».

توقف أحمد عن القراءة.

رفع رأسه نحو مريم، ثم نحو عمّه سالم.

كان كلاهما يتجنّب النظر إليه.

قلب الورقة بحثًا عن بقية الرسالة، فوجد في أسفلها اسمًا واحدًا، مكتوبًا بحبر مختلف.

اسم الشخص الذي لم يتخيل يومًا أن يرتبط بموت والده.

وفي تلك اللحظة، أدرك أحمد أن عودته إلى المنزل لم تكن بداية اكتشاف الحقيقة فحسب، بل بداية انهيار كل ما تبقّى من حياته القديمة.