ضلام العالمبقلم malika فصل 1

بداية الانطفاء

3 دقائق قراءة · 415 كلمة

كان الغسق في قرية "أيقور" يأتي عادة على مهل، كنزيف بطيء من الأرجوان والذهب على جبال الشتاء، لكنه في ذلك اليوم سقط ككتلة من الرصاص المذاب. لم تنحدر الشمس باسترخاء خلف الأفق، بل تآكلت ببطء وكأن قرشاً خفياً من العدم كان يقضم أطرافها حتى انمحت تماماً.

​جلست وتين على عتبة باب منزلها الخشبي القديم، تفرك كفيها الباردتين ببعضهما بينما كانت عيناها الواسعتان تتابعان ذبول لون الأزهار في الحديقة الصغيرة. كانت في التاسعة من عمرها، لكنها تمتلك قدرة عجيبة على ملاحظة ما لا يراه الآخرون. همست بصوت خافت بالكاد يسمع وهي تشير بإصبعها الصغير نحو الأفق:

​"بيسينت.. انظري إلى تلك الشجرة هناك. لقد شرب الظل جذوعها بالكامل."

​اقتربت بيسينت بخطوات بطيئة، وكانت في العاشرة من عمرها، ذات شعر أسود طويل وعينين حادتين تشبهان عيون القطط في العتمة. وضعت يدها على كتف وتين وقالت بنبرة خالية من السعادة:

​"إنه ليس ظلاً عادياً يا وتين. لقد لاحظت ذلك منذ الظهيرة. حتى الطيور لم تعد تغرد، بل تتجمع فوق الأسلاك وتحدق في الأرض بجمود مرعب وكأنها تنتظر أمراً ما."

​في تلك اللحظة بالضبط، فتح باب البيت المجاور وخرجت نانسي ذات الأحد عشر ربيعاً، تحمل في يدها مصباحاً قديماً يعمل بالكيروسين، لكن زجاجته كانت مغطاة بطبقة داكنة من السخام حالت دون انبعاث النور الحقيقي منه. نظرت الفتيات الثلاث بعضهن إلى بعض في صمت مطبق. كان الصمت ثقيلاً، يملأ الفراغ بينهن برائحة غريبة تشبه رائحة التراب المبلل بعد المطر، ممزوجة ببرودة معدنية لا تفسير لها.

​قالت نانسي بصوت حازم حاول إخفاء ارتعاشة طففية في شفتيها:

​"أمي وأبواي غارقان في نوم عميق غريب. حاولت إيقاظهما مراراً وتكراراً، لكنهما لا يتحركان، وكأن شيئاً ما قد نزع حركتهما وترك أجسادهما قوالب فارغة. الهواء في الداخل أصبح كثيفاً، لا يمكن التنفس براحة."

​ردت بيسينت وهي تنظر نحو الغابة المظلمة التي تتاخم أطراف القرية:

​"القرية كلها نائمة يا نانسي. مررت عبر النوافذ وأنا آتية إلى هنا؛ الجميع ممددون في أماكنهم، عيونهم مفتوحة وتحدق في السقف بلا إدراك. نحن الوحيدات الواعيات في هذا المكان."

​ساد صمت طويل، قطعته فقط هبّة ريح باردة حملت معها أصواتاً غريبة؛ همهمات خافتة تشبه حفيف أوراق الشجر الجافة، لكنها كانت تتشكل ببطء لتشبه كلمات بشرية مبعثرة تنادي أسماءهن من أعماق الغابة. شعرت وتين بقشعريرة سرت في عمودها الفقري، فالتصقت ببيسينت وخبأت وجهها في معطفها الصوفي القديم.

​قالت وتين بصوت مرتعش:

​"هل سنموت في هذا الظلام يا رفاق؟"

​أمسكت نانسي بيد وتين بقوة، ووضعت بيسينت يدها الأخرى فوقهما وقالت بثبات غريب:

​"لن يموت أحد طالما نحن معاً. الظلام يبتلع العالم، لكننا سنكون النور الوحيد المتبقي فيه."

​ومن خلفهن، انطفأت آخر شمعة في النوافذ المجاورة، ودخلت القرية بأسرها في عتمة مطلقة لا ينيرها سوى ومضات باهتة من عيون الفتيات الثلاث اللاتي وقفن على خط المواجهة الأول بين الحياة والعدم.