بقايا الأبطالبقلم Ahmed فصل 1

الفصل الأول - الجزء الاول

5 دقائق قراءة · 936 كلمة

بقايا الأبطال :

---

1

في قرية حدودية منسية، حيث تتوقف أخبار العاصمة قبل أن تبدأ، عاش "راي" طفولته بين حقول القمح ورياح الشمال الباردة. لم تكن قريته غنية ولا فقيرة، كانت فقط موجودة، مثلها مثل آلاف القرى التي ترسم الحدود بين مملكة "أوست" وجارتها المعادية.

كان راي في الثانية عشرة من عمره.

في ذلك الصباح، ساعد والده "جين" في نقل الخضر إلى السوق. الشمس كانت معتدلة، والرياح تحمل رائحة التراب والسنابل الناضجة. عادا قبل الظهر. كانت والدته "كارين" تعد الطعام، والقرية كلها غارقة في روتينها اليومي الهادئ.

ثم جاء الهجوم من العدم.

صرخات من بوابات القرية. جين توقف فجأة، وجهه تحول إلى حجر. ترك ما في يده وقال لراي بصوت لم يسمعه منه من قبل:

"ابق مع أمك. لا تخرج."

ثم ركض نحو البوابة.

لم يسمع راي كلامه. لم يستطع. جسده تجمد. عيناه فقط كانتا تتحركان، تتابعان والده يختفي بين البيوت. رأى رجال القرية يخرجون من منازلهم، بعضهم بسيوف صدئة، بعضهم بفؤوس الحطب، يركضون خلف جين كأنهم يعرفون أنهم ذاهبون إلى حتفهم لكنهم مضطرون.

كانوا قلة. المهاجمون أكثر.

راي كان يعرف والده رجلاً هادئاً، عضلاته أقوى مما تبدو، لكنه لم يكن مقاتلاً. هكذا كان يعتقد دائماً.

---

2

لم يدم القتال طويلاً. لم يكن قتالاً أصلاً. كان ذبحاً.

رأى راي والده يسقط.

لم يرَ الضربة التي أسقطته. رأى فقط جسده يرتطم بالأرض، والغبار يتصاعد من حوله. شعر راي ببرودة تنتشر في صدره، كأن يده غُرست في جليد. سمع نفسه يصرخ، لكنه لم يشعر بفمه يتحرك.

كارين كانت تمسكه من كتفه بقوة. شفتاها كانتا ترتجفان، لكنها لم تنطق بكلمة. كانت تنظر إلى الأفق، كأنها تنتظر شيئاً.

ثم حدث ما كانت تنتظره.

قطع السماء صوت انفجار عنيف. ليس من الأرض. من الهواء نفسه. عمود من الظلام انشق الأفق، كأن أحداً شق الستار الذي يفصل العالم عن الجحيم.

نزل من ذلك الظلام رجال يرتدون أردية سوداء. وعلى رأسهم، رجل لم يرَ راي مثله من قبل.

كان وجهه حاداً كشفرة سيف. عيناه كانتا تحملان هدوء من رأى الموت ألف مرة ولم يعد يخافه. عندما مشى، لم تصدر قدماه أي صوت. كان يمشي كأنه ظل، كأن الأرض لا تريد أن تثقل عليه.

أوليفر.

لم يكن يعرف اسمه بعد. لكنه لن ينسى ما رآه بعدها.

رفع أوليفر سيفه. للحظة، توقفت الألوان. القرية التي كانت خضراء وصفراء، صارت رمادية للحظة واحدة.

ثم لوح بسيفه.

لم يرَ راي الضربة. رأى أثرها فقط: شق أسود في الهواء، يمتد كجرح مفتوح، يبتلع كل شيء في طريقه. جنود العدو، صرخاتهم، وجودهم... كلهم اختفوا في ذلك الشق كأنهم لم يكونوا هناك أبداً.

ساد الصمت.

ثم قال أوليفر. كان في صوته شيء يشبه الابتسامة، لكنها لم تصل إلى عينيه.

"لم أعلم أن البطل جين أصبح بهذا الضعف."

البطل جين.

رأى راي والده ينهض بصعوبة. كان وجهه مغبراً، ويداه ترتجفان. لكنه ابتسم لتلك الكلمات.

"ما زالت تلك الإصابة تؤثر علي... من الجيد أنك وصلت في الوقت المناسب. لقد شعرت بطاقتك السحرية تقتحم الأرجاء."

أومأ أوليفر. كأن رؤية صديقه القديم يتألم أمامه كانت أمراً عادياً.

"دع الأمر لي."

ثم التفت نحو جنوده.

"فرقة الأبطال... اقضوا على الدخلاء."

---

3

في غضون دقائق، انتهى كل شيء.

الجنود المهاجمون إما قتلى أو هاربون. سكان القرية بدأوا يخرجون من مخابئهم، ينظرون إلى رجال أوليفر بخليط من الرهبة والامتنان.

لكن راي لم يكن ينظر إليهم.

كان ينظر إلى أوليفر. ثم إلى والده. ثم إلى أوليفر مجدداً.

كيف يعرف والدي البطل أوليفر؟ ولماذا دعاه "البطل جين"؟

كانت الأسئلة تتزاحم في رأسه كالنحل في خليته. لكنه لم يسأل. وقف مكانه، يراقب أوليفر وهو يأمر فرقته بالتوجه إلى العاصمة. رآه يتجه نحو منزلهم كما لو كان يعرف الطريق.

تبعته عينا راي فقط. لم يتحرك.

دخل أوليفر إلى المنزل وكأنه منزله.

جين كان جالساً على كرسي خشبي، وكارين تضع يدها على كتفه. أوليفر لم يسلم، لم يبتسم. فقط جلس مقابل صديقه القديم.

"لقد علم الملك أن مملكة أريثيا ستخون المعاهدة. علم أن أول ما سيفعلونه هو مهاجمة القرى الحدودية. لذلك أرسل الملك فرق الأبطال إلى الحدود."

أومأ جين بتعب. عيناه كانتا مثقلتين بشيء أعمق من النعاس.

"إذن... ذلك المختل قد خان الاتفاق المبرم."

"هذا صحيح."

ثم التفت أوليفر إلى راي. كان الفتى لا يزال واقفاً عند المدخل، لا يدري إن كان مسموحاً له بالدخول أم لا.

"هل هذا ابنك؟"

نظر جين إلى ابنه. كانت نظراته تمتزج بين الفخر والحسرة.

"نعم. إنه راي."

حدق أوليفر في الفتى لحظة. عيناه لم تكونا قاسيتين، لكنهما كانتا تخترقان. كأنه يقرأ شيئاً لا يراه الآخرون.

"يشبهك تماماً... لكن لا أستشعر منه أي طاقة سحرية."

تنهد جين.

"يبدو أنه لم يرث مني أو من أمه أي طاقة سحرية. أظنه سيكون مثل جده لوثر."

اندهش أوليفر للمرة الأولى منذ وصوله.

"ماذا؟ هذا صعب يا جين. هذا الطريق ليس سهلاً في عالمنا."

"أنا أثق براي. فهو عبقري وسريع التعلم."

"إذن... سترسله إلى المدرسة الملكية؟"

"هذا أكيد."

نظر أوليفر إلى راي مجدداً. هذه المرة، كانت نظراته مختلفة. كأنه يرى شيئاً لا يراه الآخرون.

"سأنتظره في العاصمة إذاً."

نهض ومضى كما جاء. دون وداع طويل. دون نظرة إلى الوراء.

---

4

في تلك الليلة، لم ينم راي.

جلس على سطح منزله، ينظر إلى النجوم. كانت باردة، بعيدة، لا تعلم شيئاً عن كل ما سمعه.

أبوه كان يعرف أوليفر. وأوليفر دعاه "البطل". وأمه... لم تقل شيئاً، لكن يديها كانتا ترتجفان.

كانت الأسئلة تتزاحم في رأسه. من يكون والده حقاً؟ وما هذه "الإصابة" التي تحدث عنها؟ ولماذا قال أوليفر إنه سيكون مثل "جده لوثر"؟

لم يكن يعرف شيئاً.

لكنه عرف شيئاً واحداً:

أبوه خاطر بحياته من أجل قريته. دفع ثمناً لا يعرفه بعد.

وهو... لم يكن لديه قوة ليخسرها أصلاً.

ضحك راي من داخل قلبه. ضحكة مريرة صامتة.

"إذاً... ما الذي يمكنني أن أفعله؟"

لم يجب أحد. لكن الريح الباردة التي هبت من الشمال بدت كأنها تهمس بشيء لم يفهمه بعد.

نظر إلى الأفق البعيد. نحو العاصمة التي قال أوليفر إنه سيذهب إليها يوماً.

"المدرسة الملكية..." همس لنفسه.

كان بعيداً. لكنه كان موجوداً.

---

نهاية الجزء الاول من الفصل الاول.