«حين ابتسمت المملكة...ثم صمتت»
4 دقائق قراءة · 705 كلمة
كانت أجراس القصر الملكي تُقرع منذ الصباح.
رنّاتها انتشرت فوق أسطح المملكة القديمة، بين الأبراج الحجرية العالية والمنازل ذات النوافذ المزخرفة، بينما رفرفت رايات العائلة الملكية فوق أسوار القصر.
كان الثلج الخفيف يغطي أطراف الحدائق الملكية.
وفي قلب القصر، خلف أبواب الجناح الملكي، كانت أصوات الخدم تتحرك بسرعة.
— «أسرعوا! أحضروا الماء الساخن!»
— «الطبيب الملكي لم يصل بعد؟»
— «إنه في الطريق!»
أما في الممر المقابل، فكان الملك يمشي ذهابًا وإيابًا.
كان شعره الأسود القصير غير مرتب قليلًا، وعيناه الصفراوان لا تستقران على شيء.
توقف فجأة عندما سمع صوتًا من داخل الغرفة.
ثم ساد الصمت.
رفع رأسه.
— «...ماذا حدث؟»
خرجت إحدى القابلات من الغرفة، ووجهها يحمل ابتسامة واسعة.
انحنت أمامه.
— «جلالتك...»
توقف الملك عن التنفس للحظة.
ثم قالت:
— «لقد وُلد الأمير.»
اتسعت عينا الملك.
— «هل... الملكة بخير؟»
— «بخير، سيدي.»
أغمض الملك عينيه للحظة، وكأن جبلاً ثقيلاً أُزيل عن صدره.
ثم ابتسم.
— «والطفل؟»
رفعت القابلة رأسها.
— «صبي.»
ظل الملك صامتًا لثوانٍ.
ثم ضحك ضحكة قصيرة لم يستطع منعها.
— «صبي ثالث...»
وضع يده على وجهه، ثم قال:
— «ثلاثة أبناء...»
دخل الغرفة.
كانت الملكة مستلقية على السرير، شعرها الأبيض الطويل منتشر حولها، ووجهها شاحب من التعب، لكنها كانت تبتسم.
بين ذراعيها كان الطفل الصغير ملفوفًا بغطاء أبيض.
اقترب الملك ببطء.
نظر إلى ابنه.
كان الطفل هادئًا.
فتح عينيه للمرة الأولى.
عينان حمراوان صغيرتان.
ابتسمت الملكة.
— «انظر إليه.»
جلس الملك بجانبها.
— «إنه يشبهك.»
ضحكت بخفة.
— «بل يشبهك.»
— «مستحيل.»
— «حتى وهو رضيع بدأت تجادلني؟»
ابتسم الملك.
ثم نظر إلى الطفل مرة أخرى.
— «هل اخترتِ له اسمًا؟»
نظرت الملكة إلى صغيرها.
وضمتّه برفق.
— «إيلڤان.»
سكت الملك لحظة.
ثم كرر:
— «إيلڤان ڤيرثاين...»
ابتسم.
— «اسم جميل.»
وضعت الملكة إصبعها قرب يد الطفل.
أمسك الطفل بإصبعها.
همست:
— «مرحبًا بك في هذا العالم، إيلڤان.»
وخارج الغرفة...
دقت الأجراس من جديد.
---
بعد عامين
مرّ عامان.
كان القصر قد اعتاد وجود الأمير الصغير.
وفي ظهيرة هادئة، كانت أشعة الشمس تدخل عبر النوافذ الطويلة للجناح الملكي.
كان إيلڤان يجري في الحديقة الداخلية بخطوات صغيرة غير متوازنة.
خلفه كانت إحدى الخادمات تحاول اللحاق به.
— «سموك! ببطء!»
ضحك الطفل.
— «لا!»
— «سموك، ستقع!»
استدار إيلڤان إليها.
— «لن أقع!»
ثم ركض أسرع.
رفعت الخادمة حاجبًا.
— «قلت هذا قبل عشر ثوانٍ فقط.»
كانت الملكة تجلس على مقعد قريب، تراقبه وهي تبتسم.
كان وجهها دافئًا وهادئًا.
— «دعيه.»
نظرت الخادمة إليها.
— «لكن جلالتك، إنه لا يتوقف عن الركض.»
ضحكت الملكة.
— «إنه طفل.»
اقترب إيلڤان من حافة النافورة.
مد يده نحو طائر صغير كان يقف على الحجر.
— «تعال...»
اقترب الطائر قليلًا.
ابتسم إيلڤان.
— «أمسكتك!»
خطا خطوة إلى الأمام.
ثم...
تعثرت قدمه.
— «آه...»
سقط.
ارتطم رأسه بالحجر.
طَق.
ساد الصمت.
تجمدت الخادمة.
وتوقفت الملكة عن الابتسام.
رفع إيلڤان رأسه ببطء.
ثم بدأت شفتاه ترتجفان.
— «...أمي...»
ركضت الخادمة نحوه.
— «سموك!»
وبعد لحظة...
انفجر إيلڤان بالبكاء.
— «آآآآآه!»
حملته الخادمة بسرعة.
— «لا بأس! لا بأس يا سموك!»
لكن الطفل لم يتوقف.
كان يبكي بشدة.
— «أمييي!»
اقتربت الملكة فورًا.
— «أعطني إياه.»
أعطتها الخادمة الطفل.
ضمته الملكة إلى صدرها.
— «ششش... أنا هنا.»
لكن إيلڤان ازداد بكاءً.
— «أمي!»
قبّلت رأسه.
— «أنا هنا، حبيبي.»
بدأ جسد الطفل يرتجف.
ثم...
توقفت الملكة.
شعرت بشيء غريب.
همست:
— «...ما هذا؟»
ظهر ضوء بنفسجي خافت حول جسد إيلڤان.
الخادمة تراجعت خطوة.
— «جلالتك...»
ازداد الضوء.
أصبح أكثر كثافة.
— «ابتعدي.»
— «لكن سموه—»
— «ابتعدي!»
احتضنت الملكة طفلها بدلًا من أن تتركه.
— «إيلڤان... انظر إليّ.»
لكن الطفل كان يبكي فقط.
— «أمي...»
مدت يدها إلى وجهه.
— «أنا هنا.»
وفجأة...
توقف صوتها.
ظهرت تشققات رمادية على أطراف أصابعها.
نظرت إليها.
ثم إلى إيلڤان.
— «...لا.»
بدأ الحجر يصعد من يدها إلى ذراعها.
— «لا...»
صرخت الخادمة:
— «جلالتك!»
حاولت الملكة دفع الطفل بعيدًا.
لكن جسدها لم يعد يستجيب.
— «خذي... إيلڤان...»
— «جلالتك!»
تحولت ذراعها إلى حجر.
ثم كتفها.
ثم عنقها.
نظر إيلڤان إلى وجه أمه وهو يبكي.
— «أمي...»
ابتسمت له.
ابتسامة صغيرة جدًا.
آخر شيء بقي حيًا في وجهها.
— «لا تخف...»
ثم...
توقف كل شيء.
اختفى الضوء البنفسجي.
وسقط الصمت على الحديقة.
كانت الملكة واقفة في مكانها...
لكنها لم تعد بشرًا.
تحولت إلى تمثال حجري كامل.
الطفل بين ذراعيها.
والابتسامة ما زالت على وجهها.
حدقت الخادمة فيها.
لم تستطع الكلام.
ثم سقطت على ركبتيها.
— «...جلالتك؟»
لا جواب.
— «جلالتك...؟»
اقتربت ولمست يدها.
حجر بارد.
بدأت الخادمة تبكي.
أما إيلڤان...
فكان لا يزال يبكي.
— «أمي...»
---
بعد ساعات
كان القصر في حالة فوضى.
وصل الملك.
دخل الحديقة بخطوات سريعة.
— «أين الملكة؟!»
لم يجبه أحد.
رأى التمثال.
توقف.
اتسعت عيناه.
— «...لا.»
اقترب.
— «لا...»
لمس وجهها الحجري.
يده ارتجفت.
— «إليسارا؟»
صمت.
ثم نظر إلى الطفل.
كان إيلڤان جالسًا على الأرض، يبكي بصمت هذه المرة.
نظر الملك إليه.
تغير وجهه.
— «...هو.»
رفع إحدى الخادمات رأسها.
— «جلالتك...»
— «ماذا حدث؟»
لم تستطع الإجابة.
— «القوة... ظهرت فجأة...»
نظر الملك إلى اللون البنفسجي الباهت الذي ما زالت آثاره على الأرض.
ثم إلى زوجته.
ثم إلى ابنه.
أغلق عينيه.
وعندما فتحهما...
لم تكن فيهما الدهشة نفسها.
كان هناك شيء آخر.
غضب.
وحزن.
وخوف.
قال بصوت منخفض:
— «خذوا الطفل.»
رفعت الخادمة رأسها.
— «جلالتك؟»
— «خذوه.»
— «لكنه لا يزال طفلًا...»
نظر الملك إليها.
— «قلت خذوه.»
اقترب أحد الحراس.
بدأ إيلڤان بالبكاء مجددًا.
— «أمي...»
تجمد الملك.
للحظة واحدة فقط، بدا وكأنه يريد الاقتراب منه.
لكنه لم يفعل.
استدار.
— «من هذه اللحظة...»
توقف.
ثم قال:
— «سيُنقل الأمير الثالث إلى القصر المعزول.»
صمت الجميع.
— «ولا يُسمح له بمغادرته.»
---
لم يعرف أحد يومها...
أن ما حدث لم يكن نهاية المأساة.
بل كان بدايتها فقط.
فبعد أشهر...
تحطمت إحدى الخادمات إلى تمثال حجري أثناء نوبة غضب للطفل.
وبعدها بأشهر...
تحول حصان صغير إلى حجر عندما بكى إيلڤان بسبب وحدته.
ثم خادمة أخرى.
ثم طائر.
ثم حيوان آخر.
وفي كل مرة...
كان إيلڤان ينظر إلى ما حدث دون أن يفهم.
كان يسأل السؤال نفسه:
««لماذا...؟»»
ولم يكن أحد يملك الشجاعة ليجيبه.
نهاية الفصل الأول.