الشجرة القديمة
4 دقائق قراءة · 725 كلمة
ظل ياسر واقفًا للحظات تحت شجرة الزيتون، ثم سمع صوت زوجته من الجهة الأخرى: «ياسر، تعال ساعدنا هون.»
التفت إليها، وابتسم. «جاي.»
أخذ المشط من الأرض، واتجه نحوها. كان أطفاله قد سبقوه، وكل واحد منهم يحاول أن يقطف ما يستطيع من الزيتون. أحدهم كان يجمع ما يسقط على الأرض، والآخر يحاول الوصول إلى الأغصان المنخفضة، بينما كانت زوجته ترتب ما جمعوه في الصناديق.
لم تكن الصورة تشبه ما كان يراه ياسر في طفولته، لكنها كانت جميلة بطريقتها الخاصة.
أربع سنوات، خمس، ثم ست... حتى أصبح الموسم عادة لا يتخلى عنها. مرّت قرابة سبع سنوات منذ بدأ ياسر يأخذ زوجته وأطفاله معه إلى الأرض كل موسم. في البداية كان أطفاله صغارًا جدًا، وكانوا يقضون معظم الوقت في اللعب، أما الآن فقد أصبحوا يفهمون شيئًا من العمل، حتى لو لم يكونوا يحبونه دائمًا.
كان ياسر يراقبهم من وقت لآخر، ويبتسم عندما يراهم يتذمرون من التعب. قال أحد أطفاله: «بابا، خلص؟»
ضحك ياسر. «لسه بلشنا.»
نظر الطفل إلى الشجرة أمامه ثم إلى والده. «بس تعبنا.»
اقترب ياسر منه، وأعطاه المشط. «تعال، ساعدني شوي. لما نخلص بنرتاح.»
أمسك الطفل المشط وبدأ يعمل معه، وبعد دقائق عاد إلى اللعب وكأن التعب اختفى.
ابتسم ياسر وهو يراقبه. كان يعرف أن أطفاله لن يعيشوا طفولته نفسها. الزمن تغير، والناس تغيرت، وحتى الأرض لم تعد تستقبل الناس بالطريقة نفسها التي كانت تستقبلهم بها قديمًا.
لكنه لم يكن يريد منهم أن يعيشوا الماضي. كان يريد فقط أن يكون لهم ماضٍ خاص بهم. شيء يتذكرونه عندما يكبرون.
استمروا في العمل حتى ارتفعت الشمس قليلًا، وبدأ التعب يظهر على وجوههم. جلست زوجته تحت الشجرة، ومدت يدها نحو الماء. «تعالوا ارتاحوا شوي.»
جلس الجميع حولها. فتح ياسر الحقيبة التي أحضروها معهم، وأخرج الخبز وبعض الطعام، ثم أخرج زجاجة الزيت التي أخذها من البيت. وضعها أمامهم.
نظر أحد أطفاله إلى الزجاجة وسأل: «هذا زيتنا؟»
قال ياسر: «آه، من زيتون أرضنا.»
أخذ قطعة من الخبز، وغمسها في الزيت، ثم مدها لطفله. «ذوق.»
تردد الطفل قليلًا، ثم أخذها. «طيب.»
ضحكت زوجته. «طيب بس؟»
ضحك ياسر. «زمان كنا نعتبره أحسن أكل بالدنيا.»
نظر الطفل إلى والده باستغراب. «لهالدرجة؟»
أومأ ياسر. «لهالدرجة وأكثر.»
سكت قليلًا، ثم أخذ قطعة أخرى من الخبز. لم يكن يريد أن يحكي لهم كل شيء عن الماضي في تلك اللحظة. كان قد عاش تلك الأيام بما يكفي، وكان يعرف أن بعض الذكريات إذا أكثر الإنسان من الكلام عنها فقدت شيئًا من جمالها.
لكنه كان سعيدًا لأنهم جلسوا الآن تحت الشجرة نفسها، يأكلون من زيت أرضهم.
نظر إلى زوجته، فبادلته نظرة فهم منها أنها تعرف تمامًا ماذا يفكر فيه. قالت له: «بتتذكر أيام زمان؟»
ابتسم. «كل موسم بتذكر.»
«وأنت لسه بتحب تيجي لهون؟»
نظر ياسر إلى الأشجار. «أكثر من زمان.»
ابتسمت زوجته، لكنها لم تجبه.
في تلك اللحظة، مر رجل من الطريق القريب من الأرض، وألقى السلام. رفع ياسر يده ورد السلام.
توقف الرجل قليلًا وقال: «لسه بتقطفوا بإيدكم؟»
ضحك ياسر. «لسه.»
هز الرجل رأسه وقال: «والله أنا بطلت. بتعب الواحد، وبالآخر بشتري الزيت جاهز.»
قال ياسر بهدوء: «كل واحد وظروفه.»
«بالضبط. الواحد صار وراه شغل وبيت وأولاد. مين فاضي؟»
أومأ ياسر. كان يعرف أن الرجل محق. الحياة لم تعد كما كانت.
ودّعه الرجل ومضى في طريقه. ظل ياسر ينظر إليه حتى ابتعد، ثم عاد بعينيه إلى الأرض.
قالت زوجته: «هو معه حق.»
«بعرف.»
«بس إنت ما بتتعب؟»
ضحك ياسر. «بتعب.»
«طيب ليش بتضل تيجي؟»
لم يجبها فورًا. نظر إلى أطفاله وهم يلعبون بالقرب من الأشجار، ثم قال: «لأنه لو بطلت أجي... شو بضل؟»
نظرت إليه زوجته، ولم تقل شيئًا.
عاد الصمت إلى المكان. كان ياسر يعرف أن سؤاله لم يكن عن الزيت. ولا عن التعب. كان يعرف أن بعض الأشياء عندما يتخلى عنها الإنسان، لا يستطيع أن يعيدها بسهولة.
بعد قليل، نهض الجميع ليعودوا إلى العمل. أمسك ياسر بالمشط، واتجه إلى شجرة قريبة. بدأ يمرره بين الأغصان بهدوء، فتساقط الزيتون على الغطاء الموضوع تحتها.
اقترب منه أحد أطفاله. «بابا، علمني.»
نظر إليه ياسر. «تعال.»
وقف الطفل بجانبه، وأمسك بالمشط كما علمه والده. بدأ الاثنان يعملان معًا. كان ياسر يصحح له أحيانًا طريقة إمساكه، ويضحك عندما يخطئ، ثم يعيد الشرح من جديد.
ولأول مرة منذ بداية ذلك اليوم، شعر أن شيئًا من الماضي لم يختفِ تمامًا.
لم تعد العائلة خمسة عشر شخصًا. ولم تعد عرباية التركتر مليئة بالأطفال. لكن هناك طفلًا يقف بجانب والده تحت شجرة زيتون، يتعلم كيف يقطف ثمرها.
وربما هذا يكفي.
رفع ياسر رأسه للحظة، ونظر إلى باقي الأرض. كانت الأشجار تمتد أمامه، والهواء يحرك أوراقها، وأصوات أطفاله تختلط بأصوات زوجته.
ابتسم. ثم عاد إلى عمله.
وفي مكان بعيد من الأرض، كانت هناك شجرة قديمة يعرفها ياسر جيدًا. توقف عن العمل للحظة عندما وقعت عيناه عليها. لم تكن الشجرة مختلفة عن غيرها في الظاهر، لكنه تذكر فجأة شيئًا قديمًا يتعلق بها.
ظل ينظر إليها. ثم قال لنفسه بهدوء: «معقول لسه موجودة؟»
ترك المشط في يده، ومشى باتجاهها.
ولم يكن يعرف أن تلك الشجرة ستعيد إليه ذكرى كان يظن أنه نسيها منذ سنوات طويلة.