للذكرى صوتبقلم صدى القارئ فصل 1

موسم الذكريات

6 دقائق قراءة · 1,109 كلمة

كان موسم الزيتون قد بدأ.

في الصباح الباكر، كانت الأرض تستقبل أول حركة من أصحابها بعد عام كامل من الانتظار. الأشجار واقفة في أماكنها كما اعتادت، أغصانها تحمل ثمارها، وأوراقها تتحرك مع نسيم الخريف الخفيف. كان ياسر يعرف هذا المشهد جيدًا؛ فقد عاشه عشرات المرات، منذ كان طفلًا صغيرًا لا يتجاوز الخامسة من عمره.

جلس قليلًا تحت إحدى أشجار الزيتون، وأخذ ينظر إلى الأرض من حوله. كانت زوجته تجمع بعض الزيتون بالقرب منه، وأطفاله يتحركون بين الأشجار، مرة يساعدونها، ومرة يتوقفون عن العمل ليتحدثوا ويلعبوا. لم تكن العائلة كبيرة كما كانت في الماضي، ولم يكن المكان مليئًا بالأصوات والضحكات كما يتذكره ياسر، لكنه كان سعيدًا بوجودهم معه.

منذ سنوات، أصبح ياسر يأتي إلى الأرض في كل موسم مع زوجته وأطفاله. سبع سنوات تقريبًا وهو يحاول أن يحافظ على هذه العادة، رغم أن كثيرًا من الناس لم يعودوا يرون في قطف الزيتون ما كان يراه هو.

كان يسمع من حوله كلامًا يتكرر كثيرًا:

لماذا نتعب أنفسنا؟ نشتري الزيت وننتهي.

لم يكن ياسر يلوم أحدًا، فهو يعرف أن الحياة تغيرت، وأن الناس أصبحوا أكثر انشغالًا، وأن كثيرًا منهم لم يعد لديهم الوقت أو الرغبة في قضاء ساعات طويلة بين الأشجار. لكنه كان يشعر في داخله أن هناك شيئًا أكبر من الزيت نفسه، شيئًا لا يمكن شراؤه من السوق مهما كان ثمنه.

الأرض.

رفع رأسه ونظر إلى شجرة الزيتون التي يجلس تحتها، ثم ابتسم دون أن يشعر.

وفي لحظة واحدة، أخذته الذاكرة بعيدًا.

عاد طفلًا.

كان عمره خمس سنوات فقط، وكان موسم الزيتون بالنسبة له حدثًا ينتظره بفارغ الصبر. لم يكن يعرف وقتها قيمة الأرض كما يعرفها اليوم، ولم يكن يفهم معنى التعب الذي يبذله الكبار، لكنه كان يعرف شيئًا واحدًا: عندما يبدأ موسم الزيتون، تجتمع العائلة.

وكان هذا وحده كافيًا ليجعله سعيدًا.

في كل عام، كان ياسر ينتظر ذلك اليوم مع أبناء عمومته وبقية الأطفال. كان البيت يمتلئ بالحركة منذ الصباح، فالأب والأم، والأعمام وزوجاتهم، والعمات، والأطفال جميعًا يستعدون للخروج.

لم تكن الرحلة إلى الوعر مجرد طريق إلى الأرض.

كانت جزءًا من الفرح نفسه.

كان الجميع يصعدون إلى عرباية التركتر، ويجلسون في الخلف متقاربين من بعضهم. الكبار يأخذون أماكنهم، والأطفال يتزاحمون فيما بينهم، وكل واحد منهم يريد أن يكون قريبًا من الآخر. وما إن يتحرك التركتر حتى تبدأ الأصوات.

غناء.

ضحكات.

تصفيق.

ودربكة تضيف إلى الطريق حياة أخرى.

كان ياسر يجلس بين أبناء عمومته، يضحك معهم، ويتطلع إلى الطريق أمامه، ثم يعود ليتابع ما يفعله الآخرون. لم يكن الطريق طويلًا في نظره، لأن الوقت كان يمر سريعًا وسط تلك الأجواء.

كان عددهم كبيرًا، ومع الأطفال كانوا يصلون إلى خمسة عشر شخصًا أو أكثر، ومعظمهم من الكبار. وكان ياسر يشعر وقتها أن الدنيا كلها موجودة معه في تلك العرباية.

وعندما يصلون إلى الوعر، يتفرق الجميع بين الأشجار.

الكبار يبدأون العمل، وكل واحد يعرف ما عليه فعله. أما الأطفال، فكان لهم عالمهم الخاص. يقطفون بعض الزيتون، ثم يتركون ما في أيديهم ليركضوا ويلعبوا بين الأشجار، ويعودون عندما يناديهم أحد الكبار.

كانت الأرض بالنسبة إليهم ساحة لعب واسعة.

وكان ياسر يحب تلك الساعات دون أن يعرف أنها ستصبح بعد سنوات من أغلى ما يملك في ذاكرته.

كانوا يعملون ثم يستريحون، ويتجمعون وقت الإفطار حول الطعام البسيط. يجلس الجميع معًا، ويتحدثون ويضحكون، ويأكلون وهم ينظرون إلى الأشجار من حولهم. لم يكن الطعام يحتاج إلى شيء كثير حتى يكون لذيذًا؛ فقد كان للمكان طعمه الخاص، وللاجتماع نكهته التي لا تشبه أي شيء آخر.

ومرت السنوات، وكبر ياسر قليلًا.

وفي إحدى المرات، جلس خلف مقود التركتر إلى جانب عمه.

كان يشعر بالخجل، وكأن كل العيون تنظر إليه، رغم أن الجميع كان يعرف أنه مجرد طفل يتعلم شيئًا جديدًا. بقي عمه إلى جانبه يوجهه، بينما كان ياسر يحاول أن يبدو ثابتًا، لكن الفرح كان واضحًا في داخله.

كان يريد أن يقود، وكان سعيدًا لأن عمه وثق به.

تلك اللحظة، رغم بساطتها، بقيت معه سنوات طويلة.

لكن من بين عشرات الأيام التي عاشها في الوعر، كان هناك يوم آخر لم ينسه أبدًا.

كانوا يقطفون الزيتون عندما سمعوا فجأة صوتًا مرتفعًا:

«حية! حية!»

توقف الجميع للحظة.

بدأ الأطفال يبتعدون، وارتفعت أصواتهم، بينما أسرع الكبار نحو المكان. جاء والد ياسر وتعامل مع الحية، وبعد أن انتهى الخوف الأول، تحولت الحادثة بالنسبة للأطفال إلى قصة يتحدثون عنها طوال اليوم.

بقيت صورة ذلك اليوم في ذاكرة ياسر؛ ليس بسبب الخوف وحده، وإنما بسبب الطريقة التي تحولت بها لحظة صغيرة إلى ذكرى ظل يضحك عليها كلما تذكرها.

لكن أجمل ما كان ينتظره ياسر وعائلته لم يكن في الوعر وحده.

كانت هناك المعصرة.

عندما يصل موسم العصر، كان المشهد مختلفًا تمامًا. كانت المعصرة تجمع أهل البلدة، القريب والغريب، الصاحب والجار، الكبير والصغير. الجميع يأتي، والجميع ينتظر لحظة خروج الزيت الجديد.

وكان ياسر طفلًا يقف وينظر إلى كل ذلك بدهشة.

كان الناس يتناولون الزيت الجديد، ويضعونه في الصحون، ثم يأخذون الخبز ويغمسونه فيه.

كانوا يتذوقون خير السنة.

لم يكن ياسر يفهم وقتها لماذا كان الكبار يفرحون بهذه اللحظة إلى هذا الحد، لكنه كان يشعر بفرحتهم، وكان يشعر أن شيئًا مهمًا يحدث.

وكان هناك شيء آخر يحبه أكثر.

في اليوم التالي، عندما يعودون إلى الوعر، كانوا يأخذون معهم من الزيت الجديد. وعندما تأتي استراحة العمل، يجتمعون من جديد حول الطعام، ويضعون الزيت الجديد أمامهم.

كان ياسر يرى أن الزيت الذي خرج بالأمس من المعصرة أصبح اليوم جزءًا من جلستهم بين الأشجار.

الأرض أعطتهم الزيت، والزيت أعادهم إلى الأرض.

لم يكن يعرف كيف يصف ذلك وقتها، لكنه شعر به.

ثم كبرت الأيام.

وكبر ياسر.

تزوج، وأصبح لديه أولاد.

ومع مرور السنوات، تغير كل شيء من حوله.

لم تعد العائلة تجتمع كما كانت.

لم يعد الجميع ينتظر موسم الزيتون كما كان ينتظره الأطفال قديمًا. انشغل البعض بحياته، وابتعد البعض عن الأرض، وأصبح كثيرون يرون أن شراء الزيت أسهل من قضاء أيام في القطف والتعب.

أما ياسر، فبقي كما هو في هذه الناحية.

كان كلما جاء الموسم، أخذ زوجته وأطفاله وذهب إلى الأرض.

لم يعودوا خمسة عشر شخصًا أو أكثر.

لم تعد عرباية التركتر تمتلئ بالأطفال والعمات والأعمام.

لم تعد أصوات الدربكة والغناء تملأ الطريق.

لكن ياسر كان يذهب.

سبع سنوات تقريبًا وهو يعيش الموسم بهذه الصورة الجديدة؛ هو وزوجته وأطفاله فقط.

وفي كل مرة يجلس فيها تحت شجرة ليستريح، تعود إليه تلك الأيام.

يتذكر والده.

يتذكر أمه.

يتذكر أعمامه وعماته.

يتذكر أبناء عمه وهم يركضون بين الأشجار.

يتذكر عرباية التركتر، والأغاني، والتصفيق، والدربكة.

يتذكر المعصرة.

ويتذكر الزيت الجديد والخبز.

ويعرف أن بعض التفاصيل ربما اختفت من ذاكرته مع مرور السنوات، وأن هناك أيامًا عاشها وهو طفل ولم يعد قادرًا على استرجاع كل تفاصيلها، لكن الشعور بقي.

وهذا هو الشيء الذي لم يستطع الزمن أن يمحوه.

فتح ياسر عينيه من شروده، وعاد إلى الحاضر.

سمع صوت أحد أطفاله يناديه، فالتفت إليه.

ابتسم.

نظر إلى زوجته، ثم إلى أطفاله، ثم إلى الأشجار الممتدة أمامه.

لم تكن هذه العائلة هي العائلة التي عرفها في طفولته، ولم يكن هذا الموسم يشبه المواسم القديمة تمامًا.

لكنه كان ما يزال هنا.

وما زالت الأرض هنا.

وما زال ياسر يرفض أن يفرط فيها مهما كان السبب.

كان يعرف أن الأرض ليست مجرد مكان يذهب إليه في موسم الزيتون، وليست مجرد أشجار تعطي محصولًا كل عام.

بالنسبة إليه، كانت الأرض ذاكرة عائلته.

وكانت كل شجرة تحمل شيئًا من الماضي.

مد يده إلى غصن قريب منه، ومرر أصابعه بين أوراقه بهدوء.

ثم نظر إلى أطفاله.

كان يتمنى أن يأتي يوم، بعد سنوات طويلة، يجلس فيه أحد أطفاله تحت هذه الأشجار، ويتذكر أباه كما يتذكر ياسر والده الآن.

ابتسم ياسر من جديد، ونهض عن الأرض.

لم يكن يريد أن يترك الماضي يموت.

ولم يكن يعرف أن هذا الموسم بالذات سيجعل بعض الذكريات القديمة تعود إليه بطريقة لم يكن يتوقعها.