غلاف رواية لو كان لو كانبقلم منير ألإسمر فصل 2

الفصل ألثاني

4 دقائق قراءة · 687 كلمة

لم أكن أعلم أن ورقةً صغيرة تستطيع أن تهزّ عالم إنسانٍ بأكمله، ولا أن كلماتٍ قليلة قد تفتح أبوابًا أغلقتها في قلبي منذ سنوات.

وقفتُ في منتصف الغرفة، أحدّق في الرسالة، بينما كانت الساعة المعلّقة على الجدار تقترب من منتصف الليل. كان الصمت يملأ المكان، لكنّ رأسي كان يعجّ بأسئلةٍ لا تنتهي.

من الذي أرسل هذه الرسالة؟

ولماذا ذكر أخي؟

وما علاقة صديقي الذي وثقت به طوال حياتي بأسرار عائلتي؟

جلستُ على الكرسي القديم، وفتحتُ الورقة بالكامل. وجدتُ في أسفلها عنوانًا لمكانٍ لم أزره منذ زمن بعيد، وتحت العنوان كُتبت جملةٌ قصيرة:

«تعال وحدك، ولا تخبر أحدًا. فما ستعرفه هذه الليلة قد يغيّر نظرتك إلى كل إنسانٍ أحببته».

أعدتُ قراءة الجملة مراتٍ عدة، ثم نظرتُ إلى هاتفي. كان اسم صديقي الأقرب، يوسف، ظاهرًا في قائمة المكالمات الأخيرة.

يوسف…

ذلك الرجل الذي عرفتُه منذ سنوات، وشاركتُه أسراري وأحلامي، ووقفتُ إلى جانبه حين ضاقت به الحياة. كنتُ أعدّه أخًا لم تلده أمي، ولم يخطر ببالي يومًا أن يكون له صلةٌ بسرٍّ يخصّ عائلتي.

لكنّ كلمات الرسالة أعادت إليّ ذكرياتٍ كنتُ أراها عادية، ثم بدأتُ أكتشف أن بعضها لم يكن عاديًا أبدًا.

تذكّرتُ كيف كان يوسف يتغيّر كلما سألته عن طفولتي، وكيف كان يقطع الحديث حين أذكر اسم أخي، وكيف قال لي ذات مرة، وهو ينظر إلى الطريق أمامنا:

— ليس كلُّ ما تعرفه عن عائلتك هو الحقيقة كاملة.

ضحكتُ يومها، وسألته عن قصده، لكنه اكتفى بالصمت.

ظننتُ أنه يتحدث بحكمةٍ عابرة، ولم أكن أعلم أنه ربما كان يخفي وراء صمته حكايةً كاملة.

أمسكتُ هاتفي واتصلتُ به.

رنّ الهاتف مرةً، ثم مرتين، ثم ثلاثًا، لكنه لم يُجب.

أرسلتُ إليه رسالةً قصيرة:

«يوسف، هل أنت مستيقظ؟ أحتاج إلى الحديث معك».

انتظرتُ دقيقة، ثم دقيقتين. لم يصلني ردّ.

وضعتُ الهاتف جانبًا، واتخذتُ قراري. سأذهب إلى العنوان المكتوب، مهما كانت الحقيقة التي تنتظرني هناك.

ارتديتُ معطفي، وأخذتُ الرسالة، ثم خرجتُ إلى الشارع.

كان الليل باردًا، والطرقات شبه خالية. سرتُ وأنا أفكّر في أخي، ذلك الإنسان الذي جمعتني به رابطة الدم، لكنّ المسافة بين قلبي وقلبه كانت أكبر من أن تختصرها القرابة وحدها.

لطالما تساءلتُ: لماذا يستطيع بعض الإخوة أن يكونوا لبعضهم وطنًا آمنًا، بينما يعيش آخرون تحت سقفٍ واحدٍ كأنهم غرباء لا يعرف بعضهم بعضًا؟

كنتُ أرى أشخاصًا يختلفون مع إخوتهم، ثم يعودون إلى بعضهم عند الشدائد. وكنتُ أرى آخرين يبتسمون في المناسبات، بينما تحمل قلوبهم حساباتٍ قديمة لا تنتهي.

وعندها أدركتُ أن الأخوّة ليست كلمةً نتوارثها، بل مسؤوليةٌ نختار كل يومٍ أن نحملها.

فما قيمة أن يكون لك أخٌ يحمل اسم عائلتك، إذا لم تجد عنده مكانًا حين تضيق بك الحياة؟

وصلتُ إلى العنوان بعد نحو نصف ساعة.

كان المكان مبنى قديمًا يقع في نهاية شارعٍ ضيّق. واجهته متشققة، ونوافذه مظلمة، وعلى بابه رقمٌ صغير يكاد يختفي تحت طبقات الغبار.

توقفتُ أمامه، وأخرجتُ الرسالة لأتأكد من العنوان.

كان صحيحًا.

دفعتُ الباب ببطء، فصدر عنه صوتٌ حادّ شقّ سكون الليل. دخلتُ إلى ممرٍّ طويل تفوح منه رائحة الرطوبة، وفي نهايته رأيتُ ضوءًا خافتًا يتسلّل من تحت بابٍ خشبي.

اقتربتُ وطرقتُ الباب.

لم يجبني أحد.

طرقتُ مرةً ثانية، ثم دفعتُ الباب قليلًا.

كانت الغرفة خالية، باستثناء طاولةٍ صغيرة وكرسيّين وصندوقٍ أسود موضوعٍ في منتصف الطاولة.

وعلى الصندوق وُضعت ورقةٌ أخرى.

تقدّمتُ وقرأتُ ما كُتب عليها:

«إن كنتَ قد وصلتَ إلى هنا، فهذا يعني أنك ما زلتَ تبحث عن الحقيقة. افتح الصندوق، لكن تذكّر: قد تكتشف أن الشخص الذي كنتَ تنتظر منه الاعتذار، لم يكن هو الشخص الذي أخطأ بحقّك».

تردّدتُ للحظات.

ثم فتحتُ الصندوق.

وجدتُ داخله صورةً قديمةً لرجلين يقفان أمام منزلٍ لم أعرفه، وخلف الصورة كُتب تاريخٌ يعود إلى سنواتٍ بعيدة. وبجانبها مفتاحٌ صغير، وورقةٌ مطويّة تحمل اسمًا واحدًا.

يوسف.

تراجعتُ خطوةً إلى الوراء.

لماذا كانت صورة يوسف داخل صندوقٍ مرتبطٍ بعائلتي؟ ومن الرجل الآخر الذي يقف بجانبه؟ ولماذا شعرتُ، وأنا أحدّق في الصورة، بأن ملامح ذلك الرجل مألوفةٌ على نحوٍ مخيف؟

رفعتُ الصورة نحو الضوء.

عندها لاحظتُ شيئًا جعل الدم يتجمّد في عروقي.

كان الرجل الثاني يشبه أبي.

لم أستطع أن أتنفّس بصورةٍ طبيعية. قلبتُ الصورة، فوجدتُ جملةً إضافية بخطٍّ مختلف:

«لا تبحث عن الحقيقة في الكلمات التي قيلت لك، بل في الأشياء التي مُنعتَ من رؤيتها».

وفي أسفل الورقة ظهر عنوانٌ آخر، وإلى جانبه سؤال:

«إذا كان أخوك يعرف الحقيقة، وصديقك يخفيها، فأيّهما ستواجه أولًا؟»

وقفتُ طويلًا أمام الطاولة.

كنتُ أظنّ أنني خرجتُ في تلك الليلة بحثًا عن إجابة، لكنني اكتشفتُ أن كل إجابةٍ كانت تفتح بابًا لسؤالٍ أشدّ خطورة.

وحين هممتُ بمغادرة الغرفة، سمعتُ صوت هاتفي يهتزّ في جيبي.

أخرجته بسرعة.

كانت رسالةً من يوسف.

لم يكتب سوى خمس كلمات:

«منير، أرجوك لا تذهب إلى هناك».

نظرتُ إلى الشاشة، ثم إلى الصورة القديمة.

لقد وصلتُ بالفعل.

والآن لم يعد السؤال: مَن الذي يخفي عني الحقيقة؟

بل أصبح:

لماذا يخاف صديقي من أن أكتشفها؟