الفصل الاول لو كان
4 دقائق قراءة · 617 كلمة
لو كان
عن الأخوّة والصداقة والخذلان والوفاء
تأليف: منير الأسمر
«ليس كلُّ مَن شاركَكَ الدَّمَ أخًا، ولا كلُّ مَن صافحَكَ صديقًا، فبعضُ الغرباءِ يمنحونكَ وطنًا، وبعضُ الأقربين يتركونَكَ غريبًا في وطنك.»
إهداء إلى الذين تمنّوا لو كان…
إلى مَن تمنّى أخًا يسند ظهره حين تميل به الحياة، فلم يجد سوى جدارٍ يستند إليه.
إلى مَن منح صديقه قلبه، وائتمنه على أسراره، ثم اكتشف متأخرًا أن بعض القلوب تتقن التمثيل أكثر مما تتقن الوفاء.
إلى مَن ضحّى من أجل أشخاصٍ ظنّ أنهم لن يخذلوه، فخذلوه حين أصبح في أمسّ الحاجة إليهم.
وإلى كل إنسانٍ أخفى وجعه خلف ابتسامة، وقال: «أنا بخير»، بينما كان في داخله ألفُ حكايةٍ لم يسمعها أحد.
هذا الكتاب لكم؛ لأنني أعلم أن في داخل كل واحدٍ منكم كلمةً لم يقلها، وعتابًا لم يبح به، وسؤالًا ظلّ معلّقًا في صدره طويلًا:
لو كان الأمر بيدي، هل كنت سأختار الأشخاص أنفسهم ليكونوا جزءًا من حياتي؟
البداية: لو كان…
في ليلةٍ لم يكن فيها القمر شاهدًا على شيءٍ سوى وحدتي، جلستُ أمام نافذةٍ نصفُها مضاءٌ ونصفُها الآخر غارقٌ في الظلام، أتأمل وجوهًا مرّت في حياتي، وأسماءً كنت أظنّ أن الزمن لا يستطيع محوها.
كان هناك أخٌ تمنّيت لو كان أقرب إليّ من نبض قلبي، وصديقٌ تمنّيت لو أنني عرفته قبل أن تعلّمني الحياة كيف يكون الخذلان، وأشخاصٌ لو عاد بي الزمن، لما منحتهم حتى فرصة الوقوف على عتبة روحي.
سألت نفسي يومها: لماذا يولد بعض الناس ولديهم مَن يحمل عنهم أثقال الحياة، بينما يتعلّم آخرون منذ طفولتهم كيف يحملون أنفسهم، وكيف يداوون جراحهم بأيديهم، وكيف يبتسمون في اللحظة التي يكونون فيها على وشك الانهيار؟
ثم كتبت على ورقةٍ صغيرة:
يا صاحبي، لا تسألِ القلبَ الذي انكسرَا،
كم مرّةً سامحَ، وكم مرّةً اعتذرَا.
فبعضُ جرحِ الروحِ لا يُبديه صاحبُه،
لكنّهُ يمشي به عمرًا، وإن صبرَا.
وضعتُ القلم جانبًا، وظننتُ أنني انتهيت من الكلام، لكنّ شيئًا في داخلي كان يقول إن الحكاية لم تبدأ بعد.
وفي تلك اللحظة، سمعتُ ثلاث طرقاتٍ على الباب.
لم تكن الطرقات قوية، لكنها جاءت في ساعةٍ لم يكن يُفترض أن يزورني فيها أحد.
نهضتُ ببطء، واقتربتُ من الباب. نظرتُ من العين الصغيرة، فلم أرَ وجهًا واضحًا؛ رأيتُ رجلًا يقف تحت ضوءٍ ضعيف، يرتدي معطفًا أسود، ويُخفي نصف وجهه في الظل.
كدتُ أعود إلى مكاني، لولا أن الرجل أخرج ورقةً من جيبه، ورفعها أمام الباب.
كانت ورقةً قديمة، صفراء الأطراف، وعليها اسمي بخطٍّ أعرفه جيدًا؛ خطّ شخصٍ أقسمتُ لنفسي أنني لن أراه مرةً أخرى.
فتحتُ الباب مقدار شبر، وسألته:
— مَن أنت؟
لم يُجبني فورًا. نظر إلى عينيّ طويلًا، ثم قال بصوتٍ هادئ:
— جئتُ لأخبرك بالحقيقة التي أخفاها عنك أقرب الناس إليك.
شعرتُ ببرودةٍ تسري في جسدي، وسألته:
— أيُّ حقيقة؟
اقترب خطوةً واحدة، ووضع الورقة في يدي، ثم قال:
— قبل أن تحكم على أخيك، عليك أن تعرف مَن الذي باعك أولًا.
تجمّدتُ في مكاني.
أخي؟
أيُّ أخٍ يقصد؟ وما الذي حدث حتى يأتي غريبٌ في منتصف الليل ليخبرني أن حياتي التي أعرفها لم تكن سوى نصف الحقيقة؟
خفض الرجل رأسه، ثم أضاف جملةً واحدة جعلتني أنسى كل ما كنت أفكر فيه:
— الصديق الذي وثقتَ به طوال عمرك لم يكن غريبًا عن عائلتك كما كنت تظن.
ثم استدار ومضى في الظلام.
بقيتُ واقفًا عند الباب، والورقة ترتجف بين أصابعي. لم أفتحها فورًا؛ كنتُ أخشى أن أجد فيها ما أبحث عنه منذ سنوات، وكنتُ أخشى أكثر أن أجد فيها ما لن أستطيع نسيانه أبدًا.
وفي تلك اللحظة، فهمتُ أن بعض الأبواب لا ينبغي أن تُفتح، لا لأن خلفها شرًّا فحسب، بل لأن الحقيقة، حين تتأخر كثيرًا، قد تصبح أقسى من الكذبة التي عشنا معها.
لكنني فتحتُ الورقة.
وكانت الكلمات الأولى تقول:
«إذا أردتَ أن تعرف مَن هو أخوك حقًّا، فلا تبحث عن اسمه في شجرة العائلة؛ ابحث عن اسمه في الليلة التي احتجتَ فيها إلى مَن ينقذك.»
ومن هنا بدأت الحكاية…
حكاية الأخ الذي قد لا يكون كما ظننّاه، والصديق الذي قد يحمل سرًّا أكبر من صداقته، والقلوب التي لا نعرف حقيقتها إلا حين تُجبرنا الحياة على الاختيار.
فهل كلُّ أخٍ أخٌ حقًّا؟ وهل يمكن لصديقٍ واحد أن يكون أصدق من عائلةٍ كاملة؟ والأخطر من ذلك كله:
ماذا لو اكتشفتَ أن الإنسان الذي قضيتَ عمرك تكرهه، كان الوحيد الذي حاول حمايتك؟