تشوه الملامح
3 دقائق قراءة · 461 كلمة
كانت العجلات الحديدية لعربات السيرك تطحن عظام الطريق المظلم بنحيب رتيب، كأنها تعتذر للأرض عن بهجة زائفة خلّفتها وراءها. في مقطورته الخشبية الضيقة، التي تفوح منها رائحة القماش الرطب، والدهان الزيتي الرخيص، وغبار النسيان، كان ليون يجلس منزوياً في الركن الأكثر عتمة. كان القطار يتحرك محملًا بالديون، والحيوانات الهرمة، والأجساد المنهكة التي تبيع الضحك لتشتري الخبز.تخلّى ليون عن معطفه المرقع، لكنه لم يستطع التخلي عن قناعه؛ كان يمسكه بين يديه الشاحبتين، يقلبه ببطء تحت الضوء الخافت لمصباح الكيروسين المتأرجح. بدت الفتحتان الضيقتان للعينين كبئرين مهجورتين، والشق الصغير عند الفم كأنه يسخر من صمته. لقد ترك ورقة في جذع وردة، وترك قلباً كاملاً في زقاق المدينة القديمة، والآن، ينهشه الاغتراب الذي يُصيب أهل السيرك فور مغادرتهم عتبة أي مدينة؛ تلك اللحظة التي يتحولون فيها من "صنّاع بهجة" إلى "مجرد أشباح عابرة" في ليل الغرباء.حاول ليون أن يستحضر ملامحها. أغمض عينيه بقوة، متوسلاً لذاكرته أن تمنحه وجهها العاري الذي رآه في ذلك المطعم الخشبي الهادئ. أراد أن يتذكر تلك الملامح التي هزت كيانه خلف الغرفة المظلمة، لكنه اصطدم بحقيقة مرعبة مرّت كقشعريرة باردة في عموده الفقري: إنه لا يعرف اسمها!لم يتبادلا يوماً بطاقة هوية، ولم تنطق الشفاه بكلمة تعريف واحدة. كانت بالنسبة له "فتاة الرصيف"، "العابرة التي حمتها مظلته". هذا الغياب الكارثي للاسم جعل القبض على ملامحها في ذهنه أشبه بمحاولة الإمساك بالماء بكفّين مفتوحتين. ومع تعاقب الأيام، وتحرك السيرك من بلدة رمادية إلى أخرى أشد رمادية، بدأت العنة النفسية تفرض سطوتها. كان ليون يقف عند بوابات حديدية جديدة، تحت سماوات غريبة، يراقب آلاف الوجوه التي تتدفق كأنهار بشرية لاهثة. ومع كل وجه جديد يمر أمامه، كان جزء من ملامح كلارا يتآكل.حين كان يغلق عينيه في الليل ليجمع شتات وجهها، كان عقله الباطن، بدافع التعب واليأس، يمارس لعبة تشويه بشعة. الخطوط النحيفة لوجهها بدأت تتداخل مع وجوه نساء عابرات ألقين عليه تذاكرهم بجفاء. جبهتها الوقورة أخذت شكل جبهة امرأة أخرى رآها تبكي في محطة قطار. وعيناها الشغوفتان—تلك العيون السوداء الواسعة التي كانت ملاذه الآمن—بدأ بريقهما يبهت، ليحل محله سواد ضبابي مصمت بلا عمق.كان يحاول المقاومة؛ يمسك رأسه بين كفيه ويضغط على صدغيه حتى يكاد يصرخ من الألم العضلي والنفسي. كان يتساءل بمرارة:"هل كان أنفها دقيقاً إلى حد الانكسار، أم أنني أتخيل؟ هل كانت شفتها المرتجفة تحمل شامة صغيرة، أم أن هذا وجه فتاة أخرى لمحتها في سوق السيرك قبل عامين؟"إنها الغصة القاتلة التي تصيب الرحالين؛ حين تدرك أن المكان الذي تركت فيه قلبك بدأ يتلاشى من مخيلتك، وأن الملامح التي دافعت عن جفاف سمائها بالمظلة الملونة، أصبحت تتشوه في عقلك لتتحول إلى مسخ هلامي لا ملامح له. كان ليون يشعر أنه يرتكب جريمة خيانة حقيرة بحق تلك الفتاة، ليس لأنه توقف عن حبها، بل لأن ذاكرته الجسدية تخذله، ولأن عقله يمحو هوية المرأة الوحيدة التي قبلت حزنه كما هو. لقد تيقن في تلك الليالي الباردة أن الترحال لا يقتل الشخصية فقط، بل يحول الحب إلى شبح مشوه، يعيش في الظلام ويصرخ بلا اسم.