مظلة لسمائكِ الجافة 2بقلم راوي الألم فصل 2

فخ التوقيت و الارتداد الخائب

3 دقائق قراءة · 549 كلمة

مرّت خمسة أعوام كاملة، خمس سنوات من الطحن اليومي تحت عجلات القطارات، وتغيير الأوتاد الخشبية في أراضٍ غريبة لا تمنح الغريب سوى الغبار. خمس سنوات كبر فيها الحزن في عيني ليون حتى صار طبقة كثيفة تحجب عنه رؤية البهجة. لكن، وبفضل تسوية جزئية لديون الإدارة الخانقة، دارت عجلة القدر دورة مباغتة؛ وأعلن مدير السيرك ذات مساء خريفي بارد أن المحطة القادمة هي "المدينة القديمة".

عند سماع الاسم، انقبض قلب ليون بكدمة مفاجئة من الأمل الحارق. شعر برعشة في يده الشاحبة أدت إلى سقوط كرات العرض من بين أصابعه. لقد تشوه وجهها في عقله، نعم، وصارت ملامحها هلامية بلا اسم، لكن العودة إلى مسرح الجريمة العاطفية الأولى كانت كفيلة بإعادة الروح إلى النسيج الميت في ذاكرته. كان يمني نفسه بأن رؤيتها مجدداً على ذلك الرصيف المقابل ستعيد ترميم الملامح التي تآكلت، وتطرد الأشباح التي سكنت مخيلته.وصل السيرك في مطلع الخريف، ونُصبت الخيمة الدائرية العملاقة في نفس البقعة الترابية الموحشة عند أطراف المدينة. في اليوم الأول للعرض، ارتدى ليون معطفه المرقع وقناعه الأبيض الصلب، ووقف عند البوابة الحديدية الضخمة. كان جسده يرتجف خلف البلاستيك الجامد، ليس من برد الخريف، بل من فرط الانتظار. كانت عيناه السوداوان تدوران بهستيريا مرعبة بين الحشود، تفحصان الرصيف المقابل بدقة جراح يفتش عن نبض مفقود.

جاء مساء الاثنين، وسالت الطوابير كالأفاعي البشرية، لكن الرصيف المقابل ظل خالياً من قامتها الوئيدة وكتبها التي تضمها إلى صدرها.لم يكن ليون يعلم؛ فكلارا لم تنسَ الطقس، ولم تتخلَّ عن الميعاد، بل كانت في تلك الأيام الثلاثة تحديداً تخضع لتغيير إجباري مؤقت في جدول حياتها. لقد فرضت عليها إدارة عملها نوبة مسائية إضافية تبدأ متأخرة بساعة كاملة عن موعدها القديم. كانت كلارا تأتي، وتمر، وتحمل مظلتها الملونة، وتحدق بيأس في البوابة... ولكن بعد أن ينتهي دوام ليون الخارجي بـأربعين دقيقة فقط، ويغلق البوابة الحديدية ويدخل إلى عتمة الخيمة للاستعداد لعروض الفجر الداخلية!

وقف ليون في مساء الثلاثاء تحت المطر الخفيف، يلسعه البرد الخريفي في نفس البقعة التي أهدى فيها سماءً جافة لامرأة لا يعرف اسمها. انتظر حتى انفضت الحشود، وبقي الشارع عارياً وبارداً ومظلماً. وفي مساء الأربعاء، تكررت المأساة الصامتة؛ وقف حتى تيبست أطرافه واكتست مفاصله بالرطوبة. نظر إلى الرصيف الخالي، وشعر بخذلان فيزيائي حاد، كأن خنجراً صَدِئاً انغرس في صدره.

هنا، سقط ليون في فخ "اليأس قبل الأوان". لم يفكر في أن مواعيد البشر تتغير، ولم يخطر بباله أن الحياة قد تفرض على المرء مساراً آخر لبعض الأيام. لقد قاده كبرياؤه الجريح، وانكساره البشري المتأصل، إلى الاستنتاج الأكثر قسوة وسوداوية: "لقد نسيتْني. لقد جفّ حبر الرسالة في قلبها، واهترأت المظلة الملونة في يدها، وربما مَضت مع رجل آخر يملك وجهاً حقيقياً مستقراً وطبيعياً، رجل لا يختبئ خلف البلاستيك الميت، ويملك وطناً يستقبلها فيه".

كان هذا اليأس المستعجل بمثابة رصاصة الرحمة على أمل ليون. شعر بغثيان روحي شديد وهو ينظر إلى الرصيف الذي بدا له الآن كمقبرة شاسعة للذكريات. قرر في تلك الليلة، وبقرار عنيف يشبه الانتحار النفسي، أن يغلق هذا الكتاب إلى الأبد. نزع قناعه الأبيض داخل المقطورة، ولم ينظر إليه، بل ألقى به في زاوية مظلمة، حازماً أمتعته القليلة.وفي صباح الخميس، قبل أن تشرق الشمس، قدم استقالته لمدير السيرك، وتخلى عن حياة الترحال بالكامل. فرّ من المدينة بروح مشلوبة وقلب مهشم، مستقلاً أول قطار يتجه نحو الجنوب، نحو أي مدينة بعيدة ومجهولة تبتلعه وتنسيه حزنه، تاركاً خلفه رصيفاً ستأتي إليه كلارا بعد ساعات قليلة، لتجد البوابة مغلقة، ودون أن تعلم أن من أحبته كان واقفاً هناك بالأمس، يرتجف من البرد والخذلان، ويئس قبل أن يلتقيا بدقائق من عمر الزمن.