بروتوكول الصفر المطلق
13 دقيقة قراءة · 2,594 كلمة
كان صرير القطع الحراري يخترق الفولاذ المصفح لباب الشقة كسكين يمزق الحرير. حواف الباب المعدنية بدأت تتوهج بلون برتقالي غاضب، معلنةً أن الثواني التي تفصل بين الحياة والموت آخذة في النفاد بسرعة.
لم يكن هناك وقت للذعر؛ فالذعر رفاهية لا يملكها من اختاروا العيش في الظلال وعلى حواف الخوادم المظلمة. خلف جزيرة المطبخ الرخامية —والتي حرص كنان على تدعيم هيكلها الداخلي بصفائح من ألياف "الكيفلار" المقاومة للرصاص— جثم الزوجان في سكون تام. تبادل كنان وتالين نظرة واحدة صامتة، نظرة محملة بآلاف الكلمات التي لا تحتاج إلى نطق، نظرة تلخص سنوات من الثقة المطلقة والتدريب المشترك. كانت علاقتهما قد صُقلت في أتون التحديات التقنية والنفسية، وكانا يعرفان تماماً أن البقاء يعتمد على تحركهما كجسد واحد بعقلين متزامنين.
"الصفر المطلق!" هتف كنان بصوت جهوري يطغى على أزيز الليزر القاطع، وهو يسحب زناد سلاحه النصف آلي، ويتخذ وضعية تغطية تكتيكية خلف الجدار.
لم تتردد تالين لجزء من الثانية. انقضت نحو لوحة تحكم ميكانيكية مخفية أسفل رخام المطبخ، لوحة صممها كنان خصيصاً لتكون يدوية بالكامل، غير متصلة بأي شبكة ذكية ولا يمكن اختراقها عن بعد. سحبت غطاءً زجاجياً صغيراً وضغطت بكفها على زر أحمر مسطح.
في اللحظة التي انهار فيها قفل الباب الرئيسي، ودُفع الباب الثقيل بقوة للداخل بصوت ارتطام مدوٍ أثار سحابة من الدخان والشرر، فُعّل "بروتوكول الصفر المطلق".
انطفأت جميع مصادر الإضاءة في الشقة فجأة، لتغرق المساحة في ظلام كحلي، لكن هذا الظلام لم يستمر سوى لكسر من الثانية. فور دخول أربعة رجال يرتدون دروعاً تكتيكية سوداء وخوذات مزودة بمناظير رؤية ليلية متطورة، انطلقت من سقف الشقة سلسلة من الأضواء الوامضة (Strobe Lights) شديدة السطوع، تومض بترددات عشوائية مبرمجة خصيصاً لإصابة العين البشرية بالعمى المؤقت والتشويش على العصب البصري.
بالتزامن مع الأضواء، دوت موجة صوتية عالية التردد. لم تكن صوتاً صاخباً بقدر ما كانت ذبذبة يشعر بها السائل الداخلي في الأذن الوسطى، مما يسبب دواراً فورياً وفقداناً للتوازن لأي شخص غير مستعد.
صرخ المقتحم الأول عندما التقطت مناظير الرؤية الليلية الخاصة به وميض الإضاءة الكاسح. ضاعفت العدسات الحساسة للضوء من قوة السطوع بآلاف المرات، مما أدى إلى احتراق مستشعرات الخوذة وإصابته بعمى لحظي مؤلم. تعثر الرجل للخلف، فاصطدم بزميله الذي حاول إطلاق النار عشوائياً في الفراغ.
استغل كنان هذه الثواني الثلاث الذهبية. نهض بمرونة فهد، وأطلق ثلاث رصاصات متتالية ومحسوبة بدقة من مسدسه المزود بكاتم صوت. لم يستهدف الصدور المدرعة التي ستمتص الرصاص، بل استهدف المفاصل والمناطق غير المحمية. سقط اثنان من المهاجمين أرضاً يئنان من الألم والارتباك، بينما تراجع الباقان إلى الرواق للاحتماء وإعادة تقييم الموقف.
"تالين! الآن!" صرخ كنان وهو يتراجع نحو الواجهة الزجاجية البانورامية للشقة، والتي تطل على انحدار شاهق يبلغ ثمانية وعشرين طابقاً نحو شوارع العاصمة.
كانت تالين قد ارتدت بالفعل حقيبة الظهر التكتيكية التي تحتوي على أقراص التخزين القليلة المعزولة بغلاف (قفص فاراداي) لحمايتها من أي نبضات كهرومغناطيسية. ركضت نحو جدار خشبي مزخرف يفصل بين المطبخ وغرفة المعيشة.
وصل كنان خلفها، وبحركة خاطفة ضغط على تسلسل معين من الألواح الخشبية. انزلق الجدار بسلاسة تامة، كاشفاً عن فجوة عمودية مظلمة ومبطنة بالخرسانة. كان هذا هو عمود التهوية المركزي القديم للبرج، والذي اكتشف كنان أنه أُلغي من المخططات الحديثة أثناء تجديد المبنى قبل عقد من الزمان. بصفته مهندس محو، كان يعرف أن أفضل المخابئ هي تلك التي أسقطها الزمن من ذاكرة الخرائط. لقد أعاد تأهيل هذا العمود سراً ليصبح شريان هروب لا يعلم بوجوده سواه.
قفزت تالين داخل الفجوة المظلمة، وأمسكت بحبل انزلاق فولاذي عمودي (Zip-line) مخفي في الظلام. لفت حزام الأمان المدمج حول خصرها، وثبتت المشبك المغناطيسي ببراعة. تبعها كنان فوراً، وسحب الجدار الخشبي ليُغلق خلفهما تماماً بقفل ميكانيكي قوي، يجعله يبدو كحائط مصمت من الخارج.
في اللحظة التي بدأ فيها انزلاقهما نحو الأسفل، اهتز البرج من فوقهما بهزة عنيفة مكتومة. نظر كنان لأعلى في العتمة؛ الشطر الثاني والأهم من بروتوكول "الصفر المطلق" قد تفعل. شحنات الثيرمايت المخفية داخل خوادم البيانات وحواسيب تالين تحت أرضية الشقة قد اشتعلت صمتاً، محولةً كل قرص صلب، وكل معالج، وكل خيط من خيوط الحمض النووي المتبقية في الشقة إلى بركة من الرماد المعدني المنصهر. المقتحمون الذين عادوا لاقتحام الشقة وجدوا أنفسهم وسط فرن لا يُبقي أثراً، لتموت أدلة الإدانة الرقمية، وتموت معها هويات كنان وتالين السابقة بالكامل.
سقطا في نفق من الظلام الدامس والرياح الباردة. كان صوت انزلاقهما السريع على الحبل الفولاذي يُشبه أزيز حشرات معدنية غاضبة. نظام الكبح المغناطيسي المدمج في قفازاتهما التكتيكية كان يحتك بالكابل الفولاذي، مولداً مقاومة عكسية تمنع سقوطهما الحر وتتحكم في سرعة الهبوط بانسيابية.
"المصعد الرئيسي سيكون فخاً مؤكداً، والسلالم مفخخة تكتيكياً بالرجال،" قال كنان بصوت متقطع بسبب الجهد البدني والرياح المندفعة، وهو يراقب الأرقام الفسفورية الخافتة المطلية على جدار العمود العمودي وهي تتناقص بسرعة: 20... 18... 15...
"استعدي للتوقف عند الطابق الثاني عشر!" نادى كنان. كان هذا الطابق يحتوي على غرف صيانة الأنظمة الميكانيكية للبرج.
ضغطا على مكابح اليد. اعتصر الفولاذ وتطايرت شرارات خفيفة في الظلام قبل أن يتوقفا بحدة. ركل كنان شبكة تهوية معدنية جانبية بقدمه، فسقطت إلى الداخل. تسللا عبر الفتحة إلى غرفة صيانة واسعة ومليئة بأنابيب المياه الضخمة والمولدات التي تئن بهدير منخفض.
استندت تالين إلى جدار خرساني بارد، تلتقط أنفاسها لثوانٍ معدودة. أخرجت من حقيبتها جهازاً صغيراً يبدو كهاتف ذكي عتيق، لكنه في الواقع جهاز راديو مُعرف برمجياً (SDR). بنقرات سريعة، بدأت في مسح النطاقات الترددية القريبة، محاولة التقاط إشارات فرقة التصفية.
عقدت تالين حاجبيها بتركيز شديد. "إنهم لا يستخدمون موجات الراديو التقليدية ولا قنوات الشرطة. إنهم يتواصلون عبر شبكة اتصالات تكتيكية مشفرة تعتمد على الوثب الترددي (Frequency Hopping). الإشارة تتغير مئات المرات في الثانية."
"هل يمكنكِ اعتراض شيء ولو جزئي؟ نحتاج لمعرفة مدى انتشارهم،" سأل كنان وهو يمسح الغرفة بمسدسه، متأكداً من خلوها من أي كاميرات.
أدخلت تالين أسطراً برمجية لفك التشفير الرياضي، مستخدمة معالج الجهاز لاصطياد أجزاء من الإشارة. فجأة، التقط الجهاز تشويشاً كثيفاً، ثم برز صوت رجولي حاد، خالٍ من أي انفعال:
"... الهدفان ليسا في الشقة. لقد قاما بحرق الخوادم المركزية. البصمات الحرارية تتلاشى. فريق (ألفا) يغلق المخارج الأرضية والقبو، فريق (بيتا) يمشط أعمدة التهوية. لا تتركوا الطابق حتى تجدوا نقطة الخروج. الأوامر من (ريان) واضحة: الاسترداد أو التصفية الفورية. لا مجال للأخطاء."
أغلقت تالين الجهاز، ونظرت إلى كنان، وعيناها تعكسان قلقاً حقيقياً. "هؤلاء ليسوا مجرد قتلة مأجورين، كنان. هذا تكتيك جيوش خاصة. والأسوأ... لقد ذكروا اسم (ريان) صراحة. لم يعودوا يختبئون خلف أسماء حركية مثل أوميغا."
"ريان لم يعد يهتم بإخفاء وجهه لأنه يعتقد أننا أموات بالفعل، أو في طريقنا لنصبح كذلك،" أجاب كنان ببرود يغلي تحته غضب عارم. "لقد حصل على ما يريده، وأطلق الهجوم التدميري، ونحن الدليل الوحيد الباقي الذي يمكن أن يشير إليه. نحن كبش الفداء المثالي."
"المرآب السفلي سيكون محاصراً، لقد سمعتِ قائدهم، فريق (ألفا) يغلق المخارج،" قالت تالين.
"السيارة الحديثة المتصلة بالإنترنت والتي يعرفون هويتها وبصمتها الحرارية موجودة في الطابق السفلي الأول،" قال كنان وهو يتحرك بخطوات سريعة وصامتة نحو باب صيانة معدني ثقيل. "سيتمركزون حولها. لكن في الطابق السفلي الرابع (B4)، خلف غرف مضخات المياه العادمة، توجد مساحة غير مسجلة. اشتريتها بهوية وهمية مهجورة. هناك تكمن تذكرتنا للخروج من هذا البرج."
تسللا عبر السلالم الخلفية المخصصة لعمال النظافة. مع كل طابق ينزلانه، كانت تتسرب إليهما أصوات الفوضى المتصاعدة من خارج المبنى. الهجوم السيبراني الذي أُطلق من المنشأة الممحوة لم يكن مجرد قرصنة بيانات؛ كان تدميراً منهجياً. عبر النوافذ الضيقة لغرف السلالم، لمحا لمحات من الجحيم الذي غمر العاصمة.
كانت المدينة تحتضر. جميع إشارات المرور في التقاطعات الكبرى كانت تضيء باللون الأحمر في جميع الاتجاهات، مما أدى إلى شلل مروري تام وحوادث تصادم مروعة. مصابيح الإنارة في الشوارع انطفأت في قطاعات كاملة، تاركة أحياء بأكملها في ظلام دامس. أصوات أبواق سيارات الشرطة والإسعاف كانت تتقاطع في سيمفونية من الفوضى، محاولة شق طريقها وسط السيارات المتكدسة عبثاً. ريان كان يخنق المدينة ببطء، ليضمن عدم تمكن السلطات من ملاحقته أو الاستجابة لسرقته الكبرى.
وصلا أخيراً إلى الطابق السفلي الرابع. كان المكان غارقاً في الظلام والبرودة، ورائحة العفن وزيت المحركات القديم تزكم الأنوف.
تحركا بمحاذاة الجدار الخرساني حتى وصلا إلى باب حديدي مكتوب عليه بالطلاء الأحمر الباهت: "غرفة مولدات - خطر الموت".
أخرج كنان أداة معدنية دقيقة، وبحركة فنية سريعة التوت أصابعه، وفتح القفل الميكانيكي القديم. دخلا وأغلقا الباب خلفهما برفق.
في وسط الغرفة المتربة، وتحت غطاء قماشي سميك، كان يقبع هيكل ضخم. سحب كنان الغطاء ليكشف عن سيارة دفع رباعي كلاسيكية من طراز "لاند روفر ديفندر" تعود لأواخر الثمانينيات، مطلية بلون رمادي مطفي يمتص الضوء ولا يعكسه.
"هذه هي خطة الهروب؟" سألت تالين وهي تتفقد الهيكل المعدني الصلب. "إنها قطعة أثرية."
"إنها الدرع المطلق،" صحح لها كنان وهو يفتح صندوق السيارة ويلقي بحقيبته. "هذه السيارة تم تجريدها بالكامل من أي قطعة إلكترونية. لا يوجد حاسوب محرك (ECU)، لا رقائق دقيقة، لا نظام حقن إلكتروني، ولا ملاحة (GPS). إنها تعمل بالاحتراق الميكانيكي البحت. الأهم من ذلك، لقد قمت بتبطين هيكلها الداخلي بشبكة نحاسية لتكوين (قفص فاراداي) مثالي."
نظرت إليه تالين بفهم مفاجئ، وأومأت برأسها إعجاباً. "سيارة غير قابلة للاختراق السيبراني. لا تتأثر بالنبضات الكهرومغناطيسية، ولا يمكن إيقافها عن بعد، ولا تُصدر أي توقيع رقمي يمكن للأقمار الصناعية تتبعه."
"بالضبط. في عالم يعتمد على اصطياد البيانات، سلاحنا الأقوى هو التخلي عن البيانات تماماً."
قفز كنان إلى مقعد السائق، وجلست تالين بجواره. أدخل مفتاحاً معدنياً حقيقياً في لوحة القيادة وأداره. زأر المحرك ذو الأسطوانات الثماني بصوت جهوري خشن، متمرداً على سكون القبو.
انطلق بالسيارة، دافعاً الباب الخشبي المتهالك للمرآب السري ليتحطم إلى شظايا. انطلقت السيارة الكلاسيكية في الممرات الخرسانية الضيقة للمرآب السفلي الرئيسي. وبمجرد وصولهما إلى المنحدر اللولبي المؤدي لمخرج الشارع، وقع ما كان كنان يخشاه.
في أعلى المنحدر، ظهرت سيارتان دفع رباعي سوداوان حديثتان جداً، تقفان بالعرض لسد المخرج بالكامل. نزل منهما أربعة رجال مدججين بالسلاح، دروعهم التكتيكية تعكس ضوء مصابيح سيارة كنان الخافتة، وبنادقهم الهجومية موجهة مباشرة نحو الزجاج الأمامي.
"كمين فريق ألفا!" صرخت تالين، وهي تستعد للاصطدام، متمسكة بمقبض الباب.
"لا تديري وجهك!" صرخ كنان، ولم يخفف من سرعته قيد أنملة، بل ضغط بقدمه بكل قوته على دواسة الوقود الميكانيكية. زأر المحرك العتيق بشراسة، واندفعت الكتلة الفولاذية التي تزن أكثر من طنين صعوداً نحوهم كقذيفة غير قابلة للإيقاف.
فتح المرتزقة النار بكثافة. اخترقت الرصاصات زجاج السيارة الأمامي، لكنها لم تنفذ إلى المقصورة؛ فالزجاج كان مصفحاً بطبقات بولي كربونات متعددة زرعها كنان مسبقاً. تشققت الشبكة الزجاجية كبيت عنكبوت أبيض، محدثة ضجة مرعبة، لكنها صمدت.
أدرك المرتزقة أن السائق لن يتوقف ولن يستسلم، فتفرقوا في اللحظة الأخيرة، يقفزون بعيداً عن مسار الموت الميكانيكي.
اصطدمت سيارة كنان الكلاسيكية بمنتصف السيارتين الحديثتين بقوة هائلة. بفضل المصد الأمامي المدعم بعوارض من الفولاذ الصلب، أزاحت سيارته المركبات السوداء من طريقها وكأنها لعب أطفال، محطمة هياكلها الجانبية ومطلقة وابلاً من الإنذارات ووسائد الهواء التلقائية التي شلت حركة سيارات الأعداء.
اندفع كنان بالسيارة خارج المرآب، محطماً حاجز الدفع الإلكتروني، لينطلق إلى الشارع الخلفي في ليل العاصمة المجنون. وجه كنان سيارته ببراعة وسط الأزقة الضيقة والممرات الخلفية، متجنباً الشوارع الرئيسية المحتقنة بحركة المرور المشلولة. الفوضى التي أحدثها الهجوم السيبراني كانت حليفهم الوحيد؛ فسيارات الدعم التابعة لريان لن تتمكن من ملاحقتهم بسهولة في شوارع مغلقة تماماً، وأنظمتهم الملاحية الذكية ستصاب بالجنون محاولة إيجاد مسارات بديلة.
تنفس كنان الصعداء نسبياً بعد ابتعادهم بعدة كيلومترات عن محيط البرج.
لكن تالين لم تكن تنظر إلى الطريق. كانت قد فتحت حقيبتها، وأخرجت حاسوبها المحمول شديد التحمل (Toughbook)، ووصلته بأحد الأقراص الصلبة التي أنقذتها. وجهها كان يضيء بنور الشاشة الأزرق الخافت، وملامحها تزداد تجهماً مع كل ثانية. كانت تكتب الأكواد بسرعة جنونية، تحلل ما تبقى من البيانات.
"كنان..." بدأت تالين، وصوتها يرتجف ببرودة مرعبة. "لقد نجحتُ في تجاوز التشفير الأولي للقرص الصلب الذي يحمل البيانات الخام التي سحبناها من الخادم المنزلي."
"هل وجدتِ أثراً يوضح كيف حددوا موقعنا بهذه الدقة؟" سأل كنان، وهو ينعطف بالسيارة نحو طريق صناعي مظلم يمتد بمحاذاة النهر.
نفت تالين برأسها ببطء، ورفعت عينيها عن الشاشة لتنظر إليه، ونظرتها كانت تحمل ثقل اكتشاف مدمر. "ريان لم يخترقنا ليعرف أين نحن. لقد اخترقنا ليترك لنا هدية."
"هدية؟ أي هدية تستدعي إرسال فرقة تصفية؟"
"المنفذ الارتدادي الذي فتحه ريان في محفظتك لم يُستخدم فقط لتوريطك في إطلاق الهجوم السيبراني كمنصة عبور،" شرحت تالين، وصوتها يكتسب حدة التحليل اليائس. "لقد استخدموا ذلك الاتصال المفتوح لضخ حزمة بيانات مضغوطة ومخفية بعمق داخل خوادمنا. حزمة بيانات لم تكن مبرمجة للتدمير، بل مبرمجة للبقاء."
أدارت تالين شاشة الحاسوب نحوه لثانية واحدة. كانت الشاشة تعرض بنية هرمية معقدة لملفات تبدو وكأنها شجرة عصبية رقمية، تنبض بلون أحمر تحذيري.
"هذا هو الكود المصدري (Source Code) الكامل للهجوم السيبراني الذي يشل الدولة الآن،" قالت تالين، والكلمات تسقط كحجارة ثقيلة في صمت السيارة. "بالإضافة إلى الأكواد التدميرية، يحتوي الملف على سجلات مفبركة بدقة متناهية، تُظهر أن هذا الكود تم تطويره، واختباره، وإطلاقه من أجهزتنا الشخصية. لقد زرعوا سلاح الجريمة الرقمي في قلب خوادمنا."
أوقف كنان السيارة فجأة في منطقة مظلمة تحت جسر خرساني ضخم، وتلفت حوله للتأكد من عدم وجود متتبعين. دقات قلبه تسارعت وهو يستوعب فداحة الفخ. "وإذا قتلتنا فرقة التصفية في الشقة..."
"إذا قتلونا،" قاطعته تالين بمرارة، "كانت السلطات ستجد هذه الأقراص بين الأنقاض. سيجدون الكود المصدري بأيدينا. القضية ستُغلق الليلة. (كنان) و(تالين) هما العقلان المدبران للهجوم الإرهابي الأكبر في تاريخ البلاد، وقُتلا أثناء مقاومة الاعتقال. ريان يخرج من اللعبة بأيدٍ نظيفة تماماً."
"ولأننا هربنا،" استنتج كنان ببرود قاتل، "فنحن الآن نحمل معنا الدليل القاطع على إدانتنا أينما ذهبنا. طالما هذا القرص معنا، نحن الإرهابيون."
نظرت تالين إلى القرص الموصول بحاسوبها وكأنه أفعى سامة. "إذا دمرنا هذا القرص الآن، سنتخلص من الدليل الملفق ضدنا. لكننا في نفس الوقت، سندمر الخيط الوحيد المتبقي الذي قد يمكنني من تتبع بصمة الكود، وتحليله، وإيجاد ثغرة تقودنا إلى ريان لفضحه. لقد وُضعنا في معادلة صفرية مميتة: إما أن نموت مدانين، أو نحيا كأكبر هاربين في التاريخ نحمل حبل مشنقتنا بأيدينا."
استوعب كنان الموقف. لكن قبل أن يتخذ قراراً، ركز نظره على شاشة تالين. "تالين، ارجعي إلى تحليل مسار البيانات. الهجوم الذي نراه في الخارج... إطفاء الأنوار، شل حركة المرور... هذا تدمير عشوائي مكلف للغاية. ريان لا يعمل هكذا. هو صياد أخطاء، يبحث عن الأهداف الدقيقة والقيمة العالية. هذا الهجوم هو ستار دخان لعملية جراحية أخرى."
عقدت تالين حاجبيها، وبدأت في فحص تدفقات البيانات التي سجلتها قبل الهروب. "أنت محق. الفيروس الذي ضرب إشارات المرور هو فيروس تشتيت. لكن... انظر هنا." كبرت جزءاً من الشاشة. "هناك فيروس دودي (Worm) صامت، منفصل عن الهجوم الرئيسي، كان يتسلل تحت رادار الفوضى. ولم يتجه إلى البنوك التجارية أو شبكات الاتصال."
"إلى أين اتجه؟"
"لقد اتجه نحو... (القلعة)." قالتها تالين بصوت خافت، وكأنها تخشى أن يسمعها أحد.
"القلعة" لم تكن مجرد مبنى. كانت القبو الجوفي فائق التحصين التابع للدولة، المكان الذي تُخزن فيه خوادم النسخ الاحتياطية المادية الباردة (Cold Storage) التي تحتوي على البيانات السيادية: أرشيفات الاستخبارات، مفاتيح التشفير الوطنية، وأسماء العملاء السريين.
"هذا مستحيل،" قال كنان. "القلعة تعمل بنظام هواء معزول (Air-gapped). لا يمكن اختراقها من الخارج لأن خوادمها غير متصلة بالإنترنت. الأقفال الرقمية لأبواب القبو مرتبطة بشبكة جيومكانية مغلقة لا تُفتح إلا إذا كانت المعطيات الفيزيائية للمدينة مطابقة."
توقفت أصابع تالين عن الكتابة، وارتفع رأسها ببطء نحو كنان. كانت نظرتها مزيجاً من الرعب والذهول المحض.
"كنان... نظام الأمان الجيومكاني للقلعة. إنه يقيس باستمرار تواجد إحداثيات وهياكل فيزيائية معينة كـ (مثبتات أمان). إذا تم تدمير أحد هذه المثبتات، يعتبر النظام أن هناك زلزالاً أو هجوماً نووياً، فيقوم آلياً بتفعيل بروتوكول (الفتح الاضطراري للطوارئ) لتسهيل إخلاء البيانات."
أدارت تالين الشاشة نحوه. "المنشأة الصناعية التي استأجرك أوميغا لمسحها الليلة... لم تكن مجرد غطاء. تلك المنشأة تحديداً، كانت تعمل كـ (مُثبت جيومكاني) لنظام أمان القلعة. وعندما قمتَ أنت بالتسلل إلى خوادم التخطيط العمراني ومسح المخططات الهندسية، وتغيير تصنيف الأرض، وتعديل صور الأقمار الصناعية..."
أمسكت تالين بيده الباردة. "أنت لم تقم بإخفاء مسرح جريمة يا كنان. من الناحية الرقمية، أنت مسحت الكتلة الجيومكانية المُثبتة. أنت تسببت في خلل منطقي في نظام حماية القلعة. النظام اعتقد أن الموقع مُحي من الوجود، فقام بفتح أبواب القلعة المحصنة."
اتسعت عينا كنان. الصورة اكتملت بكل قسوتها.
"أنت لم تكن غطاءً للمهاجمين، كنان. ريان لم يستخدمك لإخفاء أثره... لقد استخدمك كمفتاح. براعتك المطلقة في المحو هي ما فتح أبواب القلعة. إنهم يسرقون الأرشيف السيادي للدولة في هذه اللحظة بالذات، وأنت من فتح لهم الباب."
شعر كنان بالغرفة تدور من حوله. لقد تم التلاعب به ببراعة لم يتخيلها يوماً. لقد استُخدمت فلسفته وعبقريته لتحطيم أقدس خزنة في البلاد.
وفي قلب الظلام تحت الجسر الخرساني، أدرك كنان أنه لم يعد مجرد مهندس يُخفي الأسرار. لقد أصبح هو السر الأخطر، والمطلوب الأول، والأداة التي دمرت أمن دولة بأكملها. ولم يعد أمامه سوى خيار واحد: أن يخرج من ظله، ويتحول من ممحاة تصنع العدم، إلى سلاح يمزق الحقيقة.