هندسة التلاشيبقلم AL7R فصل 1

العميل ذو الهوية المحجوبة

15 دقيقة قراءة · 2,827 كلمة

المباني لا تكذب، لكن يمكن تعليمها النسيان.

كانت هذه هي الفلسفة الراسخة التي يرتكز عليها "كنان" في كل تفصيلة من تفاصيل حياته المهنية المعقدة. في عالم يقدس البيانات، وتتنفس فيه الحكومات والشركات الكبرى عبر الخوادم والسجلات الرقمية، وحيث تُسجل كل خطوة بشرية في أرشيفات لا ترحم، أدرك كنان حقيقة واحدة مرعبة ومربحة في آنٍ واحد: لا شيء يختفي حقاً إلا إذا تم اقتلاعه من الذاكرة الإلكترونية والفيزيائية للبشرية معاً.

لم يكن كنان مهندساً معمارياً يشيد ناطحات السحاب، ولا مقاول هدم يكتفي بتسوية الجدران بالأرض؛ بل كان يمارس فناً أشد تعقيداً وندرة. كان يحمل لقباً ابتكره لنفسه وصار يُعرف به في دوائر ضيقة جداً ومغلقة في العالم السفلي: خبير "المحو الهيكلي والرقمي". وظيفته الحصرية هي تحويل الأماكن إلى عدم. عندما تحتاج جهة سيادية، أو تكتل مالي ضخم، أو وكالة استخباراتية إلى إخفاء منشأة سرية طالها الانكشاف، أو طمس وجود مخبأ آمن احترقت أوراقه، فإنهم لا يستدعون فرق الهدم التقليدية؛ بل يستدعون كنان.

كان يقف الآن، في تمام الساعة الثانية والربع بعد منتصف الليل، في قلب قبو خرساني واسع يقع أسفل منشأة صناعية مهجورة ظاهرياً على الأطراف الشرقية للمدينة. الهواء هنا كان ثقيلاً، مشبعاً برائحة الأوزون والسيليكون المحترق. ارتدى كنان سترته التكتيكية الداكنة المصنوعة من ألياف تمتص الأشعة تحت الحمراء، ونظاراته الواقية التي تعكس الوميض الأزرق الخافت المنبعث من شاشة جهازه اللوحي. كان هذا هو التوقيت المثالي الذي تنام فيه المدينة وتنشط فيه خوارزميات التلاشي.

أمامه، كانت تقف أربعة صفوف من الخوادم الشبكية العملاقة، والتي كانت حتى ساعات قليلة مضت تنبض بتيرابايتات من البيانات الحساسة لجهة مجهولة. الآن، لم تكن سوى هياكل معدنية تحتضر. وضع كنان كتلة من معجون "الثيرمايت" الحراري المطور كيميائياً فوق وحدات التخزين الرئيسية. لم تكن المتفجرات التقليدية خياراً مطروحاً في عمله؛ فهي تترك أدلة، وتجذب الانتباه، وتخلف وراءها شظايا قابلة للتحليل الجنائي. الثيرمايت، من ناحية أخرى، يولد حرارة تتجاوز ألفي درجة مئوية في صمت تام، ليذيب الصلب والسيليكون ويحولهما إلى بركة من الرماد المعدني المنصهر، جاعلاً من المستحيل على أعقد مختبرات استرجاع البيانات في العالم أن تنقذ بتّاً (Bit) واحداً من المعلومات.

راقب كنان السائل المتوهج وهو يلتهم الأقراص الصلبة، وتوهجت عيناه الرماديتان الحادتان بانعكاس النيران الصامتة. ملامحه كانت توحي بالصرامة والانضباط المطلق، فك صلب، وأنفاس منتظمة لا تتسارع رغم حرارة الغرفة التي بدأت في الارتفاع.

"انتهى الشق المادي،" تمتم كنان بصوت خافت لم يسمعه سواه، وهو يسحب جهاز إرسال كهرومغناطيسي محمول (EMP) بحجم حقيبة اليد. قام بتفعيله ليطلق نبضة موجهة، مركزة في محيط القبو فقط، ليتأكد من احتراق أي دوائر إلكترونية دقيقة أو مستشعرات مخفية قد تكون مزروعة في التجاويف الخرسانية للجدران.

لكن كنان كان يعلم جيداً أن تدمير الخوادم ليس سوى نصف المهمة. الأهم من تدمير المكان، هو مسح حقيقة أنه كان موجوداً يوماً ما. جلس على حقيبة معدنية صلبة، وفتح جهازه اللوحي المتصل بشبكة إنترنت عبر اتصال فضائي مشفر، مستخدماً سلسلة من العقد الوهمية (Proxy Nodes) لضمان عدم تتبع موقعه.

بدأت أصابعه الطويلة تتراقص على لوحة المفاتيح الافتراضية ببراعة عازف بيانو متمرس. الهدف الأول: قاعدة بيانات التخطيط العمراني للبلدية. بفضل ثغرة نظامية (Zero-Day Exploit) كان قد اكتشفها واحتفظ بها لمثل هذه المهام، تسلل كنان إلى السجلات الرسمية. حدد الإحداثيات الجغرافية للمبنى الصناعي الذي يقبع تحته. في السجلات، كان المبنى مُصنفاً كـ "مستودع لوجستي نشط". بأسطر قليلة من الأكواد الخبيثة، غيّر كنان هذا التصنيف ومسح المخططات الهندسية، مستبدلاً إياها ببيانات تشير إلى أن هذه القطعة هي "أرض فضاء ملوثة كيميائياً، غير صالحة للاستخدام منذ عام ألفين وعشرة". ولضمان الحبكة، زرع خطأً برمجياً صغيراً ومدروساً في النظام، بحيث إذا حاول أي موظف البحث عن هذا الموقع تحديداً، سيعطيه النظام رسالة خطأ تُشير إلى أن الملف تالف بسبب عطل قديم.

الهدف الثاني: شركات المرافق العامة. أطلق خوارزمية ذكية تتجول في سجلات شركة الكهرباء والمياه، لتقوم بمسح تاريخ استهلاك الطاقة المهول لهذا الموقع بأثر رجعي يمتد لعشر سنوات، واستبدال الأرقام ببيانات صفرية منطقية، مبررة ذلك بخطأ برمجي في قراءة العدادات المركزية تم تصحيحه روتينياً.

الهدف الثالث والأخير: خدمات الخرائط العالمية والأقمار الصناعية التجارية. باستخدام أداة ذكاء اصطناعي للزيف العميق (Deepfake) طورها بنفسه، استبدل كنان الصور الجوية الحالية للمبنى بصور مركبة لأرض خالية مغطاة بالحصى والركام القديم، مع برمجة الخوارزمية لضبط زوايا الظلال حسب فصول السنة وسقوط أشعة الشمس، بحيث إذا بحث أي شخص عن الموقع عبر الإنترنت، لن يرى سوى قطعة أرض منسية لا تثير أدنى اهتمام.

ضغط زر (إدخال - Enter)، وظهرت على الشاشة عبارة خضراء هادئة: "اكتملت المزامنة بنجاح".

تنهد كنان وأغلق جهازه. لقد أدى واجبه باحترافية مرعبة. المبنى الآن لم يعد له أي وجود في السجلات الضريبية، ولا في الخرائط الرقمية، ولا في فواتير الخدمات. لقد تبخر تماماً وبلا رجعة. ومع ذلك، لم يستطع منع طيف من الريبة من التسلل إلى عقله المنطقي. هذه المهمة لم تكن طبيعية.

عادت بذاكرته صورة التواصل الذي قاده إلى هنا. العميل الذي أطلق على نفسه اسماً حركياً بسيطاً "أوميغا"، لم يلتقِ به وجهاً لوجه. تم التواصل قبل ثمانٍ وأربعين ساعة فقط عبر شبكة الويب المظلم (Dark Web)، باستخدام تقنية "التشفير الكمي" النادرة، في غرفة دردشة دمرت نفسها تلقائياً.

لم تكن هناك مفاوضات. الرسالة كانت مباشرة وصارمة: "توجد منشأة عند الإحداثيات المرفقة. يجب أن تتلاشى الليلة. المسح يجب أن يكون شاملاً ولا يُبقي ولا يذر." العرض المالي كان خيالياً، ثلاثة أضعاف تسعيرته القياسية، وتم تحويل نصف المبلغ فوراً بعملة مشفرة مُررت عبر مئات الحسابات اللامركزية لتستقر في محفظة كنان الرقمية كأموال نظيفة تماماً.

"قاعدة المهنة الأولى: لا تسأل عن ماضي ما تمحوه،" ذكر كنان نفسه بصرامة، محاولاً إسكات شكوكه. الفضول هو الخطيئة المميتة في مجاله. التعاطف أو الرغبة في الفهم يورطان المشاعر، والمشاعر تؤدي إلى ارتكاب الأخطاء.

أخرج كنان بخاخاً صغيراً يحتوي على مركب كيميائي متخصص، وبدأ في رشه على الأسطح الحساسة. هذا المركب يعمل على تكسير أي أحماض نووية (DNA) أو خلايا جلدية ميتة، تاركاً مسرح العمليات عقيماً كغرفة جراحة.

حمل حقيبته، وألقى نظرة أخيرة على القبو المظلم. المبنى الآن مجرد سراب. خرج من باب حديدي خلفي قام بطلائه مسبقاً بمادة تسرع من عملية الصدأ ليبدو وكأنه لم يُفتح منذ سنوات. سار بخطوات رياضية ثابتة وسط الظلام، متجنباً مسارات الكاميرات الأمنية القليلة في المنطقة. وصل إلى سيارته ذات الدفع الرباعي، المزودة بمحرك كهربائي صامت وأنظمة تمويه إلكترونية تمنع الرادارات من التقاطها. شغل المحرك، وانطلق بهدوء عائداً نحو قلب المدينة النابض، تاركاً خلفه فراغاً متقناً ابتلعه ظلام الليل.

في الجانب الآخر من المدينة، وفي الطابق الثامن والعشرين من برج سكني ذكي ذي واجهات زجاجية عريضة تطل على النهر، كانت شقة كنان تمثل النقيض التام لبرودة عمله. كانت قلعة رقمية حصينة، وملاذاً دافئاً مجهزاً بأحدث وسائل التكنولوجيا المدمجة بسلاسة في أثاث عصري أنيق.

بمجرد أن عبر كنان الباب الأمامي بعد التحقق البيومتري المزدوج من شبكية عينه وبصمة صوته، تسللت إلى حواسه رائحة القهوة الكولومبية المحمصة بعناية. انفرجت أساريره تلقائياً، وانساب التوتر من كتفيه. في غرفة المكتب المفتوحة على الردهة الرئيسية، كانت تجلس "تالين".

تالين لم تكن مجرد زوجة تنتظر عودة زوجها الغامض المحفوف بالمخاطر؛ كانت شريكته الحقيقية، عقله الموازي، وخط دفاعه الأول. بصفتها محللة بيانات جنائية وأمنية استثنائية تعمل كمستشارة حرة، كانت تمتلك هبة فطرية وقدرة تقنية مرعبة على رؤية الأنماط المخفية بين ملايين الأسطر من الأكواد العشوائية. كانت تالين هي النصف الآخر لمعادلة كنان؛ زواجهما تحالف فريد مبني على الاحترام العقلي المطلق. هو يبرع في التلاشي وإخفاء الأدلة، وهي تبرع في الإيجاد وتفكيك الشفرات.

كانت تجلس على جزيرة المطبخ الرخامية، ترتدي كنزة صوفية مريحة، وتجمع شعرها الكستنائي الناعم في كعكة فضفاضة. كانت تحيط بها ثلاث شاشات هولوغرافية شبه شفافة تعرض خرائط بيانية معقدة، بينما تعكس نظاراتها الطبية الدقيقة إضاءة الشاشات. كانت أصابعها تعزف سيمفونية صامتة على لوحة المفاتيح.

شعرت بخطواته المكتومة، فتوقفت عن الكتابة واستدارت بكرسيها نحوه. أزاحت النظارة عن عينيها البنيتين الواسعتين، وابتسمت ابتسامة مشرقة كانت الترياق الوحيد الذي يغسل عن كنان إرهاق التدمير.

"أهلاً بعودتك يا سيد العدم،" قالت تالين بصوتها الرزين والدافئ، الذي يحمل دوماً نبرة ذكاء حادة، ونهضت لتعانقه.

لف ذراعيه حولها، متنفساً رائحة عطرها الهادئ. "لم يكن التلاشي يوماً بجمال العودة إليكِ،" أجابها، ثم خلع سترته التكتيكية الثقيلة وألقاها على الأريكة.

اتجهت تالين نحو آلة صنع القهوة وسكبت له فنجاناً. "لقد تأخرت اثنتي عشرة دقيقة عن الموعد الذي حددته خوارزمية التنبؤ الخاصة بي. أفترض أن المنشأة المجهولة أصبحت الآن مجرد أسطورة حضرية لا دليل عليها؟" سألته وهي تناوله الفنجان.

أخذ كنان رشفة طويلة، وأسند ظهره إلى مسند الكرسي بارتياح. "اكتمل التلاشي بنجاح مطلق. السجلات البلدية، استهلاك الطاقة، خرائط الأقمار الصناعية... كلها تم تعديلها بانسيايبة. إذا وقف أحدهم أمام المبنى غداً، فإن هاتفه الذكي سيخبره أنه يقف في أرض فضاء غير صالحة للبناء. لقد قطعتُ كل شريان يربط المكان بالواقع."

عادت تالين لتجلس أمام شاشاتها، ويداها تعبثان بقدح القهوة الخاص بها. فركت جبينها برفق ونظرت إليه بتفكير عميق. "كنت أراقب محيطك الرقمي طوال فترة عملك. الطريق كان نظيفاً. لكن..."

توقف كنان عن الشرب. كان يعرف هذا الـ "لكن" جيداً. عندما تتحدث تالين بهذه النبرة، فإن الأمر يتطلب انتباهاً كاملاً. "لكن ماذا يا تالين؟"

نقرت تالين على لوحة المفاتيح، وظهرت على الشاشة خطوط بيانية معقدة مظللة باللون الأصفر. "أنت مهندس محو رائع يا حبيبي، لكن عندما يتعلق الأمر بتشريح الحزم المالية المعقدة، فالأمر ملعبي. لقد قمت بتحليل حزمة البيانات التي رافقت النصف الأول من أتعابك التي أرسلها العميل أوميغا. كما تعلم، أنا لا أثق في الأموال التي تأتي من هويات مشفرة كمياً."

"نظامي فحصها مرتين. كانت خالية من أي برمجيات خبيثة، فيروسات فدية، أو فيروسات تتبع،" دافع كنان عن بروتوكولاته الأمنية.

"صحيح، لم يكن هناك فيروس،" وافقت تالين، وهي تكبر جزءاً من الكود. "لقد كان التشفير نظيفاً تماماً من الناحية الهجومية المباشرة. لكن العميل استخدم تقنية نادرة جداً تُعرف باسم (التوجيه الارتدادي الأعمى). بمعنى آخر، الأموال لم تكن تحمل فيروساً، بل كانت تحمل ختماً زمنياً وبروتوكولاً يفتح منفذاً صامتاً ونائماً في محفظتك الرقمية. هذا المنفذ لا يسرق بياناتك، ولا يحدد موقعنا الجغرافي."

عقد كنان حاجبيه بقلق متزايد، ووضع فنجانه جانباً. "إذن ماذا يفعل بحق الجحيم؟"

ابتلعت تالين ريقها، ونظرت إليه بقلق حقيقي أذاب كل شعور بالراحة في الغرفة. "إنه يحول شبكتنا المحلية إلى منصة عبور (Proxy). هذا يعني أنه إذا قام العميل أوميغا بشن أي هجوم سيبراني الآن، فإنه يمكنه تمرير البيانات عبر المنفذ الذي فتحه في محفظتك. وبالنسبة لأي جهة أمنية تحاول تتبع مصدر الهجوم، سيبدو وكأنه انطلق من حاسوبك أنت يا كنان."

اتسعت عينا كنان. مهنته بأكملها تعتمد على السببية وتجنب المخاطر. لقد استوعب فداحة الموقف في كسر من الثانية. "هندسة توريط... لقد استأجرني لمسح المبنى، ودفع لي ببروتوكول يجعلني وكيله الرقمي. إذا قاموا بأي عمل غير قانوني..."

قبل أن يكمل جملته، تبخر الهدوء في الشقة، وفي حياتهما بأكملها، فجأة وبطريقة وحشية.

انطفأت الأضواء الدافئة المريحة في الغرفة الرئيسية، وتحولت واجهة نظام المنزل الذكي بأكملها إلى اللون الأحمر القاني الوامض. الشاشات الثلاث الهولوغرافية التي كانت تالين تعمل عليها توقفت عن عرض بياناتها المعتادة، لتحل محلها شلالات من الإنذارات الحمراء التي تتدفق بسرعة جنونية كنزيف رقمي لا يمكن إيقافه. انطلق من سماعات النظام الصوتي إنذار حاد، بتردد متقطع يثير الرعب في الأوصال؛ إنذار برمجته تالين ليعمل فقط في حالات الكوارث الرقمية على المستوى الوطني.

قفزت تالين من مقعدها، واقتربت بوجهها من الشاشات. بدأت أصابعها تضرب لوحة المفاتيح بسرعة جنونية، تحاول بناء جدران حماية إضافية لشبكتهم المنزلية واعتراض حزم البيانات المتطايرة لفهم ما يجري.

"ما الذي يحدث تالين؟ هل نتعرض للاختراق؟" صرخ كنان وهو يقف خلفها، غريزة الحماية لديه تدفعه لاتخاذ وضعية الاستعداد، ويده تمتد تلقائياً نحو سلاح مخفي أسفل الطاولة.

"ليس نحن! هذا ليس هجوماً علينا!" صرخت تالين، وعيناها تتابعان سيل البيانات المرعب. "إنه هجوم خارجي، لكنه هجوم من الفئة الصفرية (Zero-Day)! أحدهم يشن هجوماً سيبرانياً تدميرياً غير مسبوق! إنهم يستهدفون البنية التحتية المركزية للدولة! خوادم بنك التسويات الوطنية، شبكة توجيه الطيران المدني، وحتى شبكات التحكم في إشارات المرور الكبرى ومحطات تنقية المياه... كلها تتعرض لهجوم رفض خدمة موزع (DDoS) مقترن بفيروس فدية عكسي! هذا الهجوم يحرق البيانات بمجرد ملامستها. إنهم يحاولون شل حركة اقتصاد البلاد وتدمير هيكلها اللوجستي بالكامل في دقائق!"

شعر كنان ببرودة قاتلة تسري في عموده الفقري. هجوم بهذا الحجم والشراسة لا تقوم به عصابات هواة، بل دول، أو تكتلات إرهابية تمتلك موارد لا حصر لها. "هل يمكنك تتبع مصدر البث؟ هجوم بهذه الكثافة التدميرية المتزامنة يتطلب مزارع خوادم ضخمة لمعالجة البيانات، ولابد أن يترك أثراً كهرومغناطيسياً هائلاً يمكن تتبعه!"

كانت تالين تلهث من شدة التركيز، عقلها يعمل بسرعة توازي سرعة المعالجات الكمية. "أنا أقوم بعملية هندسة عكسية لمسار البيانات المشفرة... إنهم يستخدمون طبقات متعددة من التمويه، لكن البروتوكول الارتدادي الذي وجدته في محفظتك يساعدني على قراءة بصمتهم الأصلية... أعطني ثوانٍ... أنا أصل إلى عقدة التوزيع الأساسية... قيد التحديد..."

توقفت أصابع تالين فجأة عن الحركة. تجمدت يداها في الهواء، وتحولت نظرتها إلى الشاشة الوسطى حيث استقرت خريطة جغرافية ثلاثية الأبعاد للمدينة، تتوسطها نقطة حمراء نابضة بقوة.

استدارت تالين نحو كنان ببطء شديد، ووجهها شاحب كالموتى. لم تكن خائفة من الهجوم الوطني بقدر ما كانت مرعوبة من الحقيقة الشخصية التي تكشفت أمامها للتو.

"كنان..." همست بصوت مختنق، بالكاد يخرج من حنجرتها الجافة. "الإحداثيات التي ينطلق منها هذا الهجوم المدمر..."

"من أين تنطلق يا تالين؟ تحدثي!" سألها، وقلبه يدق كطبول الحرب، متوقعاً الإجابة التي يرفض عقله المنطقي تصديقها.

أشارت بيدها المرتجفة نحو الأرقام على الشاشة. "إنها لا تأتي من دولة معادية. الهجوم يُبث في هذه اللحظة بالذات من الخوادم الموجودة في القطاع الصناعي الشرقي. تحديداً من... المنشأة التي قمت بمسحها من الوجود للتو."

تراجع كنان خطوة إلى الوراء، وكأن رصاصة غير مرئية اخترقت صدره. الهيكل المعرفي الذي بنى عليه حياته انهار. "هذا مستحيل فيزيائياً وتقنياً! لقد أذبت اللوحات الأم بالثيرمايت! أحرقت كل سلك ألياف ضوئية! المبنى لم يعد متصلاً بأي شبكة! كيف يمكن لبركة من الرماد المنصهر أن تشن هجوماً سيبرانياً؟"

استأنفت تالين الكتابة بجنون، تحلل البيانات الواردة من موقع الهجوم وتبحث في السجلات العميقة. "البيانات لا تكذب يا كنان! الإشارة قوية جداً. هذا يعني شيئاً واحداً... المهاجمون وضعوا خوادم بث قوية ومدفونة في طبقة سفلية سرية لم يطُلها تدميرك. خوادم محمية بدروع متطورة، كانت في وضع السبات، ومبرمجة لتستيقظ وتبدأ الهجوم بمجرد... بمجرد أن يتم تدمير الخوادم السطحية التي كانت تعمل كجدار حماية وهمي لها!"

في تلك اللحظة، تجلت الصورة المرعبة بوضوح قاتل أمام عيني كنان.

العميل "أوميغا"... لم يستأجره لمحو منشأة سرية خوفاً من اكتشافها. ولم يدفع له الملايين عبثاً. لقد كان العميل يخطط لهذا الهجوم الإرهابي الكارثي منذ البداية. ولضمان نجاح الهجوم وعدم تمكن السلطات من إيقاف البث الفيزيائي بسرعة، كان يحتاج إلى أن يختفي المبنى من السجلات ومن الوجود.

وبفضل براعة كنان في المحو، صنع بنفسه النقطة العمياء المثالية. السلطات الآن ترى هجوماً ينطلق من بقعة أرض، وإذا بحثت في سجلاتها الجغرافية ستجدها أرضاً فضاء غير صالحة للاستخدام. لن يعرفوا أين يبحثون بالضبط، ولن يجدوا مبنى لاقتحامه، مما يمنح المهاجمين وقتاً ثميناً لتدمير البنية التحتية.

والأسوأ من ذلك كله...

"كنان، الأمر أسوأ بكثير مما نتخيل،" قاطعته تالين بصوت حاد يقطر رعباً، وهي تشير إلى شاشة جديدة ظهرت عليها تنبيهات أمنية حكومية تم تسريبها على شبكة (الإنترانت) الخاصة بوكالات الاستخبارات. "المهاجمون لم يكتفوا بتدمير البنية التحتية. لقد استغلوا بروتوكول المحو الرقمي الخاص بك كدرع. وكالة الأمن السيبراني التقطت التوقيع الرقمي الذي تم فتحه عبر محفظتك كمنصة عبور. والأدهى... لقد تركوا حزمة بيانات مكشوفة عمداً على الخادم الخارجي للبلدية تحتوي على لقطة لكاميرا مراقبة مرورية يتيمة لم تُدمر، تُظهر سيارتك وهي تغادر المحيط المباشر للمبنى قبل دقائق من بدء الهجوم."

ابتلعت تالين ريقها، والدموع تتجمع في عينيها. "في نظر وكالات الأمن القومي والدولة بأكملها الآن... أنت لست مجرد مهندس مسح مسرح الجريمة. أنت هو الإرهابي الذي جهز منصة الإطلاق، وعزل المبنى، وأطلق هذه الكارثة السيبرانية، ثم محا الأدلة بيده. لقد استخدموا عبقريتك لتصميم حبل المشنقة الخاص بك."

لم يوظف العميل أوميغا مهندساً... بل اشترى "كبش فداء" يشنق نفسه بمهارته الخاصة.

وقبل أن يتمكن كنان من استيعاب الصدمة بالكامل، انطفأت جميع الشاشات في الغرفة دفعة واحدة، وغرقت الشقة في ظلام دامس إثر انقطاع التيار الكهربائي. لم يكن هذا الانقطاع بسبب الهجوم السيبراني العام، بل كان محلياً وموجهاً بدقة.

انطلق صوت ميكانيكي بارد من نظام الإنذار المستقل الذي يعمل بالبطارية الاحتياطية في الشقة:

"تنبيه. تم اختراق المحيط الأمني للطابق الخامس والثلاثين. انقطاع متعمد للطاقة. تم رصد فرقة تكتيكية مكونة من ثمانية أفراد مسلحين في الرواق المؤدي إلى الشقة. بصمات حرارية تشير إلى استخدام أسلحة مزودة بكواتم صوت. الوقت المقدر للاقتحام: ثلاثون ثانية."

تبادل كنان وتالين نظرة سريعة في العتمة المتقطعة بأضواء الطوارئ الحمراء. لم تكن هذه فرقة شرطة؛ الشرطة لا تقطع الكهرباء وتتحرك بصمت وتخفٍ تام للاعتقال. هؤلاء كانوا فرقة تصفية أرسلها العميل "أوميغا" لإسكات كنان وتالين للأبد، وإغلاق الملف بالكامل، ليموت السر معهما.

لم يكن هناك وقت للندم، ولا مساحة للخوف. غريزة البقاء النقية سيطرت على كنان تماماً. انقض نحو مكتب تالين، وأزاح لوحاً خشبياً خفياً في الأرضية، ليسحب حقيبة ظهر تكتيكية سوداء معدة سلفاً لأسوأ السيناريوهات، ومسدسين نصف آليين من عيار 9 ملم. قام بتلقيم السلاح الأول بحركة آلية باردة، وناوله لتالين التي أمسكت به بيد ثابتة، فقد تدربت على هذا السيناريو الكابوسي مراراً كاحتياط وقائي.

"تالين،" قال كنان بصوت منخفض وحازم، وعيناها تشتعلان بتصميم مميت، "اسحبي الأقراص الصلبة المحمولة المشفرة فقط، وشغلي بروتوكول الحرق الذاتي (Kill Switch) للخوادم المنزلية. لن نترك لهم بايت واحداً من البيانات."

"إلى أين نذهب؟" سألت تالين وهي تنزع أقراص التخزين الصلبة بسرعة جنونية وتلقيها في حقيبتها، بينما يرتفع صوت أزيز جهاز كسر الأقفال البلازمي الذي ألصقه المقتحمون بباب شقتهم المصفح من الخارج. "لقد تم كشف هويتنا، الدولة بأكملها وفرق التصفية ستطاردنا بمجرد نشر اسمك."

أغلق كنان سحاب الحقيبة ورفعها على ظهره، ثم وجه مسدسه نحو الباب الفولاذي الذي بدأ يئن وتحمر حوافه تحت وطأة الحرارة العالية للاختراق.

"عندما يتهمونك بجريمة مثالية مسحتَ أنت أدلتها بيدك،" قال كنان، وابتسامة تحدٍ قاسية، خالية من أي خوف، ترتسم على شفتيه في الظلام، "الطريقة الوحيدة لتبرئة ساحتك والنجاة... هي أن نكسر القاعدة الأولى. نحن ذاهبان للهندسة العكسية لعملية المحو التي نفذتها. سنجد من جعلنا كبش فداء، وسنجعله يتلاشى إلى الأبد."

صوت انفجار مكتوم حطم قفل الباب الفولاذي، واندفع الدخان الكثيف وشرر القطع الحراري إلى داخل الشقة. المعركة من أجل البقاء، ومعركة إثبات الوجود في عالم البيانات، قد بدأت للتو.