قصة العمربقلم صدى القارئ فصل 2

أول حب

4 دقائق قراءة · 702 كلمة

مرت السنوات بهدوء، وكبر حسون دون أن يشعر كيف تغيّرت الأيام من حوله. لم يعد ذلك الطفل الذي يركض في الحارة بحقيبته الصغيرة، ولا ذلك الصغير الذي كان يظن أن الحياة تبدأ عندما يصبح رجلًا. أنهى مرحلة المدرسة، ودخل بداية شبابه، وهي المرحلة التي بدأت فيها الأسئلة تأخذ شكلًا مختلفًا، وأصبحت الأشياء التي كانت تمر أمام عينيه دون اهتمام تترك أثرًا في داخله.

كان حسون قد بدأ يكتشف نفسه أكثر. صار يهتم بما يقوله الآخرون عنه، ويفكر كثيرًا قبل أن يتحدث، وأصبح لبعض التفاصيل الصغيرة معنى لم يكن يعرفه من قبل. لم تعد أيامه تشبه أيام الطفولة، فقد أصبح لديه عالم أوسع من البيت والحارة والدراسة، عالم فيه أشخاص جدد، وتجارب مختلفة، ومواقف لا يعرف دائمًا كيف يتعامل معها، وأفكار جديدة بدأت تتشكل داخله مع بداية شبابه.

وفي أحد الأيام، التقى حسون بفتاة جديدة لم يكن يعرفها من قبل. لم يحدث شيء غريب في تلك اللحظة، ولم يشعر أن حياته ستتغير بسبب ذلك اللقاء. تحدثا قليلًا في وجود أشخاص آخرين، ثم انتهى اللقاء وعاد كل واحد إلى حياته.

لكن مع مرور الوقت، بدأ يلاحظ وجودها أكثر.

كانت هادئة في تعاملها، وتشارك الآخرين أحاديثهم من وقت إلى آخر. لم تكن تفعل شيئًا خاصًا من أجله، ولم تكن تعرف أن وجودها لفت انتباهه.

أما حسون، فكان يشعر بشيء جديد لم يكن يعرف كيف يفسره. كان يلاحظ بعض صفاتها، ويتذكر بعض الأحاديث التي دارت أمامه، ووجد نفسه يفكر أحيانًا في الشخص الذي يراه أمامه وفي الطريقة التي يتعامل بها مع الناس.

لم يحاول أن يقترب منها، ولم يطلب منها شيئًا، ولم يكن بينهما ما يتجاوز المعرفة العادية. كانت مجرد تجربة جديدة جعلته يكتشف جانبًا من نفسه لم ينتبه إليه من قبل.

وفي إحدى المرات، احتاجت إلى قلم، فسألته ببساطة:

— معك قلم زيادة؟

أخرج حسون قلمًا من حقيبته ومدّه إليها.

— آه، خذي.

قالت:

— شكرًا.

ثم انتهى الموقف ببساطة.

لكن حسون ظل يتذكره لبعض الوقت، ليس لأن كلمة «شكرًا» كانت تحمل معنى خاصًا، بل لأنه بدأ يفهم أن بعض المواقف الصغيرة يمكن أن تجعل الإنسان ينتبه إلى مشاعره وأفكاره أكثر.

ومع الأيام، أدرك أن لديه اهتمامًا خاصًا بها، لكنه لم يتعامل معه على أنه وعد أو بداية علاقة. كان يعرف أن كل إنسان له حياته وقراراته، وأنه لا يستطيع أن يبني توقعاته على مجرد شعور داخلي.

وفي أحد الأيام، كان حسون مع بعض أصدقائه عندما سمع أحدهم يتحدث عنها.

قال صديقه:

— سمعت إنها مهتمة بواحد من اللي بنعرفهم.

توقف حسون عن الكلام للحظة.

لم يسأل عن التفاصيل، ولم يُظهر اهتمامًا، لكنه شعر بشيء من الضيق لم يكن يتوقعه. حاول أن يكمل الحديث بشكل طبيعي، إلا أن الفكرة بقيت في ذهنه.

وفي طريق عودته إلى البيت، بدأ يفكر في الأمر بهدوء. أدرك أنه لا يملك حق الاعتراض أو الحزن على قرار شخص آخر، فهي لم تعده بشيء، ولم تكن تعرف أصلًا ما الذي كان يفكر فيه.

عاد حسون إلى البيت أكثر هدوءًا من المعتاد. جلست أمه معه وسألته:

— مالك اليوم؟

هز رأسه.

— ولا إشي.

نظرت إليه قليلًا، لكنها لم تضغط عليه.

دخل غرفته وأغلق الباب. جلس على طرف السرير وبقي صامتًا. لم يكن هناك شيء يستطيع أن يلوم عليه أحدًا، ومع ذلك شعر بثقل في داخله.

في تلك الليلة، تذكر كلام والده القديم:

«الحياة مش دايمًا بتعطيك اللي بدك إياه. بس إذا عرفت تحافظ على قلبك، بتضل واقف.»

ابتسم بحزن.

لأول مرة فهم جزءًا من تلك الجملة.

فالحياة لا تسير دائمًا بالطريقة التي نتوقعها، والإنسان لا يستطيع أن يحصل على كل ما يتمناه لمجرد أنه أراده بصدق.

وفي الأيام التالية، بدأ حسون يضع هذه التجربة في مكانها الصحيح. لم يلومها، ولم يحمل تجاهها أي شعور سيئ، ولم يسمح للأمر أن يعطله عن حياته. عاد إلى اهتماماته، وأصدقائه، وأفكاره عن المستقبل.

ومع مرور الوقت، خف أثر التجربة، لكنها تركت داخله درسًا مهمًا.

تعلم أن الإنسان قد يشعر بشيء بصدق، ومع ذلك عليه أن يعرف كيف يتعامل مع مشاعره دون أن يظلم نفسه أو غيره.

وحسون، الذي كان في طفولته يظن أن القوة تعني أن يصبح رجلًا لا يخاف شيئًا، بدأ يكتشف معنى آخر للقوة.

أن تتقبل ما لا تستطيع تغييره.

وأن تحترم اختيارات الآخرين.

وأن تكمل طريقك عندما لا تسير الأمور كما تمنيت.

لم يكن يعرف وقتها أن هذه التجربة ستكون واحدة من المحطات التي ستجعله ينظر إلى الحياة بطريقة مختلفة.

ومنذ ذلك الوقت، بدأ حسون يهتم بالمستقبل أكثر.

لم يعد يريد فقط أن يكبر.

أصبح يريد أن يعرف من سيكون عندما يكبر.