الطفولة
5 دقائق قراءة · 948 كلمة
لم يكن حسون يعرف يومها أن الإنسان يمكن أن يحمل عمرًا كاملًا في قلبه، وهو لا يزال طفلًا لا يتجاوز سنواته الأولى.
كان صباحًا عاديًا في الظاهر، لكنه بالنسبة لحسون كان بداية حكاية لن يعرف نهايتها إلا بعد سنوات طويلة.
استيقظ على صوت أمه وهي تناديه من الغرفة المجاورة، وصوت الأواني وهي تتحرك في المطبخ. فتح عينيه ببطء، وبقي للحظات يحدق في سقف الغرفة، كأنه يحاول أن يتذكر أين هو، ثم سمع صوتها مرة أخرى:
— حسون... قوم يا يمّا، تأخرت.
سحب الغطاء فوق رأسه وقال بصوت ناعس:
— شوي كمان...
ضحكت أمه من خلف الباب.
— كل يوم شوي كمان. قوم قبل ما أبوك يصحى ويلاقيك لسا بالسرير.
قفز حسون من مكانه فورًا.
كان يخاف من شيء واحد أكثر من خوفه من المدرسة: أن يراه والده متكاسلًا في الصباح.
غسل وجهه بسرعة، وارتدى ملابسه، ثم خرج إلى المطبخ وهو يحاول ترتيب شعره بيده. كانت أمه تضع له الفطور، بينما كان والده يجلس في مكانه المعتاد، يحتسي الشاي وينظر إليه بصمت.
نظر حسون إلى أبيه، ثم إلى الطعام.
— صباح الخير.
رد والده:
— صباح الخير يا رجال.
توقّف حسون عند كلمة «رجال».
كان يحبها كثيرًا.
كلما قالها والده، شعر أنه كبر سنة كاملة.
جلس وأخذ يأكل بسرعة، ثم رفع عينيه وسأل:
— بابا، لما أكبر شو بصير؟
ابتسم أبوه، ووضع كأس الشاي على الطاولة.
— أول إشي كُل فطورك، وبعدين بنشوف شو بدك تصير.
فكر حسون قليلًا.
— بدي أصير غني.
ضحكت أمه.
— وليش؟
أجاب بثقة طفل لا يعرف شيئًا عن المال:
— عشان أجيبلكم كل إشي.
نظر والده إليه طويلًا، ثم قال:
— الله يرضى عليك. بس لا تستعجل تكبر.
لم يفهم حسون يومها لماذا قال أبوه تلك الجملة.
كان يظن أن الكبار يعرفون كل شيء، وأن الحياة عندما يكبر ستكون أسهل. لم يكن يعرف أن بعض الأشياء تصبح أثقل كلما كبر الإنسان، وأن الطفل الذي يتمنى أن يصبح رجلًا قد يتمنى يومًا لو يستطيع العودة إلى صباح واحد من طفولته.
خرج حسون إلى المدرسة، وحقيبته على ظهره، وحذاؤه يضرب الأرض الصغيرة أمام البيت. كان يمشي بسرعة، ثم يتوقف أحيانًا ليركل حجرًا في الطريق، ويتسابق مع أبناء الحارة، ويضحك لأسباب لا تستحق الضحك.
كانت الدنيا بالنسبة له صغيرة.
البيت.
المدرسة.
الحارة.
أصحابه.
وصوت أمه عندما تناديه عند الغروب.
لم يكن يعرف أن العالم أكبر بكثير من ذلك.
في المدرسة كان حسون طفلًا كثير الأسئلة. لم يكن يحب أن يسمع إجابة جاهزة وينتهي الأمر. إذا قال له المعلم شيئًا، يسأل: لماذا؟ وإذا أجابه، يسأل: وكيف؟ وإذا أعطاه تفسيرًا، يبحث عن سؤال آخر.
وفي أحد الأيام، وقف المعلم أمام الطلاب وسأل:
— مين فيكم نفسه يصير إشي مهم لما يكبر؟
ارتفعت الأيدي.
واحد قال: طبيب.
والثاني: مهندس.
والثالث: شرطي.
أما حسون فبقي ساكتًا.
نظر إليه المعلم.
— وإنت يا حسون؟
رفع حسون رأسه وقال:
— مش عارف.
ضحك بعض الطلاب.
لكن المعلم لم يضحك.
قال له:
— مش مشكلة إنك ما تعرف. المهم لما تكبر تعرف مين بدك تكون، مش بس شو بدك تشتغل.
بقيت الجملة في رأس حسون طوال اليوم.
مين بدك تكون؟
كان سؤالًا أكبر من عمره.
في طريق العودة إلى البيت، كان يمشي وحده ويفكر فيه. لم يكن يعرف الفرق بين الإنسان الذي يملك المال والإنسان الذي يملك قيمة. لم يكن يعرف أن الشهرة لا تعني شيئًا إذا فقد الإنسان نفسه، ولا أن النجاح يمكن أن يكون له ألف شكل.
كان يعرف فقط أنه يريد أن يصبح شخصًا يجعل والديه فخورين به.
وعندما وصل إلى البيت، وجد أمه واقفة أمام الباب.
— وين كنت؟
— بالطريق.
— الطريق من المدرسة للبيت صار ساعتين؟
ابتسم حسون.
— كنت بفكر.
وضعت يدها على رأسه.
— الله يهديك... ادخل كل.
ضحك ودخل.
مرت السنوات الأولى من عمره بهذه البساطة؛ أيام تشبه بعضها، لكنها كانت في الحقيقة تبني داخله شيئًا لم يكن يراه.
تعلم من أمه أن الإنسان لا يقيس الناس بما يملكون.
وتعلم من أبيه أن الكلمة مسؤولية، وأن الرجل إذا وعد بشيء فعليه أن يحاول بكل ما يستطيع أن يفي به.
وتعلم من الحياة، دون أن يدرك، أن الناس ليسوا جميعًا متشابهين.
كان هناك من يضحك كثيرًا ويخفي حزنه.
ومن يملك المال ولا يملك راحة البال.
ومن لا يملك شيئًا لكنه يعطيك آخر ما عنده.
وكان حسون يراقب كل ذلك بعين طفل، دون أن يعرف أن هذه التفاصيل الصغيرة ستكبر معه يومًا بعد يوم.
وفي إحدى الأمسيات، جلس بجانب والده أمام البيت.
كانت الشمس تنزل ببطء، والسماء تأخذ لونًا ذهبيًا هادئًا.
قال حسون:
— بابا؟
— نعم؟
— إنت كنت طفل زيي؟
ابتسم أبوه.
— كنت أزعر أكثر منك.
ضحك حسون.
— وإنت كنت تحب المدرسة؟
سكت والده لحظة.
— أحيانًا.
— يعني ما كنت تحبها؟
— كنت أحب أشياء ثانية أكثر.
— مثل شو؟
نظر الأب إلى الطريق أمامه.
— كنت أحب الحياة.
لم يفهم حسون الإجابة.
— وشو يعني تحب الحياة؟
نظر إليه والده وقال:
— يعني يا حسون... لما تكبر، رح تعرف إن الحياة مش دايمًا بتعطيك اللي بدك إياه. بس إذا عرفت تحافظ على قلبك، بتضل واقف.
سكت حسون.
كانت الكلمات أكبر من عمره مرة أخرى.
لكنه لم ينسها.
وفي تلك الليلة، عندما ذهب إلى غرفته، بقي مستيقظًا وقتًا أطول من المعتاد.
فكر في المستقبل.
فكر في الرجل الذي سيصبحه.
ثم ابتسم لنفسه وقال بصوت خافت:
— أنا لما أكبر، رح أكون قوي.
لم يكن يعرف أن الحياة ستختبر هذه الجملة يومًا.
ولم يكن يعرف أن أول اختبار حقيقي لن يكون في المال، ولا في العمل، ولا في الزواج.
سيكون في قلبه.
لكن ذلك اليوم كان لا يزال بعيدًا.
في تلك المرحلة، كان حسون مجرد طفل يركض في الحارة، يحمل حقيبته الصغيرة، ويعود إلى البيت عندما يسمع صوت أمه.
وكان يظن أن أجمل أيام عمره هي التي يعيشها الآن.
لم يكن يعرف أن العمر سيكبر.
وأن الطفل الذي نام تلك الليلة وهو يحلم بالمستقبل، سيستيقظ بعد سنوات وهو يحمل أول شعور لم يعرف كيف يتعامل معه...
الحب.
وكان ذلك الحب، رغم أنه لم يبدأ بعد، على وشك أن يغيّر حسون إلى الأبد.