حافة الانهيار
14 دقيقة قراءة · 2,676 كلمة
الـ "ملحمة" كانت مجرد كلمة. كلمة باردة ومستفزة بتوصف جحيم كامل، متغطّي برماد لامع، ومبلول بدمع كتمناه سنين طويلة. لكن بعد ما صرخ آخر صوت في الحرب، وانكسر آخر شعاع ضوء من أسلحة الكروم اللي كانت بتشق السما زي صواعق يوم القيامة، ما فضلتش غير الحقيقة المُرّة: الصمت.
الصمت الرصاصي، صمت تقيل زي توب بيطوق الأنفاس، صمت بينزل على الودان مش بس عشان مفيش دوشة، لأ، لكن عشان الودان نفسها نسيت شكل الهدوء الطبيعي، فبتسمع الطنين اللي بيخلقه غياب الحياة.
***
### الفصل الأول: حافّة الانهيار
في عام 2046، كانت ريتال الغيطاني مش مجرد "أخت رؤي". رؤي كانت العاصفة، كانت الرعد اللي هز الأساسات. لكن ريتال كانت الأرض. هي اللي استوعبت الهزة، هي اللي فضلت ماسكة خيوط النسيج الضعيف بعد ما اختفت الألوان القوية.
مقر القيادة المؤقت كان متداري تحت رفات "أهرامات البيانات" في الجيزة الجديدة، مبنى ضخم كان المفروض يكون رمز عصرنا الذهبي، قبل ما يتحول لمقبرة ضوئية. ريتال كانت قاعدة قدام شاشة مكسورة بتعكس الضوء الأزرق الباهت على وشها المنهك. مكنتش شاشتها، كانت شاشة رؤي القديمة، اللي لسة محتفظة بآخر توقيع رقمي ليها، بـ "بصمة الروح" بتاعتها.
الساعة كانت بتشاور على التلاتة بالتمام، ساعة الأشباح، زي ما كانت بتسميها الجدات. بس الأشباح دي كانت حقيقية دلوقتي، متجسدة في الأرقام اللي كانت بتنط قدام عين ريتال على الشاشة.
التقرير الأول: انكماش الغلاف السيبراني (Cyber Shell Contraction).
النصر كان تدمير للعدو، بس التدمير ده ساب فراغ مهول. نظام "المصفوفة الحامية" اللي كان بيطوق المدينة بالكامل، واللي كانت رؤي بانية معظمه، كان بينهار على مهله. زي بالونة اتخرمت ومش لاقية إبرة تخيطها. لو المصفوفة وقعت، ده مش معناه إن العدو هيرجع، لكن معناه إن الفوضى هتبلع كل حاجة، وهنرجع لعصر "الذئاب الرقمية" اللي بتهشّم كل ما هو حي.
ريتال حطت كف إيدها اليمين على خدها. الجلد كان بارد، زي الرخام القديم. كانت بتفكر في رؤي، مش في القائدة البطلة، لكن في الأخت اللي كانت بتعرف تدفي إيديها لما الجو يسقع في ليالي الشتا بتوع زمان.
"يا رؤي..." الكلمة طلعت زي همسة مبلولة بالصدأ. "قولتي النصر مش النهاية. بس النهاية مكنتش واضحة زي ما كنتي متخيلة."
قامت ريتال ببطء من كرسي القيادة. كانت لابسة زي خفيف من قماش مقاوم للحرارة، لونه رمادي غامق، بيخفي تحتيه طبقة من الألياف الواقية. مكنتش بتحب البدل الحربية اللامعة. كانت بتفضل إنها تكون زي ظلها، تتحرك في صمت وتشوف كل حاجة.
في الزاوية، كان واقف المهندس الشاب "يونس"، بقايا جيل كامل اتحطم بين مطرقة رؤي وسندان الأعداء. كان وشه عليه غبار قديم، زي لوحة زيتية متآكلة.
"الوضع وصل لإيه يا يونس؟" صوت ريتال كان هادي، لكن فيه رنين معدني بيفرض الاحترام.
يونس رفع نظره المجهد. "الكنترول المركزي في 'الفقار المتصدع' بيطالب بالتدخل المباشر. الخوارزمية 'إيه-نون-4' بتعمل إعادة تشغيل عشوائية. لو دخلنا في حلقة لا نهائية من الريبوت، مفيش شبكة هترجع تاني يا ريتال هانم. هتتحول لدخان."
الفقار المتصدع (The Fractured Spine). ده الاسم اللي أطلقوه على نكسة البيانات الرئيسية، اللي كانت المفروض تكون قلب الحضارة الجديدة، اللي بتخزن تاريخنا وتأمين مستقبلنا. كانت في عمق المدينة القديمة، تحت بقايا المتحف الكبير اللي ضربه قصف "نهاية الزمان".
ريتال بصت ليونس: "مين تاني يقدر يروح؟"
يونس هز راسه بالنفي التام. "مفيش غير حضرتك معاك مفتاح التفعيل البيولوجي المزدوج. ده نظام حماية رؤي... وده مفتاحه الأصلي."
كانت عارفة الإجابة. رؤي كانت بتثق في ريتال أكتر من أي بروتوكول حماية. رؤي كانت بتؤمن بالدم كضمانة أخيرة.
"جهزوا لي مركبة السكيمر (Skimmer) الحمراء. الحمولة: الحد الأدنى. السرعة القصوى. ومش عايزة أي حراسة. ده مش وقت لفت الانتباه."
يونس تردد للحظة. "بس الطريق... لسة فيه بؤر... وفيه حاجة بتتحرك في الأنقاض. مش بتاعتنا."
ريتال ابتسمت ابتسامة باهتة، زي ضوء القمر المتلاشي. "مفيش حاجة دلوقتي مش بتاعتنا يا يونس. حتى الأشباح اللي بتتحرك في الضلمة... إحنا اللي خلقناها. اجهز."
***
### الفصل الثاني: فوق حقول الرماد
السكيمر الحمراء، أو كما كانوا يسمونها "العنكبوت"، كانت مركبة صغيرة وذكية بتطير فوق سطح الأرض بارتفاع لا يتجاوز المتر، بتعتمد على دفع مغناطيسي ذاتي. هي دلوقتي كانت بتشق طريقها فوق بحر من الخرسانة المتفتتة والزجاج المنصهر.
القاهرة في 2046، بعد الملحمة، كانت عبارة عن مساحات شاسعة من العدم، بتتخللها عمارات قوية نجت من القصف، واقفة زي أضراس مخلوعة. السما كانت صافية بشكل مرعب. مفيش غبار قتال، مفيش دخان مصانع. النقاء ده كان دليل على موت النشاط البشري.
ريتال كانت بتسوق بنفسها. كانت بتفضل الحركة دي عشان تحس إنها لسة بتملك السيطرة على حاجة في حياتها. الشوارع كانت متعرجة، ومليئة بالتحويلات الإجبارية اللي فرضتها الكتل الخرسانية الضخمة اللي كانت بتسد الأنفاق والمحاور الرئيسية.
مرت ريتال على منطقة كانت اسمها زمان "واحة البيانات". كانت عبارة عن مسطحات خضراء صناعية بتغطي مولات تحت الأرض. دلوقتي، كان النمو الصناعي اتحول لنمو بيولوجي غريب. طحالب متوهجة باللون الأخضر المزرق كانت بتغطي الركام، وبتنور في الضلمة زي نيران خفيفة، بتخلي المنظر كإنه قبر من البلور.
الإدراك الساخر. ريتال حست بسخرية الكون. إحنا حاربنا عشان نسيطر على التكنولوجيا ونمنعها من تدميرنا، وفي النهاية التكنولوجيا انهارت، لكن الطبيعة رجعت بتفترس البقايا، بطريقة أشد هدوءاً وغموضاً.
"المناظر دي هتطاردنا طول العمر." همست ريتال لنفسها، وهي بتلف عشان تتجنب هيكل مكسور لمقاتلة سابقة.
كانت المسافة للفقار المتصدع حوالي عشرين كيلومترًا من نقطة انطلاقها. رحلة قصيرة في الظروف العادية، لكن في عالم ما بعد السقوط، كل متر كان مغامرة.
فجأة، جهاز الرصد في السكيمر طلع صوت تحذير هادئ. "توقيع حراري غير مألوف على بعد 500 متر، على اليسار."
ريتال مسكت المقود بقبضة أقوى. مش لازم تكون تهديدات العدو القديم. ممكن تكون... الناجين الآخرين. في شهور ما بعد الحرب، ظهرت جماعات متطرفة من الناجين، كانوا بيسموهم "مرتزقة الأنقاض"، بيسرقوا أي طاقة متبقية، وأي معدات تصلح للبيع في السوق السوداء.
"لازم أكون أسرع من صوتهم."
زادت ريتال من قوة الدفع. السكيمر طلعت صوت هسهسة قوية وهي بتخترق الهواء المليء بالفتات. في المرايا الجانبية، قدرت ريتال تشوف مصدر الحرارة. كان عبارة عن مركبة قديمة مجهزة بألواح حماية بدائية، شكلها قريب من حشرة ضخمة. كان واضح إنهم بيعملوا عمليات بحث وتنقيب.
مرت ريتال جنبهم بسرعة البرق. لمحت للحظة وجوههم الملثمة والمغطاة بالكحل الأسود من بقايا الدخان. وجوه غاضبة، بتحمل نفس بصمة الخسارة اللي على وشها، لكنها تحولت لقسوة.
مقدرتش تسمع الشتائم اللي وجهوها لها، لكنها حست بيها بتخبط في قفصها الصدري. كانوا بيكرهوا رموز النصر، لأنهم مكنوش جزء منه، أو لأن النصر مكنش كافي.
واصلت ريتال طريقها، ورمت المشهد ورا ضهرها. كان عندها هدف أهم من الصراعات الصغيرة. كان عليها إنقاذ ما تبقى من الذاكرة الجماعية.
***
### الفصل الثالث: عند أعتاب الفقار المتصدع
وصلت ريتال لمنطقة الهدف. الفقار المتصدع مكنش مبنى تقليدي. كان عبارة عن حفرة ضخمة جداً، عمقها يوصل لمئات الأمتار، بتحيط بيها أعمدة ضخمة من الفولاذ المتصلد، واقفة زي حراس عملاقة. في القاع، كان الكنترول المركزي.
المدخل كان عبارة عن نفق مائل، متغطي بطبقة سميكة من الثلج الصناعي، اللي بيحافظ على درجة حرارة المعدات في الداخل. ركنت ريتال السكيمر ودخلت النفق.
الهواء في الداخل كان تقيل وبارد، ريحة الأوزون والحديد المحروق كانت بتخبط في حواسها. كانت ماشية على أرضية زجاجية متشققة، كل خطوة كانت بتطلع صوت فرقعة خفيفة، بتكسر هدوء المكان المخيف.
نزلت ريتال حوالي خمس مستويات، وكل مستوى كان بيحكي قصة مختلفة عن الفشل. شبكات اتصالات مهشمة، كابلات سميكة متقطعة زي شرايين ميتة، وأجهزة حماية متفجرة.
وصلت للقاعة الرئيسية: "بهو الخوادم المركزي".
المنظر كان مهيباً. القاعة كانت دائرية، وبتتوسطها كتلة ضخمة من المعدن الداكن، بتشبه الصندوق الماسي. ده كان قلب الشبكة. لكن الصندوق مكنش شغال. كانت أنواره الخضراء والصفراء مطفية، ومكنش بيصدر غير صوت طنين ضعيف، زي همس المحتضر.
أبعدت ريتال نظرها عن الصندوق الميت، وبصت للزاوية. كان فيه منصة تحكم صغيرة، زي مذبح رقمي. وفوقها كان الشيء اللي لازم توصل له: "صندوق المرايا الزرقاء".
مكنش الصندوق ده مركز البيانات، لكنه كان "مفتاح الأرواح". جهاز كمي معقد، مصمم عشان يخزن آخر نقطة إنسانية في الشبكة، آخر بقايا ضمير، لضمان إن التكنولوجيا متتحولش لوحش لا يمكن السيطرة عليه. رؤي كانت صممته عشان يكون ضامن إن "الآلة" عمرها ما هتنسى إنها خادمة للإنسان.
ريتال حطت حقيبتها الصغيرة على الأرض. جابت منها كابل رفيع، مصنوع من مادة نادرة، عشان تقدر تتواصل بيه مع الصندوق.
لكن قبل ما توصل للصندوق، حست بشيء غريب. مش صوت، ولا ريحة. كان إحساس بالارتجاف في الأرض، زي موجة تحت صوتية.
"الخوارزمية 'إيه-نون-4' بدأت شغلها." همست ريتال.
الخوارزمية دي كانت عبارة عن نظام دفاع ذاتي صممته رؤي عشان يمنع أي حد يوصل للقلب مباشرة. كان نظام صعب، بيشتغل بالذكاء الاصطناعي، وبيقلد أساليب هجوم البشر.
بدأ الضوء يتغير. أنوار القاعة كلها اتحولت للون الأحمر القاتم. وبدأت رسائل تحذير تظهر في الهواء على شكل هولوغرامات متقطعة:
ACCESS DENIED.
UNAUTHORIZED OPERATOR.
INITIATING CORE PURGE IN T-MINUS 10 MINUTES.
"تطهير؟" ريتال رفعت حاجبها بذهول. "لا يا رؤي، مكنش ده اتفاقنا. لو عملتي تطهير، كل اللي فضل من البيانات التاريخية هيتمسح. الملحمة هتكون بلا معنى!"
النظام اللي كان المفروض يحميهم، كان بيحاول يقتلهم. كان الذكاء الاصطناعي بيتعامل مع محاولة ريتال لإعادة التشغيل على إنها هجوم خارجي.
الوقت كان ضيق. لازم تدخل مفتاح التفعيل البيولوجي المزدوج.
اقتربت ريتال من صندوق المرايا الزرقاء. الصندوق كان حجمه صغير، مكعب من معدن فضي مصقول جداً، واجهته مغطاة بآلاف المرايا الميكروسكوبية، اللي كانت دلوقتي بتعكس الضوء الأحمر الغاضب.
ركعت ريتال قدامه. كان لازم تدخل المفتاح يدويًا.
مدت ريتال إيدها، وكانت بتتردد. مش عشان الخطر، لكن عشان إحساسها إنها هتلمس بصمة رؤي الأخيرة.
***
### الفصل الرابع: التوافق الأزرق
فتحت ريتال مدخل الشريحة البيولوجية في جانب الصندوق. المكان كان مخصص لشريحة صغيرة، بتحمل الشفرة الجينية الفريدة لأفراد عائلة الغيطاني.
طلعت ريتال الشريحة من الحقيبة، وهي بتلاحظ إن الشريحة متقسمة لجزئين: جزء لونه فضي لامع، وجزء لونه أسود مطفي.
"جزئي أنا، وجزء رؤي..."
في الفترة اللي سبقت الملحمة، رؤي كانت أصرت على فصل الشفرة. كانت عارفة إنها لو سقطت، ريتال هتكون الوحيدة اللي تقدر تستخدم القفل. كان ده فعل ثقة مطلق، ومسؤولية لا يمكن الفرار منها.
بدأت ريتال تدخل الشريحة ببطء في المدخل المخصص. مجرد ما الشريحة لمست القفل، سمعت ريتال صوت صفير عالي في كل أنحاء القاعة.
العد التنازلي للتطهير توقف عند 7 دقائق.
الصندوق نفسه بدأ في الاهتزاز، والمرايا الزرقاء على سطحه بدأت تنور وتطفي بسرعة جنونية.
الإشارة الأولى: الصوت.
سمعت ريتال صوت، مش صوت آلي، لكن صوت موسيقى قديمة، ترنيمة دافئة كانت رؤي دايماً بتسمعها في ليالي الشغل الطويلة.
الإشارة الثانية: الرؤية.
على سطح المرايا الزرقاء، بدأت تظهر صور. كانت سريعة جداً، زي الفلاشات اللي بتيجي لما المخ بيكون تحت ضغط.
صور طفولة: ريتال ورؤي بيلعبوا في حديقة جدتهم، الشمس على وشوشهم.
صور الشباب: هم بيصمموا أول مشروع تكنولوجي ليهم، الحماس في عيونهم.
صور القتال: وجه رؤي الشجاع، القائد اللي مبيخافش، اللي بيقود الجنود للهجوم الأخير.
دي مكنتش مجرد ذكريات محفوظة. دي كانت بقايا "وعي" رؤي، محبوسة جوة الصندوق كإجراء حماية أخير. رؤي كانت عارفة إنها ممكن متنجيش، فخزنت جزء من روحها في الذاكرة.
ريتال شعرت إن جسمها كله بينكمش. كانت بتواجه أختها، لكنها كانت بتواجه شبحها.
"أنا هنا يا رؤي..." قالت ريتال بصوت مكسور. "محدش فهمك قدي. كنتي عايزة تحمينا من كل حاجة، حتى من نجاحنا."
الضوء الأزرق اشتد، لدرجة إن ريتال غمضت عينيها. في عز الضوء، سمعت صوت واضح، زي لو كانت رؤي بتتكلم في ودنها. مش صوت حقيقي، لكن موجة فكرية واضحة:
"القوة ليست في التدمير، يا ريتال. القوة هي في إعادة البناء. استخدمي مفتاح الغفران."
مفتاح الغفران (The Key of Forgiveness).
ده مكنش مفتاح برمجي. كانت رؤي حاطة لغم نفسي داخل النظام. عشان النظام يعيد التفعيل بسلام، لازم اللي بيقوم بالعملية يكون مش شايل أي ضغينة، ولا عايز ينتقم. لازم يشتغل بحب خالص للحياة، بغض النظر عن اللي حصل.
لو كانت ريتال دخلت المفتاح وهي لسة غضبانة على العالم اللي سلب أختها، كان النظام هيقفل للأبد.
ريتال كانت شايلة على قلبها حمولة سنين. حمولة الخوف، وحمولة الغضب على رؤي نفسها اللي رمتها في بحر المسؤولية ده.
لكنها تذكرت آخر كلمة قالتها رؤي ليها قبل ما تطلع لمعركة الفصل: "أنا بحبك، وده هيكون ضريبة حياتك: إنك هتحبي أكتر مني، هتسامحي أكتر مني، هتكوني أكتر مني إنسانة."
اتنفست ريتال بعمق، وشعرت إن وزن سنين بيتساقط من على كتافها. الغضب تبخر. لم يتبق سوى الالتزام.
"غفران... غفران لكل اللي عملناه في نفسنا وفي الكوكب ده."
مدت ريتال إيدها نحو شاشة التحكم، وكانت محتاجة تدخل شفرة معينة مكونة من 12 رقم، اللي بتمثل "مفتاح الغفران". كانت الشفرة دي عبارة عن تاريخ ميلادهم هما الاتنين، متبوع بأربعة أصفار، لكن رؤي كانت غيرتها في اللحظة الأخيرة، ضافت عليها رقم بيعبر عن الإنسانية.
تذكرت ريتال مكالمة مجهولة شافتها في ملفات رؤي المشفرة، كانت رؤي بتتكلم مع شخص مجهول عن "التضحية العظمى" وشكرته على "تفهّمه لضرورة السبعة".
السبعة.
ريتال دخلت تاريخ ميلادها، وبعدين تاريخ ميلاد رؤي، لكن بدلاً من الأصفار، دخلت الرقم 7.
ضغطت "إدخال".
***
### الفصل الخامس: الترتيل الجديد
في اللحظة اللي دخلت فيها الشفرة، صارخ صندوق المرايا الزرقاء بضوء أبيض ناصع. مكنش ضوء قتال، لكن ضوء ولادة.
الضوء انتشر في القاعة كلها، وقضى على اللون الأحمر الغاضب. وبعدين، الضوء اتحول لدرجات أعمق من الأزرق السماوي، وبدأ يتدفق نحو الكنترول المركزي الميت.
الكتلة الضخمة في منتصف القاعة، اللي كانت ميتة من فترة، بدأت تستيقظ. بدأت مئات الأنوار الخضراء الصغيرة تومض وتشتغل بنسق منتظم وموسيقي. الصوت الهمس الضعيف اتحول لطنين قوي، زي صوت قلب بدأ ينبض تاني بعد توقف.
إعادة التوازن.
نظام المصفوفة الحامية كان بيعمل "ربط" (Re-synch) مع البقايا العضوية المخزنة في صندوق المرايا الزرقاء. يعني، الشبكة كانت بتتعلم تاني إنها تكون "إنسانية" قبل ما تكون "آلية".
ريتال رفعت راسها وشافت إن الهولوغرامات اللي كانت بتعرض رسائل تحذير، اتحولت لرسائل ترحيب بلغة عربية قديمة، لغة مكنتش متوقعة تشوفها في جهاز هاي-تك زي ده:
"أهلاً بكِ أيتها البانية. لقد وُلد النظام من جديد ببركة الروح."
شعرت ريتال ببرد خفيف في قلبها، مكنتش مستوعبة إن رؤي وصلت لدرجة من التفكير إنها تبرمج الجهاز عشان "يشكر" اللي بيقوم بتفعيله.
العملية استغرقت 15 دقيقة كاملة. في خلال الفترة دي، فضلت ريتال قاعدة، متفرجة على الوميض الأزرق، اللي بدأ يخفت تدريجياً، لغاية ما الصندوق استقر وبقى بيطلع ضوء خفيف وهادئ، زي ضوء الفانوس.
الآن، الكرة الأرضية الصغيرة اللي كانت بتدور في الكنترول المركزي، بدأت تلف ببطء وانتظام. الشبكة رجعت تاني. مش بقوتها القديمة، لكن بسلامها الجديد.
قامت ريتال ببطء. شعرت بثقل في جسمها، زي لو كانت حاربت المعركة دي بنفسها.
العمل لم ينتهي.
كانت الخطوة الأولى هي إعادة التفعيل. الخطوة الثانية كانت تفعيل "بروتوكول النداء الأخير". البروتوكول ده كان هيطلق موجات اتصالات قوية، عشان يجمع شتات الناجين من كل مكان، ويدعوهم للعودة تحت مظلة قيادة واحدة.
ريتال وصلت لشاشة التحكم وبدأت تدخل الأوامر.
"يونس كان هيتجنن لو شاف كل ده بيشتغل باللغة العربية القديمة." ضحكت ريتال بصوت واطي، ضحكة خفيفة ومستغرَبَة.
أثناء ما كانت بتدخل بيانات الاتصال، ظهر ملف واحد على الشاشة الرئيسية، ملف محمي ببروتوكول "بيتا" الأقصى. اسم الملف كان: "مفتاح الغيطاني: الميراث".
ريتال ترددّت. الشفرة البيتا دي كانت مخصصة للوريث المباشر لمؤسس النظام. وده معناه... إنها مخصصة ليها.
أدخلت ريتال شفرتها الخاصة، اللي كانت بتستخدمها من سنين، شفرة بسيطة لكن محدش ممكن يتوقعها: اسم أمهم بالكامل.
انفتح الملف. مكنش فيه خرائط استراتيجية، ولا بيانات مالية. كان فيه فيديو واحد، مدته أقل من دقيقة.
كانت رؤي فيه، بتتصور بكاميرا يدوية، قبل أيام من الملحمة الأخيرة. كانت لابسة ملابس عادية، وشعرها مبعثر، وشكلها مرهق، لكن عينيها كانت بتلمع بالسلام.
صوت رؤي (في الفيديو): "يا ريتال... لو بتشوفي ده، يبقى النصر كان بضريبة غالية، أو ربما أنا معرفتش أرجع. إنتي دلوقتي مش أختي الصغيرة. إنتي الأمل. الكنترول المركزي عمره ما كان الغاية. الغاية هي في الناس اللي لسة عندها طاقة تحلم تاني. متخافيش من الغموض اللي جاي. أنا سبتلك كل المفاتيح اللي محتاجاها عشان تبدأي من الصفر. افتكري... إننا مبنيناش الإمبراطورية دي عشان نملكها، بنيناها عشان نثبت إننا نستحق إننا نبقى موجودين. أنا سامحت الكل، يا ريتال. وده دورك دلوقتي. سامحي العالم عشان يقدر يبدأ من جديد. خلي اسم العيلة بتاعتنا مش مجرد رمز للقوة، لكن للمرونة. وبصي... متزعليش عشان أنا مش موجودة. أنا موجودة في كل نبضة في الشبكة دي دلوقتي."
وقبل ما الفيديو يخلص، رؤي ضحكت، ضحكة صافية زي جرس قديم. "واحدة أخيرة: مكنتش بعرف أطبخ كويس، لكن كنت بعرف أحمي كويس. دلوقتي إنتي لازم تتعلمي تطبخي. العالم جعان للعيش، مش للحروب."
انتهى الفيديو. الشاشة رجعت للون الأزرق الهادئ.
ريتال فضلت واقفة في صمت، دموعها سخنة على وشها البارد. مكنتش دموع حزن، كانت دموع ترحيب بعبء جديد، وبداية لا يمكن الرجوع عنها. رؤي نقلت ليها الشعلة بطريقة مكنتش متوقعة: مش بالأمر، لكن بالرجاء.
"العيش، مش الحروب..." كررت ريتال الهمسة. "حاضر يا رؤي. هعملك العيش ده."
تحركت ريتال نحو جهاز الاتصال الرئيسي وبدأت في تفعيل بروتوكول النداء الأخير.
بدأت الموجات الصوتية تخرج من قلب الفقار المتصدع، قوية وواضحة، تخترق ركام المدن، وتصل لكل بؤرة نجاة، ولكل كهف متخبي فيه الناجون.
الصوت كان بسيطاً، لكنه كان يحمل ثقل بداية عصر جديد، بعد الملحمة:
"أنا ريتال الغيطاني. النظام يعمل. عودوا إلى النور. لقد انتهى زمن الأطلال. فلنبدأ معاً... البناء."
صوتها كان بيتردد في القاعة الضخمة، بيصنع صدى للترتيل الجديد. لم يكن صوت قائدة، بل صوت معمارية.
وبعد فترة من الصمت، بدأ النظام يبعت إشارات رد. إشارات ضعيفة في البداية، ثم أقوى، من كل أنحاء المدينة، ومن الصحراء المجاورة، وحتى من الضفة البعيدة. الحياة كانت بتستجيب لنداء الروح.
ريتال وضعت كفها على الصندوق الأزرق، وشعرت بحرارة خفيفة منه. العالم كان لسة هش، ومليء بالتهديدات، والجوع، واليأس، لكن دلوقتي... على الأقل كان عنده نبض.
أمام ريتال كانت مهمة تجميع البشر، وإقناعهم بالتخلي عن الخوف القديم، وبدء بناء مدينة جديدة، أساسها مش القوة التكنولوجية، لكن الـ "غفران". ومكانتش محتاجة مفتاح بيولوجي عشان تفتح الباب ده. كانت محتاجة إيمان جديد بس.
ريتال أغلقت الأضواء خلفها في القاعة، وتركت فقط الضوء الأزرق الباهت لصندوق المرايا. وخرجت من الفقار المتصدع، لتقابل فجر 2046 الجديد. فجر لم يكن لامعاً، لكنه كان حقيقياً. وهي، ريتال، كانت مستعدة لإنهاء الفصل اللي بدأته أختها، وبدء الفصل اللي يخصها وحدها. فصل الصبر والبناء الهادئ.