اللقاء المنتظر
13 دقيقة قراءة · 2,598 كلمة
(البداية: مارس ٢٠٣٠ - موقع غير محدد، كوخ مصنوع من عدم اليقين)
الزمن، بالنسبة لريتال، كان مجرد خطوط قلم رصاص قابلة للمحو. هي ماكنتش بتشوف العالم كنسيج صلب من الحقائق الفيزيائية، لأ. كانت بتشوفه كصفحة دفتر قديم، أطرافها صفراء ومهلهلة، وكل حاجة عليها مجرد تخطيط ممكن يتغير بضغطة إبهام أو بتنهيدة ملل.
دي كانت لعنة الـ Toon Force.
اللعنة اللي خلت ريتال الغيطاني، بنت الـ ١٤ سنة في الوقت ده، تعيش محبوسة في صومعة مصنوعة من خرسانة باردة وفراغ معرفي، على بعد آلاف الكيلومترات من القاهرة المدوية اللي أختها التوأم، رؤي، كانت بتسيطر على أجوائها بالغموض والأسطورة.
ريتال كانت طفلة مريضة بالوجود.
كانت قاعدة قدام مراية مكسورة، المراية اللي كانت بتوريها الحقيقة المُبهمة لملامحها: نفس النحت الدقيق لعظام الوجه اللي عند رؤي، نفس اتساع العينين الغامق، لكن ريتال كان فيها حاجة زيادة، حاجة ميكانيكية، كأنها بتتحرك بمعدل إطارات أعلى من الطبيعي. رموشها كانت بتترجف بسرعة تخلي أي كائن عادي يحس بدوار، وابتسامتها، لما كانت بتظهر، كانت بتشد الجلد على وشها بطريقة أقرب للرسم المتحرك منها للتعبير الإنساني.
"ماتتصرفيش كإنك حقيقة،" ده كان صوتها الداخلي اللي بيصرخ، الصوت اللي بيتردد في عقلها من وهي عندها ٦ سنين.
٢٠٣٤: عُمق اللاواقع
المكان كان بيتسمى "المُشغل الصفري" أو الـ "Zero Operator". كان كيان بيُدار من تحت الأرض، مهمته الوحيدة هي الحفاظ على ريتال في حالة اتزان، ومنعها من إنها "تفكك" الواقع المحيط بيها بمجرد الضجر.
الدكتور إيفان، الراجل اللي قضى آخر ٢٠ سنة بيدرس الـ Anomalies (الشواذ) كان دايماً بيوصف قوة ريتال بلغة طبية جافة: "هي بؤرة كاثوليكية من فوضى الاحتمالات. كلما ضحكت، كلما أوشكت الجاذبية على الانتحار."
في يوم من أيام الشتاء، ريتال كانت زهقانة من سماع محاضرات إيفان عن "مسؤولية الكيان الوجودي".
إيفان كان واقف قدام شاشة هولوغرافية بتعرض تركيب جزيئي لـ مُكعب الفراغ (أداة للتحكم في الطاقة)، وريتال كانت قاعدة على كرسي معدني بارد.
قالت ريتال بصوت هادي، زي همس جاي من ورا شاشة: "أنا عايزة أخرج."
"ريتال، إنتي عارفة إن خروجك هيسبب فوضى غير قابلة للإصلاح. إنتي مش زي أختك..."
هنا الهدوء انفجر. بس ماكانش انفجار صوتي أو ضوئي.
ريتال غمضت عينيها، ولما فتحتهم، ماكانش في أي تغيير مرئي في الغرفة، غير إن الدكتور إيفان اللي كان واقف قدامها، أصبح مسطحاً. بالمعنى الحرفي.
تحول إيفان لورقة كرتون، لا تتجاوز سمكها المليمتر الواحد، ثابتة في الهواء على ارتفاع المتر ونص. ملامحه، قبل ما الواقع يتخلى عنه، كانت ملامح ذهول مرسومة بدقة مرعبة على السطح الورقي.
ريتال مالت براسها، وبابتسامة مشوهة زادت فيها الأسنان عن العدد الطبيعي، قالت: "أنا مش زي أختي؟ طب ليه بتتصرفوا كإني قطعة شطرنج؟"
الـ Toon Force اشتغلت كإنها موجة تسونامي من الألوان غير المرئية.
ريتال مدت إيدها، وسحبت إيفان المسطح من الهواء، وضمته في قبضتها. الكرتون اتكرمش بصوت شبيه بصوت فتح كيس شيبسي في صالة سينما هادية.
الصوت ده كان أكتر رعباً من أي صرخة. لأن الصوت ده كان بيعلن نهاية قواعد الفيزياء.
الباب الفولاذي الضخم للغرفة فجأة اتفتح بطريقة كرتونية: اتقسم من النص وبقى شكله حرف H معكوس، ونزل تحت الأرضية زي مصعد معطوب.
ريتال خرجت، والضوء الأحمر لإنذار الخطر في الممرات الطويلة ماكانش بيصدر ضوءاً حقيقياً، كان بيصدر خطوط حمراء متعرجة، كأن حد رسمها بخط قلم رصاص متهور.
٢٠٤٠: الهجرة إلى الوراء (الخيط المقطوع)
ريتال كانت بتتحرك بسرعة فائقة، مش بس فيزيائياً، لكن زمنياً أيضاً.
كل سنتين في الواقع العادي، كانوا بيساووا ٦ شهور من الملل المُكثف في عقلها. كانت محتاجة تتشاف، محتاجة تثبت إنها مش مجرد كائن مرسوم.
منذ ٢٠٣٤، كانت بتتنقل بين القارات، مدفوعة بغريزة قوية تجاه مصدر قوتها الأصلي: القاهرة، وأختها التوأم.
بس تحركاتها كانت دايماً عبارة عن نقاط شاذة في سجلات العالم.
في موسكو، ٢٠٣٩، ظهر تقرير عن اختفاء برج اتصالات بالكامل، وتم استبداله بـ "منارة ضوئية" عملاقة مصنوعة من الجيلي الملون. السلطات نسبتها لـ "تأثيرات جوية نادرة" بس ريتال كانت عارفة إنها مجرد حركة عبثية منها عشان تضييع وقتها.
في روما، ٢٠٤٠، شهود شافوا بنت بتجري بسرعة فوق أسطح البيوت، وكل خطوة بتخطيها كانت بتسيب وراها آثار أقدام عملاقة بتعمل صوت "بومب! بومب!" بيتردد في الشوارع الضيقة.
كل ما كانت بتقرب من مصر، كل ما كانت بتحس بطاقة رؤي. طاقة رؤي كانت ثقيلة، حازمة، زي صوت كمان قديم بيعزف نغمة واحدة لا تتغير. أما قوة ريتال، فكانت زي آلاف الأطفال اللي بيضربوا على طبول بلا إيقاع.
الكيان، اللي كان بيحاول يتعقبها، كان بيستخدم "بروتوكول الغربال الزمني". كانوا بيحاولوا يجمعوا الحطام الزمني اللي بتسيبه وراها.
لكن ريتال كانت دايماً سابقة بخطوة، أو ربما سابقة بثلاثة أبعاد.
٢٠٤٥: على عتبة مصر (الضجيج المُحكم)
ريتال وصلت إلى الحدود المصرية في خريف ٢٠٤٥. مش متسللة، ولا متنكرة. دخلت بالطريقة الوحيدة اللي تعرفها: عن طريق فتح باب في الهواء مباشرة.
فتحت الباب في نقطة ما فوق سيناء. المكان كان صحراوي، هادي، مفيش غير الرمال المتحجرة تحت ضوء الشمس المائل.
نظرة واحدة من ريتال للرمل، حوّلته فوراً إلى رمل بحر ناعم، لونه أزرق فاتح.
كانت لابسة جاكت جلد قديم، أسود، بس تفاصيله كانت بتلمع زي لو كان لسه خارج من رسمة ديزني جديدة. شعرها الأسود الداكن كان بينساب حوالين وشها بطريقة درامية، وكل خصلة منه كانت بتتصرف كإن ليها كيان مستقل.
"البلد،" همست لنفسها، والصوت طلع زي صوت صدى داخل وعاء معدني. "ريحتها زي ريحة رؤي... زي ريحة المعدن البارد والكهربا."
خلال الشهور اللي فاتت، كانت بتراقب رؤي. مش عن طريق شاشات، لكن عن طريق "الثقوب الملونة" اللي كانت بتفتحها في الفراغ. كانت بتشوف رؤي وهي بتحكم قبضتها على جزء من العالم، وهي بتتعامل مع الـ Others، وهي بتواجه تحدياتها بالقوة الغامضة اللي بتمتلكها (اللي كانت غالبًا تتعلق بالسيطرة على الوقت والظاقة).
ريتال كانت بتشوف رورو بـ "غيرة وظيفية". رؤي كانت مهمة. أما ريتال، فكانت مجرد مزحة كونية ضلت طريقها.
قررت إنها لازم تعمل ضجة. مش عشان الشهرة، لكن عشان رؤي تحس بـ "التشويش" في إيقاعها.
القاهرة: ٢٠٤٦ (التحضير الأخير)
في خلال ٦ شهور، القاهرة بقت مسرح مفتوح لريتال. بس الناس ماكانتش بتشوفها بالمعنى التقليدي. كانوا بيشوفوا آثارها.
التقرير الأمني المركزي (الخمسة اللي ما بيتناموش) - ٩ مايو ٢٠٤٦:
"إستمرار لظاهرة 'الضجيج المُحكم'. أمس، اختفاء كامل لنظام قطار المونوريل رقم ٤ في محور الميرغني. تم العثور على القطار بعد ساعتين، محشور داخل تمثال أبو الهول في الجيزة، وقد تحول لونه إلى اللون الأخضر الفسفوري بالكامل، وممتلئ بالبالونات الهيليوم على شكل حيوانات بحرية."
التحليل النفسي للأحداث:
"الشخص الفاعل يمتلك قدرة على التلاعب بالكتلة والزمكان بطريقة تتجاوز قوة رؤي الغيطاني ذاتها. أفعاله تحمل طابع السخرية، اللعب، وازدراء قواعد المنطق. لا يبدو أنها تهدف إلى الأذى، بقدر ما تهدف إلى إثارة الانتباه على نطاق واسع."
رؤي، في مكتبها السري تحت النيل، كانت حاسة بالضيق. كانت بتراقب الخريطة الحرارية للقاهرة، اللي كانت بتضيء في أماكن غريبة.
كانت بتكلم مستشارها (الآلي/الإنساني): "الذبذبات دي مش طبيعية يا مراد. دي مش شغل الـ Mutants العاديين. الطاقة دي.. مفيش ليها مصدر. كإنها بتيجي من فراغ."
مراد رد بصوت ميكانيكي هادي: "سيدتي رؤي، النمط ده اتكرر كتير في سجلاتنا القديمة. دايماً لما يكون في قوة كبيرة بتظهر، بيكون ليها ضجيج خلفي. لكن الضجيج ده... هو الضجيج الأساسي."
رؤي لمست جبينها. من ٣ أسابيع، كل أكواب القهوة اللي بتشربها بتتحول في اللحظة الأخيرة لـ "حليب بالنعناع بنكهة الفول السوداني". ده كان إزعاج سخيف، بس إزعاج شخصي.
"الكيان ده بيلاعبني. بس مش بيلعب معايا بنفس القواعد." قالت رؤي بنبرة حادة.
ريتال واللقاء الوشيك (٥ يونيو ٢٠٤٦)
ريتال كانت قاعدة على برج القاهرة، مش في قمته، لكن على إحدى دعاماته الحديدية اللي بتبرز منه زي الشوكة. كانت بتدندن لحن قديم ما بيصدرش صوت، لكن بيصدر إحساس بالدوار للملائكة اللي بتراقبها من السماء السابعة.
فجأة، بدأت ترسم على الهواء بصباعها. كأنها بتستخدم فرشاة حبر غير مرئي.
الرسمة كانت صورة لوجه رؤي. بس ريتال زودت فيها تفاصيل مبالغ فيها: عيون رؤي كانت لامعة لدرجة إنها بتوجع، وشفافها كانت مائلة بانزعاج أبدي.
"إنتي زي الحائط،" قالت ريتال للرسمة الوهمية. "صعبة وواضحة. أنا زي موجة الحر اللي بتمحي الألوان."
مدت إيدها بسرعة خارقة، و"شالت" الرسمة من الهوا. اللوحة دي، اللي كانت مجرد طاقة مركبة، تحولت في إيدها لـ جرس نحاسي قديم.
"ده إعلان وصولي يا رورو."
الجرس النحاسي اترفع بسرعة جنونية فوق سماء القاهرة. وعند الساعة الـ ٤ صباحاً، ريتال ضربت الجرس.
الصوت ماكانش صوت جرس. كان صوت الواقع وهو بيتمزق.
الموجة الصوتية انتشرت. مش صوتية، لكن كودية. الموجة دي اخترقت كل أنظمة الرصد في القاهرة، ودخلت مباشرة لشبكات رؤي الداخلية.
الرسالة كانت بسيطة، مكتوبة بلغة برمجة قديمة، لكنها محفورة باللون الأحمر الناري على كل شاشة:
"١٢ مارس ٢٠١٦. المكان اللي اتولدت فيه. المعاد: ٨ يونيو ٤٦. يالا، تعالي العبي معايا يا توأم الروح المنسي."
٨ يونيو ٢٠٤٦: ساحة التوأم (اللا مكان)
اليوم كان مشمس، بس الشمس نفسها كانت بتتصرف بغرابة. كانت بتميل بألوانها نحو الأرجواني والأزرق الفاتح في أوقات غير منطقية.
رؤي وصلت إلى المكان المحدد: مستشفى مهجورة على أطراف حلوان، مكان مشهور بالقصص القديمة عن الولادات الغامضة. المكان اللي اتولدت فيه رؤي (على حد علمها)، والمكان اللي كانت فيه تفاصيل "ولادة أخرى" في نفس الليلة.
رؤي كانت لابسة درعها الخفيف، والـ Temporal Focus (جهازها للتحكم الزمني) كان في حالة تأهب قصوى. عيونها كانت حادة، وبشرتها كانت بتشع طاقة خفيفة.
دخلت المستشفى. كانت متهالكة، بس مش بطريقة الإهمال العادي. الجدران كانت منحنية، الأرضية كانت بتتحرك تحت رجليها ببطء، زي موجة.
في وسط بهو الاستقبال الكبير، كانت ريتال واقفة.
كانت قاعدة على كرسي هزاز عملاق، الكرسي كان بيتهز بمفرده، بيصدر صوت سرسرة خفيف زي صوت حشرة بتحاول تطير.
ريتال كانت بتلعب بكرة صغيرة، كرة سلة حجمها بيزيد وبيصغر في إيدها كل ثانية.
أول ما عيون رؤي وقعت على ريتال، رؤي حست بـ صدمة الاعتراف.
مش اعتراف بالوجه. اعتراف بالروح.
كإنها كانت بتشوف نفسها في مرآة، بس المرآة دي اتلفتت بيها الحياة بطريقة موازية، بطريقة كابوسية.
ملابس ريتال كانت غريبة. فستان أسود قصير، عليه خطوط بيضاء بتتحرك لوحدها. حذاء رياضي لامع، بيصدر صوت "صفارة" خفيفة مع كل حركة.
ريتال رفعت عينيها وبصت لرؤي. ابتسامة واسعة، مريضة، رسمت على وشها.
"يا هلا برورو البلد. أخيراً جيتي. كان نفسي أشوفك من زمان."
صوتها كان موسيقي، بس فيه "تذبذب" خفيف، زي صوت شريط تسجيل قديم بيتقطع ويرجع يتلحم.
رؤي ثبتت نفسها. "إنتي مين؟ وإيه التهريج اللي بتعمليه ده؟"
ريتال ضحكت. الضحكة كانت عبارة عن سيمفونية من أصوات مختلفة: صوت جرس، صوت طلقة مسدس، صوت طفل بيبكي.
"التهريج؟ أنا الكود اللي بيخلي الكون ده شغال يا رورو. أنا ريتال، أختك التوأم المنسية. إزاي ماعرفتيش؟ إحنا اتولدنا سوا. أنا الجانب الأبله اللي لازم يتخبى عشان الجانب الجاد يعرف يعيش."
رؤي تقدمت خطوة. "الكلام ده مالهوش معنى. أنا وحيدة. أنا قوة واحدة."
"لأ يا رؤي. القوة بتاعتنا كانت قوية لدرجة إنها ممكن تمحي مصر كلها لو اجتمعت. عشان كده قسمونا. عشان كده أنا اتسجنت في صندوق الكارتون لحد ما بقيت جاهزة."
ريتال أشارت بصباعها ناحية رؤي. الصباع نفسه فجأة بقى عبارة عن "مسدس إشارة" عملاق، لونه أحمر فاقع، بيطلع من فوهته علم مكتوب عليه: "بوم!"
رؤي اتحركت بسرعة تفوق الصوت، مستعدة لامتصاص الطاقة. بس لما الإشارة وصلت لها، ماكانتش طاقة.
كانت ذاكرة.
ذاكرة قوية، حية، مؤلمة. لحظات الولادة، الوجوه الباهتة للأطباء وهم بيشوفوا طفلتين بدل واحدة. الهمسات عن "النصف الفوضوي" و "النصف الحاكم". قرار الفصل.
"الـ Toon Force مش بس بتغير الواقع، رؤي. بتغير كمان أرشيف الواقع." قالت ريتال بهدوء.
رؤي رجعت لورا خطوتين، بتشد على نفسها بقوة عشان ماتتفككش تحت تأثير الذاكرة المزيفة/الحقيقية.
"لأ. ده تلاعب..."
"لأ، دي حقيقة،" قاطعتها ريتال، ووقفت.
لما وقفت ريتال، الكرسي الهزاز اللي كانت قاعدة عليه فجأة انكمش وبقى عبارة عن ممحاة صغيرة على شكل بطة. ريتال وضعتها في جيبها.
ريتال كانت أطول بمسافة بسيطة من رؤي، بس كانت بتشع طاقة غريبة، طاقة بتخلي رؤي تحس إنها في خطر حقيقي لأول مرة في حياتها. خطر مش سببه قوة فيزيائية، لكن خطر وجودي.
"إنتي بتخربي العالم يا ريتال." قالت رؤي بصوت منخفض، محاولاً السيطرة على نبرتها.
ريتال مالت براسها. "بخربه؟ أو بعيد تشكيله؟ إنتي بتحكمي العالم بقواعد، أنا بحكمه بـ لا قواعد. تخيلي المتعة يا رؤي. تقدري تطلعي من جيبك أي سلاح عايزاه. تقدري تقعي من ارتفاع ألف متر وتبقي كويسة. تقدري... تبقي حرة من المأساة!"
ريتال فجأة نطت في الهواء. نطت بارتفاع غير طبيعي، وعلقت في السقف زي بالون ضخم. بس بدال ما تبقى بالون، رجعت بسرعة وهي ماسكة في إيدها مطرقة عملاقة. المطرقة دي كانت بتلمع زي الذهب، وكان حجمها أكبر من ريتال نفسها بخمس مرات.
"تعالي نجرب يا رورو. تعالي نلعب لعبة أنا وأنتي بس. لعبة محو الجدية."
رؤي كانت عارفة إنها لو استخدمت قوتها الزمنية (التي تعتمد على الدقة والاتزان)، قدام قوة ريتال (التي تعتمد على الفوضى المطلقة)، هتكون مواجهة كارثية للكون كله.
"ليه دلوقتي؟ ليه ظهرتي؟" سألت رؤي.
ريتال ضربت الأرض بالمطرقة. الصوت ماكانش مدوياً. الأرض نفسها، بمجرد ما لمستها المطرقة، تحولت لـ جيلاتين يهتز بعنف.
"زهقت. زهقت من إني أكون مجرد ضجيج في الخلفية. إنتي الملكة، وأنا المهرج. بس المهرج هو اللي بيحرك الخيوط الحقيقية يا رؤي. عشان كده الكيان كان مخبيني. لأنهم كانوا عارفين إن لو رؤي الغيطاني تعرف إن اللا منطق هو اللي بيحرك أختها، إنتي نفسك هتبتدي تشكي في قوة قواعدك."
ريتال وقفت فوق الجيلاتين المهتز، وبدأت تمشي بطريقة مضحكة ومخيفة في نفس الوقت. خطواتها كانت سريعة جداً، كأنها بتجري في مكانها.
"أنا عايزة أوريكي إن العالم ممكن يكون أجمل لما نتخلى عن المنطق. تخيلي، بدل ما نفضل نحارب الشر ده بقواعد الفيزياء المملة، ممكن نحوله لكائن كرتوني ونضربه بالشبشب!"
رؤي شافت محيطها. الجدران كانت بتسيح ببطء، الألوان بتتحول لـ بقع زيتية، وفي زاوية، ظهرت "بوابة" كأنها مرسومة بالطباشير، وبتطلع منها أصوات ضحك غريبة.
كان لازم رؤي تسيطر على الموقف بسرعة، وإلا المستشفى كلها، وما حولها، هيتحول لمسرح عبثي.
رؤي استخدمت قوتها: التجميد الزمني الجزئي.
الجيلاتين اللي تحت قدميها تجمد. الهزة توقفت. أصوات الضحك اختفت. حتى ذرات الهواء حوالين رؤي بقت بطيئة جداً، بتتحرك كإنها في عصير سميك.
ريتال، لدهشة رؤي، ما اتجمدتش بالكامل.
ريتال اتحركت، بس حركتها كانت أشبه بـ شخصية لعبة فيديو قديمة لما البلاي ستيشن بيهنج. خطواتها كانت متقطعة، بس مستمرة.
"حلو،" قالت ريتال، بصوت مشوه بالبطء. "لعبة البطء. بس إنتي بتنسي يا رورو، القواعد دي بتشتغل على الكائنات العادية. أنا مش كائن عادي. أنا فكرة."
ريتال رفعت المطرقة العملاقة، اللي فجأة بدأت تلف حوالين نفسها بسرعة جنونية، وتحولت لـ دائرة نار كرتونية.
رؤي فهمت الخطر: ريتال مش بس بتكسر القواعد، هي بتخلق قواعد جديدة لحظية لنفسها، قواعد تنتمي لكون آخر.
"ريتال، اسمعيني. إحنا ممكن نعمل سوا..." حاولت رؤي تتكلم بمنطق.
"سوا؟" ريتال صرخت، وصوتها رجع للطبيعي فجأة. "إنتي عايزاني أكون جنبك كـ شبح ليكي؟ أنا مش هبقى الظل. أنا عايزة النور، عايزة الكاميرات، عايزة العالم يشوف القوة الحقيقية. مش قوة المنطق العقيم بتاعتك."
مدت ريتال إيدها الأخرى، وفجأة، سحبت من خلف رؤي ماكينة كاتبة قديمة عملاقة.
الماكينة الكاتبة ضربت على الأرض بقوة. وبدأت ريتال تكتب عليها بسرعة هائلة.
كانت بتكتب "سيناريو" اللقاء.
كل ضغطة على زرار كانت بتسبب تغيير في الواقع.
تك! - لون شعر رؤي تحول للأبيض مؤقتاً.
تك! - الأرضية الجيلاتينية تحولت لـ مربعات شطرنج عملاقة باللون الوردي والأخضر.
تك! - ظهرت سيارة إسعاف صغيرة في الزاوية، بتطلع منها موسيقى سيرك مزعجة.
رؤي، وهي بتشوف الواقع بيتم إعادة كتابته لحظياً، عرفت إن المواجهة دي مش هتكون زي أي مواجهة تانية.
لازم تخترق "المنطق الكرتوني" بتاع ريتال عشان توصل للحقيقة اللي وراه.
"الكيان كان بيستخدمك! كان خايف من إنك تعرفي إنك حرة!" صرخت رؤي.
الماكينة الكاتبة توقفت.
ريتال رفعت عينيها. النكتة، العبثية، اللي كانت في عينيها اختفت لثانية واحدة. ظهرت خلفها وحدة، ألم، انكسار.
"إنتي فاكرة إني مش عارفة؟" سألت ريتال، بصوتها رجع طفولي، محطم.
"هما ماخافوش مني عشان أنا قوية. هما خافوا مني عشان أنا فاهمة. فهمت إن قوانين الكون دي كلها مجرد اتفاق ضعيف. وأن الإنسانية كلها ماشية على وتر مشدود اسمه الوهم بالثبات."
ريتال ألقت المطرقة العملاقة في الهواء. المطرقة تحولت لـ سحابة دخان وردية، ولما الدخان انقشع، كانت ريتال ماسكة بيانو صغير بتلعب عليه لحن حزين.
"أنا عايزة أعيش اللامعقول عشان أنسى إني عادية يا رؤي. أنسى إني مجرد توأم تم التخلص منه."
اللحن زاد حزناً. وفجأة، البيانو انفجر. مش بانفجار عنيف، لكن بانفجار رسومات لقلوب مكسورة وأزهار ذابلة.
ريتال دلوقتي كانت واقفة قدام رؤي، على بعد خطوة واحدة. كانت حافة الوجود بين الأختين بتترنح.
"إنتي قاعدة بتحاربي الشر بالقواعد، وأنا بحارب القواعد بالشر. تعالي نتحد. تعالي نلغي القواعد كلها. نبني عالم جديد مافيهوش حاجة اسمها 'ضروري' و'مستحيل'."
مدت ريتال إيدها لرؤي. إيدها كانت محاطة بهالة من اللون الأخضر النيون.
رؤي كانت حاسة بالتيار الفوضوي اللي جاي من ريتال بيشدها. رؤي، اللي كانت دايماً بتمثل النظام، قدام أعظم تجسيد للفوضى.
رؤي بصت في عيني ريتال. كانت عارفة إن دي مش مجرد أختها. دي كانت إمكانية رؤي المفقودة.
"لو إحنا اتحدنا، العالم ده هينتهي، يا ريتال." قالت رؤي.
"ليه؟" سألت ريتال بصدق طفولي. "ليه ما نخليهوش يبدأ؟"
المكان كله بدأ يترنح. الأعمدة الخرسانية تحولت لـ أعواد حلوى. رؤي عرفت إن ريتال بدأت تفقد السيطرة على حزنها، والحزن ده كان بيتحول لـ قوة دمار غريبة.
ريتال ابتسمت ابتسامة أخيرة قبل ما تتحول عينيها للون الأصفر الكرتوني.
"لعبة الوقت انتهت يا رورو. أنا دلوقتي عايزة ألعب لعبة الواقع."
ريتال سحبت من الهواء بندقية عملاقة لزجة، لونها موف، بتصدر صوت "تيكي-تاكا" سريع. بندقية لا تطلق رصاصاً، بل تطلق حذف.
"هيا بنا نبدأ يا أختي العزيزة، في بناء عصر اللامعقول."
الضوء الأصفر الكرتوني اللي خرج من فوهة البندقية ماكانش يستهدف رؤي، كان بيستهدف نقطة الأصل في الزمان والمكان.
المواجهة بين التوأم الغيطاني، النظام والفوضى، كانت لسه بتبدأ، وكانت بدايتها هي نهاية كل شيء منطقي