حين كانت الدنيا اصغره من قلبي
3 دقائق قراءة · 469 كلمة
في داخل كل واحدةٍ منا طفلة صغيرة،
تختبئ خلف ابتسامةٍ متعبة،
وتسأل في صمت:
"متى أعود كما كنت؟"
كبرنا فجأة…
كبرنا حين فهمنا أن العالم ليس كما تخيلناه،
حين عرفنا معنى الفقد،
حين اشتقنا لأيامٍ لم نكن ندرك جمالها.
هذه الروايه ليس حكاية حزينة،
بل هي رسالة إلى تلك الطفلة التي تسكننا،
رسالة تقول لها:
لم أنسكِ…
أنا فقط أحاول أن أجدكِ من جديد.
كنتُ أظن أن العالم ينتهي عند باب بيتنا،
وأن أمي تعرف كل شيء،
وأن البكاء ينتهي بقطعة حلوى أو قبلة على الجبين.
لم أكن أعرف أن الأيام تركض بهذه السرعة،
وأن الطفولة لا تنتظر أحدًا.
يا أمي…
متى كبرتُ؟
ومتى صارت الضحكة مسؤولية؟
ومتى صار قلبي يحمل ما لا تراه العيون؟
أريد أن أعود…
لا لأهرب من الحياة،
بل لأتذكر كيف كنتُ أبتسم دون سبب،
كيف كنتُ أنام دون خوف،
كيف كان حضنكِ يكفيني عن العالم كله.
حين تعلّمتُ أن أخفي بكائي
كبرتُ قليلًا…
ليس في العمر،
بل في الصمت.
تعلمتُ أن أبتسم حين يُسألني أحدهم:
"هل أنتِ بخير؟"
وأقول: نعم، وأنا أجمع شتات قلبي في داخلي.
يا أمي…
متى صار البكاء ضعفًا؟
كنتِ تقولين لي:
"ابكي إن أردتِ، فدموعكِ ليست عيبًا."
لكن العالم لم يكن يشبهكِ.
العالم كان يطلب مني أن أكون قوية،
حتى حين كنتُ أحتاج فقط أن أكون طفلة.
إلى التي رحلت دون أن أراها
صديقتي…
يا وجهًا لم تلمسه عيناي،
لكن روحي تعرفه جيدًا.
كنتِ وعدًا بلقاءٍ قريب،
وكانت الأيام تؤجلنا،
حتى خطفكِ الغياب.
لم أبكِكِ لأنني عرفتكِ طويلًا،
بل بكيتُ الفكرة…
بكيتُ الحديث الذي لم يحدث،
والضحكة التي لم نقتسمها.
تعلمين؟
أحيانًا أشعر أنكِ تسمعينني،
حين أحدثكِ في سري،
وأخبركِ كم تمنيتُ أن أراكِ… ولو مرة.
الليل الذي يكشف الحقيقة
في الليل،
حين يهدأ كل شيء،
تخرج الطفلة التي بداخلي.
تجلس بجانبي،
وتسألني:
"لماذا تركتِني وحدي؟"
أخبرها أنني لم أتركها،
أنا فقط كنتُ أحاول النجاة.
كنتُ أتعلم كيف أعيش في عالمٍ لا يشبه القصص التي حلمنا بها.
لكنها لا تفهم الأعذار،
هي تريد حضن أمي،
وترفض كل التبريرات.
أمي… حين أعود إليكِ
كلما تعبتُ،
أعود إليكِ.
حتى إن لم أتكلم،
حتى إن لم أبكِ أمامكِ،
يكفيني أنكِ موجودة.
حضنكِ لا يعيدني طفلة في العمر،
لكنه يعيدني طفلة في الأمان.
أحيانًا أراقب يديكِ،
وأفكر كم تعبتا لأجلي،
وكم نسيتُ أن أقول:
شكرًا يا أمي… لأنكِ كنتِ دائمًا هنا.
حين تصالحَت الطفلة معي
في أحد الأيام،
لم تأتِ الطفلة لتعاتبني.
جلست بجانبي،
وابتسمت.
قالت لي:
"لا أريد أن أعود كما كنتُ…
أريد فقط ألا تنسيني."
فهمتُ أخيرًا…
أن العودة ليست إلى الوراء،
بل إلى الداخل.
أن أحملها معي،
لا أن أبحث عنها في الماضي.
لم أعد أبحث عن الطفولة… بل أحميها
يا أمي…
لن أعود طفلة كما كنتُ،
لكنني سأبقى طفلتكِ.
تعلمتُ أن الكبر ليس قسوة،
إنما رحلة.
وأن الفقد لا يمحو الحب،
بل يخلده في القلب.
إلى كل فتاةٍ كبرت فجأة،
إلى كل قلبٍ يسأل في صمت:
"متى أعود؟"
الجواب ليس في الزمن…
الجواب في أن نحتضن أنفسنا،
كما تفعل امهاتنا