الذين يعودون من الذاكرة
3 دقائق قراءة · 447 كلمة
لم أكن أعرف أنّ بعض الحكايات لا تنتهي حين نغادرها، بل تظلّ نائمة في زاوية بعيدة من الذاكرة، تنتظر لحظةً مناسبة لتستيقظ، وتعيد إلينا أشخاصًا ظننا أنّ الزمن محا أثرهم من حياتنا.
كان ايلان ، في البداية، مجرّد اسم أعرفه، ووجهًا مألوفًا من أيام الثانوية. لم يكن بيننا ما يستحقّ أن يُروى، ولا ما يوحي بأنّ هذا التعارف العابر سيترك يومًا ندبةً بهذا العمق في روحي. كنّا صديقين عاديين، نتبادل الأحاديث على فيسبوك كما يفعل كثيرون، بلا وعود، بلا اعترافات، وبلا تلك الرهبة التي تصاحب البدايات التي نعرف أنّها ستغيّرنا.
كان أكبر مني بعام، وقد سبقني إلى مرحلةٍ جديدة من حياته حين نال شهادة البكالوريا، بينما كنت لا أزال أعيش أيامي بين الدراسة وأحلامٍ لم تكن قد اتّخذت شكلها النهائي بعد.
ثم مضت الحياة بنا في طريقين مختلفين. كبرنا، وتغيّرت اهتماماتنا، وانشغل كلّ واحد منّا بعالمه. وفي وقتٍ ما، انقطع ذلك الخيط الرفيع الذي كان يصلني به، فحذفته من قائمة أصدقائي، ومضيت في حياتي دون أن ألتفت خلفي.
لم أكن غاضبة منه، ولم أكن أهرب من ذكرى تؤلمني. ببساطة، كان شخصًا من الماضي، والماضي في نظري لم يكن مكانًا يستحقّ العودة إليه ما دامت الحياة تفتح أمامنا أبوابًا أخرى.
مرّت السنوات.
ستّ سنوات تقريبًا، لم تجمعنا فيها محادثة، ولم أكن أعرف ما الذي تغيّر في حياته، كما لم يكن يعرف ما الذي فعلته الأيام بي. صار كلّ واحد منّا غريبًا عن تفاصيل الآخر، ولم يبقَ من معرفتنا القديمة سوى أثرٍ باهت، أشبه بصورةٍ قديمة لا نتذكّر أين احتفظنا بها.
كنت أظنّ أنّ بعض الأشخاص يمرّون في حياتنا ليبقوا مجرّد عابرين، وأنّ المسافة حين تطول بما يكفي، تجعل العودة مستحيلة أو على الأقل بلا معنى.
لكنّ الحياة لا تستأذننا حين تقرّر إعادة ترتيب الحكايات.
في عام 2020، وبعد تلك الفترة التي غيّرت إيقاع العالم وتركت الناس أسرى بيوتهم ومخاوفهم، وجدتني أتواصل معه من جديد.
لم أكن أبحث عن حبّ، ولم أكن أفتّش عن رجلٍ يملأ فراغًا في حياتي. كان الأمر أبسط من ذلك بكثير؛ معرفة قديمة عادت إليها الكلمات بعد صمتٍ طويل، وصداقة استأنفت حديثها كأنّ السنوات الستّ لم تكن سوى انقطاعٍ عابر.
بدأنا نتحدّث من جديد.
أحاديث عادية، وأسئلة عن الأحوال، وأخبار عن السنوات التي مضت. لم أكن أراقب كلماته بحثًا عن معنى خفيّ، ولم يخطر ببالي أنّ وراء تلك المحادثات شيئًا يتجاوز حدود الصداقة.
كنت أظنّ أنّني أعرف أين أقف، وأنّ قلبي، الذي لم يمنحه أيّ وعد، لن يكون معنيًّا بما قد يحدث.
لم أكن أعرف أنّ أخطر البدايات ليست تلك التي تأتي محمّلة بالوعود، بل تلك التي تدخل حياتنا هادئة، مطمئنة، بلا ضجيج؛ حتى نمنحها مكانًا في أرواحنا قبل أن ندرك أنّنا فعلنا.
ولم أكن أعرف أنّ محادثةً عادية، في ليلةٍ لا تختلف عن سواها، ستصبح الحدّ الفاصل بين حياتين: حياةٍ كنت فيها أجهل معنى أن أخاف خسارة شخص، وحياةٍ سأكتشف فيها أنّ الإنسان قد يخسر نفسه وهو يحاول ألّا يخسر من يحبّ.
تلك الليلة لم تكن نهاية شيء.
كانت البداية فقط.