ليلة تغير فيها كل شيء
4 دقائق قراءة · 652 كلمة
لم تكن عودته إلى حياتي حدثًا استثنائيًا في البداية. لم ترتجف السماء، ولم يتوقّف الزمن، ولم أشعر بأنّ القدر ينسج لي حكايةً جديدة. كان مجرّد شخصٍ قديم عاد إلى قائمة محادثاتي، يحمل اسمًا أعرفه وملامح ذاكرة لم أعد ألتفت إليها.
لكنّ بعض التحوّلات لا تأتي على هيئة عواصف؛ تتسلّل إلينا بهدوء، تتخفّى في تفاصيل صغيرة، ثم لا تلبث أن تستولي على المساحة التي كنّا نظنّها محصّنة.
عاد الحديث بيننا عاديًا، كما لو أنّ السنوات الستّ لم تترك خلفها سوى بعض الأخبار المتأخّرة. كنّا نتبادل الكلام عن الحياة، عن الأيام التي مرّت، وعن الأشياء التي تغيّرت في غياب كلّ واحدٍ منّا عن الآخر. لم أكن أبحث بين كلماته عن اعتراف، ولم أكن أحمّل حديثنا أكثر ممّا يحتمل. كنت أراه صديقًا قديمًا، لا أكثر، ولم يكن في قلبي ما يدعوني إلى الحذر منه.
ومع مرور الوقت، بدأت المسافة تتقلّص.
لم تعد الأحاديث مجرّد سؤالٍ عن الحال وجوابٍ مقتضب، ولم تعد المحادثات تنتهي بالسرعة التي بدأت بها. صار للكلام امتداد، وللغياب سؤال، وللعودة ألف تفصيل صغير. شيئًا فشيئًا، وجدتني أعتاد وجوده، أترقّب حديثنا من غير أن أعترف لنفسي بأنّني صرت أنتظره، وأجد في بعض كلماته دفئًا لم أكن أعرف أنّني أحتاج إليه.
كان الأمر يحدث من دون إعلان.
لم يقل قلبي في البداية إنّه أحبّ، بل اكتفى بأن يطمئنّ إلى وجوده. ولم أعترف بأنّني تعلّقت، بل أقنعت نفسي بأنّها مجرّد ألفة قديمة استيقظت بعد طول غياب. كنت أملك دائمًا تفسيرًا بسيطًا لكلّ شعورٍ جديد، كأنّني أخشى أن أسمّي الأشياء بأسمائها، فأمنحها بذلك سلطةً لا أستطيع استردادها.
إلى أن جاءت تلك الليلة.
ليلة لم أكن أعرف، وأنا أبدأ حديثي معه، أنّها ستبقى عالقةً في ذاكرتي كلّما عدت أفكّر في البداية. لم يكن هناك موعد استثنائي، ولا مناسبة تستحقّ أن تُحفظ، ولا شيء يوحي بأنّ حديثًا عابرًا سيقودنا إلى منطقةٍ لم نكن قد اقتربنا منها من قبل.
لكنّ الكلام، في تلك الليلة، اتّخذ وجهًا آخر.
تجاوزنا حدود الصداقة التي احتمينا بها طويلًا، وانفتح بيننا حديثٌ أكثر صدقًا، أكثر جرأة، وأشدّ قربًا من القلب. لم تعد الكلمات تدور حول أخبار الحياة وحدها، بل صارت تلامس ما نخفيه، وما نتردّد في قوله، وما كنّا نظنّ أنّه سيظلّ حبيس الصمت.
ثم ظهر الاعتراف الذي غيّر معنى كلّ ما سبقه.
لم يعد الأمر مجرّد صداقة استأنفت طريقها بعد انقطاع؛ كان هناك شعورٌ متبادل، وميلٌ لم يعد ممكنًا إنكاره، وبابٌ انفتح بيننا بعدما ظلّ موصدًا طوال سنوات.
لا أتذكّر تلك اللحظة باعتبارها بداية حبٍّ فحسب، بل باعتبارها اللحظة التي تغيّرت فيها نظرتي إليه. ذلك الاسم الذي كان مألوفًا وعاديًا، صار فجأةً يحمل معنى آخر. وذلك الشخص الذي لم أكن أخشى غيابه، بدأت أكتشف أنّ حضوره قادرٌ على أن يصنع فرقًا في يومي.
وهنا بدأ الخطر الحقيقي، وإن لم أكن أراه.
فأنا لم أدخل تلك العلاقة وأنا أحمل نيّة الخذلان، ولم أقترب منه وأنا أهيّئ قلبي لاحتمال النهاية. دخلتها بصدق من يظنّ أنّ المشاعر الصادقة تكفي لتمنح العلاقة فرصةً عادلة، وأنّ الإنسان حين يجد من يبادله الحبّ، لا يحتاج إلى أن يحصّن نفسه ضدّ الاحتمالات السيّئة.
صدّقت الشعور لأنّني شعرت به، وآمنت بالبداية لأنّها بدت لي حقيقية.
لم أكن أبحث عن حكايةٍ مثالية، ولا عن رجلٍ لا يخطئ، بل عن حبٍّ لا يجعلني أندم يومًا على أنّني منحته قلبي. لم أكن أعرف أنّ أصعب ما قد يحدث للإنسان ليس أن يحبّ الشخص الخطأ منذ البداية، بل أن يحبّ شخصًا يمنحه من الأمان ما يكفي ليطمئنّ، ثم يتركه لاحقًا يتساءل إن كان ذلك الأمان حقيقيًا أصلًا.
في تلك الليلة، لم أكن أعرف شيئًا عن النهاية.
لم أكن أعرف أنّ الكلمات التي بدت صادقةً إلى هذا الحدّ ستصبح يومًا ذكرى أعود إليها بحثًا عن إجابة. ولم أكن أعرف أنّ الإنسان قد يتمسّك بوعودٍ قديمة، حتى بعدما تتغيّر الأفعال التي كان يفترض أن تحميها.
كلّ ما عرفته حينها أنّ شيئًا جديدًا بدأ بيننا، وأنّ قلبي، الذي لم يكن ينتظر منه شيئًا، صار يمنحه مكانًا لم أمنحه لكثيرين.
لم أكن أعرف أنّني، وأنا أفتح له بابًا في حياتي، كنت أفتح معه بابًا آخر على نفسي؛ على قدرتي الهائلة على الحبّ، وعلى ضعفي أمام من أحبّ، وعلى تلك المرأة التي سأصبحها يومًا، حين تضطرّ إلى الاختيار بين قلبها وكرامتها.
أمّا في تلك الليلة، فقد كنت لا أزال في البداية.
بدايةً لم أطلب منها ضمانًا، ولم أتصوّر أنّها ستكلّفني كلّ هذا اليقين.