الفصل الخامس
3 دقائق قراءة · 590 كلمة
دخل أحمد المدرسة. كان المبنى كبيراً، الطلاب يملؤون الساحة، الضحكات تعلو.
في مكتب المدير، جلس أمامه رجل خمسيني بملامح صارمة.
"السيد أحمد… سيرتك الذاتية جيدة. لكن هناك ملاحظة: صوتك".
حاول أحمد أن يجيب، لكن الكلمات خرجت مقطعة:
"أ… أنا… أ… أ…"
قاطعه المدير: "لا بأس… أنا أرى فيك شيئاً. لكن انتبه… الفصل الذي ستدخله هو الفصل الخامس. أسوأ فصل في المدرسة. 14 طالباً… كلهم متأخرون دراسياً. طردوا 5 معلمين قبلك".
ثم أضاف بهدوء: "هل تقبل التحدي؟"
نظر أحمد إلى صورة على الحائط — صورة والده الشاب وهو يحمل شهادة تقدير. تنفس بعمق، وقال بصوت مرتجف لكن واضح:
"ن… ن… نعم".
---
فتح أحمد باب الفصل. كانت الفوضى تعم المكان. طالب يكتب على السبورة، آخر يرمي كرة ورقية، فتاة تضع سماعاتها.
عندما رأوه، ضحكوا.
"هو ده المعلم الجديد؟ شكله مش قادر يتكلم أصلاً!"
صعد أحمد إلى المنصة. حاول أن يتكلم، لكن الكلمات خرجت متقطعة:
"أ… أ… أنا… ا… اسمي… أ… أحمد".
ضحك الفصل بصوت أعلى.
في تلك اللحظة، تذكر الأستاذ سامي. تذكر كلمات أمه. ثم نظر إلى الطلاب… ورأى نفسه في عيونهم.
جلس على الكرسي، أخرج كراسة من حقيبته، وكتب بخط كبير على السبورة:
"أنا لا أتكلم كثيراً… لكني أسمعكم جيداً.
أنا لا أرى فيكم متأخرين…
أرى جواهر مغطاة بالوحل".
ساد الصمت.
نظرت الفتاة التي كانت تضع السماعات. نظر الحسّاب الذي كان يعمل في السوق. نظرت فتاة الخادمة.
ولأول مرة… شعر أحدهم أنه مرئي.
---
في اليوم التالي، دخل أحمد الفصل فوجد مقلباً: دلو ماء فوق الباب. سقط عليه. ضحك الطلاب.
لكنه لم يغضب. مسح وجهه، وابتسم، وقال بصوته المقطع:
"ش… ش… شكراً… أ… أنا… كنت… محتاج… أ… أغتسل".
توقف الضحك. نظر الطلاب إلى بعضهم. لم يتوقعوا هذا الرد.
جلس أحمد مع كل طالب على حدة. اكتشف أن:
محمود — يجلس في الخلف — يعمل مع والده في السوق ليلاً. لكنه يحسب بسرعة مذهلة بدون آلة حاسبة.
سارة — الفتاة التي تضع السماعات — أمها تعمل في سوق الخضار، وتساعدها أحياناً فتفوت الحصص. لكنها تفكر بطريقة مختلفة، ترى ما لا يراه الآخرون.
منى — فتاة هادئة — أمها تعمل في بيوت الناس. تخاف أن تصبح مثلها. لكنها ذكية اجتماعياً، تعرف كيف تقنع الناس.
كريم — الغاضب دائماً — والده غائب. لكنه قوي، يحمي أصحابه.
هالة — تحب الكيمياء — تصنع تجارب في المنزل. لكنها عبقرية، أفكارها تذهل أحمد.
يوسف — الحالم — يكتب قصصاً في دفتره الصغير. خياله واسع.
كان أحمد يجلس مع كل واحد منهم، يسمع قصته، ويكتب ملاحظاته في كراسته القديمة.
في إحدى الليالي، بينما كان يعود إلى المنزل، تذكر والده. تذكر كلماته: "أنت فاشل".
ثم نظر إلى أوراق الطلاب. ابتسم. وقال بصوت مرتجف لكن واضح:
"ل… ل… لا… أنا… لست… فاشلاً".
في الأسبوع الثالث، بدأ أحمد يطبّق طريقته:
· محمود: أعطاه مسائل رياضيات صعبة. حلها كلها في دقائق.
· هالة: سمح لها باستخدام معمل المدرسة. صنعت تجربة بسيطة لكنها مذهلة.
· منى: طلب منها أن تنظم حملة لجمع الكتب القديمة للفصل.
· يوسف: طلب منه أن يكتب قصة عن الفصل. كتب أجمل قصة قرأها أحمد.
لكن نائب المدير — الأستاذ فؤاد — كان يراقب.
كان رجلاً خمسينياً، بديناً، صوته عالٍ، وملامحه متغطرسة. كان يكره الفصل الخامس.
في إحدى المرات، دخل الفصل أثناء حصة أحمد، ونظر إلى الطلاب بازدراء:
"هؤلاء… طلاب مهمشون. لا يستحقون أن يكونوا في مدرستنا. لقد قررت إغلاق هذا الفصل قريباً وتحويله إلى مخزن".
نظر أحمد إليه. ثم قام من مكانه. كان قلبه يخفق بشدة. لكنه قال بصوت مقطع لكن حاد:
"أ… أ… أنا… أتحداك".
نظر إليه فؤاد باستغراب: "ماذا؟"
"إ… إذا… ن… نجح… هؤلاء… الط… الطلاب… ت… تتراجع… ع… عن… إغلاق… الفصل؟"
ضحك فؤاد بسخرية: "حسناً… لكن بشرط: إذا نجحوا بنسبة 75%… سأتركهم. وإلا… سيُغلق الفصل نهائياً".
مدّ يده. صافحه أحمد. كان التحدي قد بدأ.