الأستاذ و الفصل الخامسبقلم Ahmed Mido فصل 1

"الصوت الذي لم يُسمع"

4 دقائق قراءة · 632 كلمة

في إحدى ليالي الشتاء الباردة، وُلد أحمد في مستشفى حكومي مزدحم. كانت صرخته الأولى أضعف من أن تسمعها القابلة، فنظرت إليه بقلق وقالت للأم: "لا تقلقي، بعض الأطفال يولدون هادئين".

لكن الأم عرفت لاحقاً أن الأمر ليس مجرد هدوء.

في الثالثة من عمره، كان أحمد يحاول أن يقول "ماما" فتخرج الكلمة مقطعة: "ما… ما… ما". الأب، الذي كان معلماً في مدرسة إعدادية، لاحظ الأمر مبكراً. قال لنفسه: "ابني سيكون مثلي… سأجعله أفضل مني".

لكن الجد، الذي كان يعيش معهم في الطابق الأرضي، كان يجلس صامتاً على كرسيه الهزاز. كان جده أيضاً ضعيف الصوت. الوراثة كانت تنتقل في الدم كالنهر الخفي.

كان الأب يخاف. يخاف من أن ابنه سيعيش نفس المعاناة التي عاشها هو. يخاف من نظرات الناس. يخاف من أن يقولوا: "ابن المعلم فاشل".

في الصف الأول، وقف أحمد ليقرأ درساً. كانت يده ترتجف على الكتاب. قال بصوت خافت مقطع:

"ال… ال… ولد… ي… ي… لعب…"

ضحك الفصل كله.

ناداه المعلم: "اجلس مكانك… أنت لا تصلح للقراءة".

جلس أحمد ودمعته تكاد تسقط. لكن في الصف الثالث، جاء الأستاذ سامي — معلم اللغة العربية — رجلاً نحيلاً بنظارة سميكة وصوت هادئ.

قال له في أول يوم: "أحمد… أنا سمعت صوتك. إنه ضعيف، لكنه صادق. وأنا أحب الصدق".

أعطاه كراسة صغيرة وقال: "اكتب فيها ما لا تستطيع قوله".

منذ ذلك اليوم، صار أحمد يكتب. كتب كل شيء: خوفه، غضبه، حبه لأمه، كرهه لسخرية زملائه.

في نهاية العام، قال له الأستاذ سامي: "ستكون معلماً يا أحمد. لأنك تعرف كيف يكون الألم… والمعلم الحقيقي هو من يعرف الألم".

في المنزل، كان أحمد يسمع صراخ والديه كل ليلة.

"ابنك فاشل مثلك!" — صوت أمه المبحوح.

"أنتِ من دلالته! لولا تدليلك لكان رجلاً الآن!" — صوت أبيه الغاضب.

كان أحمد يغطي أذنيه بوسادته… لكن الصوت كان يخترق كل شيء.

في إحدى الليالي، دخل غرفته بعد مشاجرة عنيفة. كان الأب يصرخ: "لو كان ابني طبيعياً لما كنت أنا مديراً فاشلاً!"

نظر أحمد إلى المرآة. حاول أن يصرخ. خرج صوته مقطعاً، مرتجفاً، مخنوقاً:

"أ… أ… أنا… لست… فا… فاشل".

لكنه لم يسمع نفسه.

في الصباح، كانت أمه تمسح دموعه وتقول:

"أحمد… أنت ذكي. أنا أعرف. ذات يوم سيسمع العالم صوتك… حتى لو كان ضعيفاً".

كانت تصطحبه إلى المكتبة، تشتري له كتباً، تعلّمه بنفسها. كانت هي المدرسة الأولى.

في يوم من الأيام، بينما كان أحمد في السادسة عشرة، قال له والده أمام أهله:

"لن تدخل كلية تربية. أنا لن أدفع لابن فاشل".

لكن أمه وقفت وقالت بثبات لم يعرفه أحد فيها:

"هو سيدخل… حتى لو اضطررت أن أعمل خادمة".

تخرج أحمد من الثانوية بدرجات جيدة جداً. قدم في كلية التربية، ودخل بالفعل.

في الجامعة، كان يجلس في الخلف، لا يشارك، لا يتكلم. لكنه كان يسمع — يسمع كل ما يقوله الأساتذة، ويكتب كل شيء.

تخرج بتقدير جيد جداً… لكنه لم يكن يعرف أن المشكلة الحقيقية لم تبدأ بعد.

قدم في 12 مدرسة. في كل مقابلة:

· "صوتك ضعيف… كيف ستسيطر على فصل؟"

· "الطلاب سيسخرون منك"

· "نحن نبحث عن معلم قوي الشخصية"

· "شكراً… سنتصل بك" (لكنهم لم يتصلوا أبداً)

وفي كل مرة، كان يعود إلى غرفته، يجلس أمام المرآة، ويقول:

"أ… أنا… أستطيع… أ… أنا… أستطيع".

لكن صوته كان يخونه.

في ليلة مطر، كانت أمه تجلس أمام الكمبيوتر القديم في غرفتها. فتحت موقع مدرسة تبحث عن معلم لغة عربية للفصل الخامس.

قرأت الأم الإعلان بصوت مرتجف. نظرت إلى صورة ابنها الصغيرة على المكتب. ثم فتحت ملف السيرة الذاتية، وأضافت:

"أحمد… معلم شغوف، يرى في كل طالب موهبة. صوته هادئ… لكن قلبه يسمع الجميع".

ضغطت على زر "إرسال".

ثم نظرت إلى السماء وقالت: "يا رب… اجعله سعيداً".

بعد ثلاثة أيام… رنّ الهاتف.

"مرحباً، نريد أن نحدد موعد مقابلة مع السيد أحمد".

وقفت الأم في وسط الصالة، ودمعتها تنزل: "قلت لك… العالم سيسمعك".

في غرفة نومه، جلس أحمد يكتب في كراسته القديمة:

"غداً… سأقابل مدير المدرسة.

صوتي ضعيف… لكني سأدخل.

لأني أريد أن أكون مثل الأستاذ سامي.

أريد أن أسمع من لم يُسمع.

أريد أن أُعلّم الفاشلين… لأنني كنت واحداً منهم".