أنا… خارج النصبقلم صدى القارئ فصل 2

الكتاب

3 دقائق قراءة · 410 كلمة

في الداخل، لم يكن الصمت كما هو في الخارج، لم يكن مجرد غياب للأصوات، بل كان وجودًا ثقيلًا يملأ المكان بطريقة غير مرئية، وكأن الجدران نفسها تحتفظ بما حدث هنا عبر الزمن بدل أن تنساه، مما يجعل الهواء مشحونًا بشيء غير قابل للتفسير بسهولة.

كانت الجدران متشققة، والزوايا ممتلئة بشبكات عنكبوت متراكمة فوق بعضها، كأن هذا المكان لم يُمس منذ زمن لا يمكن قياسه أو ربطه بأي ذاكرة معروفة، بينما الأرضية الخشبية كانت تصدر أصواتًا خافتة مع كل خطوة، ليس كصوت خشب قديم فقط، بل كأنها تتذكر من مرّ فوقها من قبل.

الضوء القادم من النوافذ المكسورة لم يكن كافيًا ليكشف كل شيء، بل كان يترك أجزاء من الغرفة غارقة في عتمة غير مكتملة، وكأن المكان يختار ما يسمح برؤيته وما يرفض ظهوره، دون أي سبب واضح.

في منتصف الغرفة كان هناك كرسي قديم أمام طاولة صغيرة، وعلى الطاولة شمعة ذائبة انتهت تقريبًا، وبجانبها كتاب.

اقتربت منه ببطء.

لم يكن يشبه أي شيء حوله.

كان مختلفًا بطريقة لا تعتمد على شكله فقط، بل على الإحساس الذي يسبقه، كأنه لا ينتمي إلى هذا المكان أصلًا، رغم أنه موضوع فيه منذ وقت لا يُعرف متى بدأ.

غلافه كان داكنًا، ومغطى بطبقة كثيفة من الغبار، لكن ملامحه بقيت واضحة بشكل غير مريح، وكأن الزمن لم يتمكن من تغييره كما غيّر كل شيء حوله، وعلى سطحه نقوش محفورة لا تشبه أي كتابة أعرفها، ولا أي نمط مألوف، بل أقرب إلى رموز تنتمي إلى فكرة غير مكتملة.

وقفت أمامه لحظة دون حركة.

ثم جلست على الكرسي أمام الطاولة، وكأن المكان نفسه أصبح يدفعني إلى أن أكون في هذا الموقع تحديدًا دون اختيار كامل مني.

الغرفة من حولي لم تتغير، لكنها أصبحت أقرب، ليس في المسافة، بل في الإحساس، وكأنها بدأت تنتبه لوجودي بطريقة مختلفة عن قبل.

مددت يدي ببطء نحو الكتاب، ونفخت الغبار عن غلافه، فحدث تغيير بسيط في الهواء، لا يمكن وصفه كحدث واضح، لكنه كان كافيًا ليشعرني بأن شيئًا ما في هذا المكان استجاب لحركتي.

أمسكته بين يدي.

كان أثقل مما يبدو عليه، ليس في الوزن فقط، بل في الإحساس.

فتحت الغلاف.

كانت الصفحة الأولى مليئة بحروف غير مفهومة، ليست فوضوية ولا عشوائية، بل منظمة بطريقة لا تنتمي لأي لغة أعرفها، كأن العقل يحاول فهمها قبل أن يجد طريقة لترجمتها، أو كأن المعنى موجود لكن لا يمر عبر اللغة مباشرة.

سكتُّ لحظة طويلة.

ثم بدأت القراءة.

وفي تلك اللحظة تحديدًا، فهمت دون أن أفهم كيف، أن هذا ليس كتابًا يُقرأ بالطريقة المعتادة، وأن ما أمامي ليس نصًا عاديًا، بل شيء آخر يتجاوز فكرة القراءة نفسها.

قلبت الصفحة الأولى بهدوء.

وهكذا بدأت الورقة الأولى.