أنا… خارج النصبقلم صدى القارئ فصل 1

الكوخ

3 دقائق قراءة · 529 كلمة

في طرف القرية، حيث تنتهي البيوت ويبدأ الصمت، كان هناك بناء قديم يقف وحيدًا منذ زمنٍ لا يذكره أحد، لا يقترب منه الناس بسهولة، ليس لأنه يفرض ذلك أو يمنع أحدًا، بل لأن مجرد فكرة الاقتراب منه كانت كافية لتوليد شعور غير مريح يستقر في صدورهم دون تفسير واضح، كأن المكان يسبق خطواتهم بشيء غير مرئي يجعل التراجع هو الخيار الأسهل دائمًا.

في النهار، كان يبدو مجرد بيت مهجور تُرك للزمن دون مقاومة، جدرانه صامتة ونوافذه باهتة، أما في الليل فلم يكن شكله يتغير بقدر ما كان يتغير الإحساس به، كأن المسافة بينه وبين ما حوله تبدأ بالاتساع تدريجيًا دون سبب، وكأن المكان نفسه ينسحب من القرية بدل أن يكون جزءًا منها.

الظلال المحيطة به، بين الأشجار القريبة، كانت تبدو أثقل مما ينبغي، والنوافذ المكسورة لم تعد تعكس شيئًا سوى فراغ غير مفهوم، أما الريح حين تمر، فلم تكن تصدر صوتًا واضحًا، بل شيئًا أقرب إلى همس غير مكتمل، كأنها لا تمر عبر المكان بل تتردد فيه فقط.

أهل القرية لم يتفقوا يومًا على قصة واحدة عنه، لكنهم اتفقوا على شيء واحد فقط، وهو أن الأفضل عدم الاقتراب منه أو التفكير فيه أكثر من اللازم، فكانوا يذكرونه أحيانًا بصوت منخفض، ثم يغيرون الحديث بسرعة وكأن مجرد الإطالة في ذكره تترك أثرًا غير مرغوب فيه في الجو المحيط.

لم يكن هناك خوف واضح يمكن تسميته، بل شعور عام غير مفسر، يدفعهم لتركه كما هو دون سؤال أو محاولة فهم، وكأنه جزء من القرية تم الاتفاق على تجاهله بصمت غير معلن.

أما أنا، فكان الأمر مختلفًا.

لم أكن أملك سببًا واضحًا للاهتمام به، لكن شيئًا داخلي كان يجبرني على النظر إليه كلما مررت من هناك، ليس بدافع الفضول فقط، بل كأن هناك جزءًا صغيرًا في داخلي لا يكتفي بالمرور دون أن يتوقف لحظة.

لم أقترب يومًا، كنت أكتفي بالنظر من بعيد ثم أتابع طريقي وكأن شيئًا لم يحدث، لكن الحقيقة أن الفكرة نفسها لم تكن تتركني، وكأنها تبقى في مكان ما خلف التفكير حتى تعود في اللحظة المناسبة.

وفي أحد الأيام، حين بدأ الضوء يضعف تدريجيًا والسماء تميل إلى الرمادي، شعرت أن التردد لم يعد له معنى، وأن الوقوف في نفس المكان لم يعد يحمل أي إجابة جديدة، فاقتربت.

كانت هناك بوابة حديدية قديمة مائلة قليلًا، مفتوحة بما يكفي للدخول، كأنها لم تُغلق منذ زمن طويل أو لم تعد تهتم بمن يدخل أو يخرج، دفعتها ببطء، فصدر صوت احتكاك خفيف كسر الصمت المحيط بالمكان لأول مرة، ثم دخلت.

الحديقة كانت مهملة بالكامل، أعشاب جافة متناثرة، أشجار ملتوية فقدت توازنها مع الوقت، وبقايا أشياء لم يعد من الممكن تحديد ما كانت عليه، والأرض مغطاة بطبقة من أوراق متعفنة، بينما الهواء كان يحمل رائحة رطوبة وخشب قديم مختلطين بشكل يثير الانتباه دون أن يكون مزعجًا بشكل مباشر.

كل خطوة كنت أخطوها كانت تُسمع بوضوح داخل ذلك الصمت الثقيل، وكأن المكان يراقب حركة الصوت أكثر مما يراقب الحركة نفسها، حتى وصلت إلى الباب الرئيسي.

كان بابًا خشبيًا قديمًا متآكلًا، لونه فقد ملامحه، ومقبضه بارد بشكل غير مريح رغم أن الجو لم يكن باردًا أصلًا، توقفت للحظة دون سبب واضح، ثم دفعت الباب.

فتح ببطء، مصدّرًا صوتًا طويلًا يشبه خروج شيء من ذاكرة لم تُستخدم منذ زمن، وفي تلك اللحظة، تغير الهواء بشكل واضح، لم يعد مجرد هواء عادي، بل أصبح أثقل وأقدم، وكأنه محبوس داخل هذا المكان منذ وقت لا يمكن تحديده.

ثم دخلت.