ما وراءالجدار السابع
14 دقيقة قراءة · 2,618 كلمة
الفصل الثاني: ما وراء الجدار السابع
لم تستطع ميرا التوقف عن التفكير في الرسالة التي وجدتها خلف اللوحة.
«إذا كنت تقرأ هذه الرسالة، فهذا يعني أن المنزل اختارك أنت أيضًا.»
كانت الكلمات تتردد في رأسها كلما أغمضت عينيها، وكأن شخصًا يهمس بها في أذنها. حاولت أن تبحث عن تفسير منطقي، لكنها لم تجد سوى أسئلة جديدة تفتح أبوابًا أكثر ظلامًا.
في صباح ذلك اليوم، قررت أن تبدأ بحثها بنفسها.
انتظرت حتى انشغل والدها خالد بإصلاح أحد المصابيح، ووالدتها بتول بترتيب المطبخ، ثم أخذت الورقة وصعدت إلى غرفتها.
أغلقت الباب، وجلست إلى مكتبها، ووضعت الرسالة أمامها.
كانت الورقة قديمة، لكن الحبر بدا واضحًا بصورة غريبة. قلبتها على وجهها الآخر، ومررت أصابعها على أطرافها، لعلها تجد اسمًا أو تاريخًا أو أي شيء يساعدها على فهم ما تقرأه.
وفجأة، لاحظت شيئًا لم تنتبه إليه من قبل.
في الزاوية السفلية من الورقة، كان هناك رقم صغير مكتوب بقلم رصاص.
٧.
حدقت ميرا في الرقم طويلًا.
«سبعة؟ ما معنى هذا؟»
فتحت درج مكتبها وأخرجت دفترًا صغيرًا، وكتبت فيه كل ما حدث منذ وصولهم إلى المنزل: العبارة الموجودة على اللوحة، صوت البكاء، الضوء الذي رأته في الحديقة، والرسالة الغريبة.
ثم أضافت تحتها:
«الرقم سبعة. ربما يكون رقم غرفة؟ أو شيئًا مخفيًا؟»
توقفت عن الكتابة، ثم رفعت رأسها نحو باب غرفتها.
كان هناك سبعة أبواب في الممر العلوي، إذا احتسبت الباب الصغير الموجود قرب نهاية السلم.
لم تكن قد انتبهت إليه من قبل، لأنه كان مغطى بستارة قديمة بلون بني داكن.
نهضت ميرا بسرعة، وفتحت باب غرفتها.
نظرت إلى الممر، ثم مشت حتى وصلت إلى الستارة. أزاحتها ببطء، فظهر باب خشبي ضيق، مطلي بلون الجدار نفسه.
لم يكن له مقبض عادي، بل حلقة حديدية صغيرة.
وضعت يدها عليها، وحاولت فتح الباب، لكنه لم يتحرك.
كان مقفلًا.
اقتربت ميرا من ثقب المفتاح، وحاولت النظر إلى الداخل، لكنها لم ترَ سوى الظلام.
ثم سمعت صوتًا خلفها.
«ماذا تفعلين هنا؟»
شهقت والتفتت.
كان محمد يقف في الممر، ممسكًا بقطعة خبز، وينظر إليها باستغراب.
قالت ميرا بسرعة:
«لا شيء. كنت أبحث عن شيء ضائع.»
اقترب محمد من الباب.
«ما هذا؟ لم أره من قبل.»
«ولا أنا.»
مد يده نحو الحلقة الحديدية، لكن ميرا أمسكت بذراعه.
«لا تلمسه.»
نظر إليها بدهشة.
«لماذا؟»
ترددت، ثم قالت:
«لأن الباب مقفل، وربما يكون خلفه مكان خطير.»
ضحك محمد.
«أنت فعلًا بدأت تصدقين قصة الأشباح!»
ابتعد عنها وهو يضحك، ثم نزل الدرج.
أما ميرا، فبقيت أمام الباب للحظات.
كان لديها شعور قوي بأن الرقم المكتوب على الرسالة مرتبط بهذا المكان.
لكنها لم تكن تملك مفتاحًا.
في المساء، جلست ميرا قرب والدتها في غرفة الجلوس، تتظاهر بمشاهدة التلفاز، بينما كانت تفكر في طريقة للدخول إلى الغرفة المغلقة.
وفجأة، تذكرت أن والدها احتفظ بصندوق الأدوات القديم داخل المخزن الموجود أسفل الدرج.
ربما تجد فيه شيئًا يساعدها على فتح الباب.
انتظرت حتى دخلت بتول إلى المطبخ، ثم تسللت إلى المخزن.
كان المكان ضيقًا، تفوح منه رائحة الغبار والرطوبة، وتنتشر على رفوفه علب قديمة وأدوات تنظيف وأغراض لم يعرف أحد أين يضعها.
بحثت ميرا بين الصناديق حتى عثرت على صندوق معدني صغير.
فتحته، فوجدت داخله مفكات ومسامير ومفاتيح مختلفة الأشكال.
كانت على وشك إغلاقه حين لاحظت مفتاحًا طويلًا، أسود اللون، يختلف عن بقية المفاتيح.
رفعته بين أصابعها.
كان قديمًا وثقيلًا، وعلى رأسه نقش صغير يشبه الرقم سبعة.
شعرت بقلبها يخفق بسرعة.
أخذت المفتاح، ثم أعادت إغلاق الصندوق وأسرعت إلى الطابق العلوي.
وقفت أمام الباب المغلق، وأدخلت المفتاح في القفل.
دار المفتاح بسهولة.
صدر صوت طقطقة خافت، وانفتح الباب مقدارًا صغيرًا.
ترددت ميرا.
كان بإمكانها العودة إلى غرفتها، والتظاهر بأنها لم ترَ شيئًا.
لكن فضولها كان أقوى من خوفها.
دفعت الباب ببطء.
وانبعثت من الداخل رائحة عفن قوية جعلتها تغطي أنفها بكمّها.
كانت الغرفة صغيرة، لا تحتوي على نافذة، وجدرانها مغطاة بورق قديم متقشر. وفي وسطها طاولة متهالكة، تعلوها طبقة سميكة من الغبار.
أما الجدار المقابل، فكان مختلفًا عن بقية الجدران.
كان مغطى بألواح خشبية حديثة نسبيًا، وكأن أحدهم حاول إخفاء شيء خلفها.
اقتربت ميرا، ومررت أصابعها على حواف الألواح.
ثم لاحظت وجود سبع علامات صغيرة محفورة على الخشب.
واحدة.
اثنتان.
ثلاث.
حتى وصلت إلى العلامة السابعة.
توقفت عندها.
كانت العلامة الأخيرة مختلفة، إذ وُضع بجانبها شكل صغير يشبه العين.
شعرت ميرا ببرودة تسري في أطرافها.
«ماذا يوجد خلفك؟»
قالتها بصوت خافت، وكأنها تخشى أن يسمعها أحد.
مدت يدها نحو أحد الألواح، وحاولت تحريكه، لكنه كان ثابتًا. ثم لاحظت مسمارًا بارزًا عند الزاوية السفلية.
بحثت في جيبها، فوجدت دبوس شعر كانت قد وضعته هناك في الصباح.
حاولت استخدامه لرفع طرف اللوح، وبعد عدة محاولات، سمعت صوتًا خافتًا.
انفك أحد الأطراف.
سحبت اللوح قليلًا، فظهر خلفه تجويف ضيق داخل الجدار.
وفي داخله، وجدت صندوقًا أسود صغيرًا.
أخرجته بحذر ووضعته فوق الطاولة.
كان الصندوق مغلقًا بقفل صدئ، لكن غطاءه لم يكن محكمًا. حاولت رفعه، فانفتح بعد مقاومة بسيطة.
في الداخل، وجدت صورًا قديمة، وقصاصات من الصحف، ومجموعة من الأوراق المربوطة بخيط أسود.
أمسكت أول صورة.
كانت تظهر ثلاثة أشخاص يقفون أمام المنزل نفسه.
رجل وامرأة وطفلة صغيرة.
على ظهر الصورة كُتبت عبارة:
«عائلة منصور، صيف ١٩٩٨.»
قلبت ميرا الصورة مرة أخرى، وتأملت الوجوه.
كانت ملامح الرجل غير واضحة بسبب خدش طويل امتد من جبهته حتى ذقنه، بينما بدت المرأة حزينة، وعينا الطفلة مثبتتين نحو الكاميرا.
انتقلت إلى الصورة الثانية.
هذه المرة، كانت الصورة تظهر المنزل من الخارج، وقد وقف أمامه عدد من رجال الشرطة.
في أسفل الصورة، كُتب:
«اختفاء عائلة منصور يثير الرعب في البلدة.»
شعرت ميرا بأن أنفاسها أصبحت أسرع.
أخذت إحدى قصاصات الصحف وبدأت تقرأ.
«اختفت عائلة مكوّنة من ثلاثة أفراد في ظروف غامضة، بعد أن أبلغ الجيران عن سماع أصوات صراخ في منزلهم خلال ساعات الليل. ولم تتمكن الشرطة من العثور على أي أثر للعائلة، رغم عمليات التفتيش الواسعة التي استمرت عدة أسابيع.»
توقفت عن القراءة.
اختفت عائلة كاملة من هذا المنزل؟
لماذا لم يخبرهم صاحب المنزل بشيء عن ذلك؟
أخذت ورقة أخرى، لكنها كانت ممزقة، ولم يبقَ منها سوى بضعة أسطر.
«... لم يُعثر على أي دليل يثبت وقوع جريمة، وأُغلقت القضية بعد مرور سنوات من دون ظهور معلومات جديدة.»
وضعت ميرا الورقة على الطاولة، ثم أخرجت آخر صورة في الصندوق.
كانت صورة للمنزل من الداخل.
ظهرت فيها القاعة الرئيسية، والطاولة الخشبية، والسلم الذي يؤدي إلى الطابق العلوي.
لكن أكثر ما أثار انتباهها كان شيئًا صغيرًا في الزاوية.
باب ضيق، يشبه الباب الذي دخلت منه للتو.
وخلفه، بدا جزء من جدار مغطى بألواح خشبية.
تراجعت ميرا خطوة.
لم تكن هذه مجرد غرفة مهجورة.
كان هناك شخص قد حاول إخفاء شيء داخل جدران المنزل.
وربما كان ذلك الشخص يعرف ما حدث لعائلة منصور.
«ميرا!»
جاء صوت والدتها من أسفل الدرج.
ارتجفت ميرا، وكادت تسقط الصورة من يدها.
«ميرا، أين أنت؟ لقد أعددت العشاء!»
نظرت حولها بسرعة، ثم أعادت الصور والأوراق إلى الصندوق، وأغلقته.
لكنها لم تستطع إعادة اللوح الخشبي إلى مكانه كما كان.
حاولت تثبيته، إلا أنه بقي مائلًا قليلًا.
حملت الصندوق، وخرجت من الغرفة، ثم أغلقت الباب وأعادت المفتاح إلى جيبها.
نزلت إلى الطابق السفلي وهي تحاول أن تبدو طبيعية.
كانت بتول تقف في المطبخ، بينما كان خالد يضع الأطباق على المائدة.
قالت أمها:
«أين كنت طوال هذا الوقت؟»
أجابت ميرا:
«كنت أرتب غرفتي.»
نظر محمد إليها وهو يبتسم ابتسامة ماكرة.
«أراهن أنها كانت تبحث عن أشباح.»
رمقته ميرا بنظرة غاضبة.
«تناول طعامك فحسب.»
ضحك محمد، بينما جلس خالد على مقعده.
قال الأب:
«ما رأيكم أن نقضي يوم الأحد في البلدة؟ نحتاج إلى شراء بعض الأشياء للمنزل.»
وافقت بتول، وبدأ محمد يتحدث بحماس عن الألعاب التي يريد شراءها.
أما ميرا، فبقيت صامتة.
كانت تفكر في عائلة منصور.
وفي قصاصة الصحيفة التي تحدثت عن الصراخ.
وفي الغرفة المخفية خلف الباب السابع.
وفجأة، سألت:
«أبي، هل تعرف شيئًا عن تاريخ هذا المنزل؟»
رفع خالد عينيه إليها.
«ماذا تقصدين؟»
حاولت أن تتحدث بنبرة عادية.
«أقصد، هل عاش فيه أشخاص قبلنا؟ هل حدثت فيه أشياء غريبة؟»
أجاب خالد بعد لحظة قصيرة:
«بالتأكيد. المنزل قديم، ولا بد أن عائلات كثيرة عاشت فيه على مر السنين.»
قالت ميرا:
«ألم تسمع يومًا عن عائلة اختفت من هنا؟»
توقفت بتول عن وضع الطعام.
أما محمد، فقد رفع رأسه باهتمام.
نظر خالد إلى ابنته، ثم قال:
«لا. لماذا تسألين؟»
ترددت ميرا.
كان بإمكانها إخباره بكل شيء، لكنها لم تكن تملك دليلًا على أن ما وجدته حقيقي. وربما كانت القصاصات قديمة، أو أن القضية لا علاقة لها بالمنزل أصلًا.
لذلك أجابت:
«قرأت شيئًا عن المنزل في ورقة قديمة.»
ابتسم خالد ابتسامة هادئة.
«لا تشغلي بالك بالقصص القديمة يا ابنتي. بعضها يُكتب لمجرد تخويف الناس.»
ثم عاد إلى طعامه.
انتهى الحديث، لكن ميرا لم تستطع التخلص من شعور غريب.
لم يكن في إجابة والدها ما يدعو إلى الشك.
ومع ذلك، قررت ألا تخبر أحدًا بما وجدته حتى تعرف المزيد.
في تلك الليلة، انتظرت ميرا حتى نام الجميع.
أخرجت الصندوق الأسود من المكان الذي أخفته فيه داخل خزانتها، وجلست على أرض غرفتها، وأعادت تفحص محتوياته.
هذه المرة، لم تبدأ بالصور.
بل فتحت الأوراق المربوطة بالخيط الأسود.
كانت معظمها صفحات ممزقة من دفتر قديم، وقد كُتبت عليها ملاحظات بخط يدوي غير منتظم.
قرأت الصفحة الأولى:
«١٢ تشرين الأول، ١٩٩٨.
لم يعد أحد يصدقني. أخبرتهم أنني سمعت صوتًا يأتي من خلف الجدار، لكنهم قالوا إنني أتخيل الأشياء. حتى أمي لم تصدقني.
الليلة، سأعود إلى الغرفة لأتأكد.»
انتقلت إلى الصفحة التالية.
«١٤ تشرين الأول.
وجدت آثارًا على الأرض. آثار أقدام تمتد من القاعة إلى الجدار السابع، ثم تختفي فجأة.
لا يمكن أن تكون مجرد خدعة.
هناك شيء خلف ذلك الجدار.»
تسارعت أنفاس ميرا.
الجدار السابع.
العبارة نفسها التي بدأت تظهر في الأوراق.
قلبت الصفحات بسرعة، حتى وصلت إلى آخر ورقة بقيت سليمة.
كان الخط فيها أكثر اضطرابًا، وكأن كاتبها دوّن الكلمات على عجل.
«إذا عثرت على هذه الصفحات، فلا تثق بكل ما تراه.
الجدار السابع ليس مجرد جدار.
إنه يخفي الحقيقة التي حاول الجميع دفنها.
وإذا سمعت الطرقات الثلاث، فلا تفتح الباب.»
توقفت ميرا عن القراءة.
الطرقات الثلاث.
تذكرت الصوت الذي سمعته في الليلة الأولى.
ثلاث طرقات متتالية على باب غرفتها.
طَق... طَق... طَق...
شعرت بأن الغرفة أصبحت أبرد فجأة.
نظرت إلى الساعة.
كانت تشير إلى الثانية عشرة وسبع عشرة دقيقة.
ثم سمعت صوتًا خافتًا يأتي من الممر.
طَق...
حبست أنفاسها.
طَق...
أطبقت يدها على فمها.
طَق...
ثلاث طرقات.
تمامًا كما كُتب في الرسالة.
لم تتحرك ميرا من مكانها.
بقيت تحدق في الباب، وقلبها يخفق بعنف.
ثم جاء صوت همس من الجهة الأخرى.
«ميرا... افتحي الباب.»
كان الصوت صوت امرأة.
صوتًا حزينًا وواهنًا، كأن صاحبته كانت تبكي منذ ساعات طويلة.
تراجعت ميرا حتى اصطدم ظهرها بالجدار.
لم ترد.
عاد الصوت مرة أخرى:
«أرجوكِ... إنه هنا.»
ثم ساد الصمت.
مرت ثوانٍ طويلة، قبل أن تسمع خطوات بطيئة تبتعد في الممر.
انتظرت ميرا حتى لم تعد تسمع شيئًا، ثم نهضت بحذر واقتربت من الباب.
وضعت أذنها عليه.
لم يكن هناك صوت.
فتحت الباب مقدار إصبع واحد، ونظرت إلى الممر.
كان فارغًا.
لكن على الأرض، أمام غرفتها مباشرة، وجدت شيئًا جعل الدم ينسحب من وجهها.
صورة قديمة.
التقطتها بيد مرتجفة، وقلبتها.
كانت صورة الطفلة نفسها التي ظهرت في صورة عائلة منصور.
إلا أن هذه الصورة كانت مختلفة.
فالطفلة لم تكن تقف أمام المنزل، بل كانت تقف أمام باب غرفتها هي.
وفي خلفية الصورة، ظهرت ساعة حائط تشير إلى الثانية عشرة وسبع عشرة دقيقة.
قلبت ميرا الصورة لتقرأ ما كُتب على ظهرها.
كان هناك سطر واحد فقط:
«إنها لا تزال هنا.»
في صباح اليوم التالي، لم تخبر ميرا أحدًا بما حدث.
وضعت الصورة داخل دفترها، وأخفت الأوراق في حقيبتها المدرسية.
كانت تريد معرفة المزيد عن عائلة منصور، وعن الغرفة المخفية، وعن هوية المرأة التي نادتها ليلًا.
لكنها كانت تعرف أنها لن تجد الإجابات في المنزل وحده.
كانت بحاجة إلى شخص يعرف تاريخ البلدة.
وقبل مغادرتهم المنزل، سألت والدتها:
«أمي، هل تعرفين أين توجد المكتبة القديمة في البلدة؟»
أجابت بتول وهي تبحث عن مفاتيحها:
«أظن أنها قرب ساحة السوق. لماذا؟»
«أريد استعارة بعض الكتب.»
ابتسمت أمها.
«هذه أول مرة أراك فيها متحمسة للقراءة منذ مدة طويلة.»
لم تجب ميرا.
فهي لم تكن تبحث عن كتاب.
كانت تبحث عن حقيقة.
وصلت العائلة إلى البلدة بعد نصف ساعة.
كانت البلدة صغيرة، تتوزع فيها المحال القديمة على جانبي شوارع ضيقة، وتنتشر المقاهي قرب الساحة الرئيسية. بدا المكان هادئًا، لكن ميرا لاحظت أن بعض المارة كانوا ينظرون إلى السيارة عندما مرّت أمامهم.
لم تهتم بذلك في البداية.
لكن عندما توقفت السيارة أمام متجر صغير، اقترب رجل مسنّ من خالد، وألقى عليه التحية.
«صباح الخير.»
رد خالد بأدب:
«صباح الخير.»
تبادل الرجلان بضع كلمات عابرة، ثم ابتعد الرجل.
راقبته ميرا وهو يسير ببطء نحو متجره، ثم نزلت من السيارة.
بعد أن أنهت العائلة شراء حاجاتها، أخبرت والدتها بأنها ستذهب إلى المكتبة القريبة، ووعدتها بالعودة خلال عشرين دقيقة.
كانت المكتبة أقدم مما توقعت.
بابها الزجاجي مغطى بطبقة من الغبار، وفوقه لافتة خشبية كُتب عليها اسم المكان بحروف باهتة.
دفعت الباب، فصدر عنه رنين صغير.
رفعت امرأة في منتصف العمر رأسها من خلف مكتب الاستقبال.
«مرحبًا، هل أستطيع مساعدتك؟»
اقتربت ميرا منها.
«أبحث عن معلومات قديمة عن منزل يقع في أطراف البلدة.»
تغيّرت ملامح المرأة قليلًا.
«أي منزل؟»
أخرجت ميرا ورقة صغيرة رسمت عليها شكل البناء من ذاكرتها.
نظرت المرأة إلى الرسم، ثم أعادته إليها ببطء.
«من أين حصلتِ على هذا؟»
«انتقلت عائلتي إليه مؤخرًا.»
ساد الصمت للحظات.
ثم نهضت المرأة عن كرسيها، واتجهت إلى رف بعيد، وأخرجت سجلًا قديمًا مليئًا بالغبار.
فتحته، وبدأت تقلّب صفحاته حتى توقفت عند صفحة محددة.
قالت بصوت منخفض:
«هذا المنزل ليس مكانًا يتحدث عنه الناس كثيرًا.»
شعرت ميرا بأن قلبها يخفق بسرعة.
«لماذا؟»
نظرت المرأة نحو الباب الزجاجي، كأنها تتأكد من عدم وجود أحد يستمع إليهما.
ثم عادت ببصرها إلى ميرا.
«لأن عائلة اختفت منه منذ سنوات طويلة، ولم يعرف أحد ما الذي حدث لها.»
أخرجت ميرا الصورة القديمة من حقيبتها، ووضعتها فوق المكتب.
«هل تقصدين هذه العائلة؟»
ما إن وقعت عينا المرأة على الصورة حتى تغيّر وجهها تمامًا.
جلست ببطء، وكأن ساقيها لم تعودا قادرتين على حملها.
«من أين حصلتِ على هذه الصورة؟»
أجابت ميرا:
«وجدتها مخبأة داخل صندوق خلف جدار في المنزل.»
وضعت المرأة يدها على فمها، ثم أغلقت السجل بسرعة.
«اسمعيني جيدًا يا ابنتي. عودي إلى منزلك، ولا تعبثي بالأشياء القديمة. بعض الأسرار لا تجلب لمن يكتشفها سوى المتاعب.»
اعترضت ميرا:
«لكنني أريد أن أعرف ما الذي حدث لهم!»
هزّت المرأة رأسها.
«هناك أشياء حدثت في هذه البلدة، وكان من الأفضل للجميع لو بقيت مدفونة.»
«هل قُتلوا؟»
لم تجب المرأة.
بل نهضت، وأعادت السجل إلى مكانه، ثم قالت بصوت حازم:
«انتهى الحديث.»
فهمت ميرا أنها لن تحصل على إجابات أخرى منها.
أخذت الصورة، وشكرتها، ثم غادرت المكتبة.
لكنها قبل أن تبتعد عن الباب، سمعت المرأة تتمتم بكلمات لم تستطع سماعها كاملة.
لم يصل إلى أذنها سوى جملة واحدة:
«لقد عاد أحدهم إلى ذلك المنزل...»
توقفت ميرا في مكانها.
ثم التفتت نحو المكتبة.
كانت المرأة قد اختفت خلف الرفوف.
عادت ميرا إلى السيارة، وجلست في المقعد الخلفي بصمت.
سألها محمد:
«هل وجدتِ كتابًا عن الأشباح؟»
لم تجبه.
كان ذهنها منشغلًا بكلمات المرأة.
«لقد عاد أحدهم إلى ذلك المنزل.»
ماذا كانت تقصد؟
هل كانت تتحدث عن العائلة التي اختفت؟ أم عن شخص آخر؟
نظرت ميرا من النافذة، فرأت الرجل المسنّ الذي التقى بوالدها قبل قليل يقف أمام متجره.
كان يتحدث مع رجل آخر، لكن ما إن لاحظ السيارة حتى توقف عن الكلام.
ثبت عينيه على ميرا لثوانٍ طويلة.
ثم رفع يده وأشار إليها إشارة صغيرة، وكأنه يحذرها من شيء.
أو ربما كان يحاول أن يخبرها بأنه يعرفها.
لكنها لم ترَ ذلك الرجل في حياتها من قبل.
تحركت السيارة مبتعدة عن الساحة، واختفى الرجل خلف المباني.
أخرجت ميرا دفترها، وكتبت في الصفحة الأخيرة:
«عائلة منصور اختفت من المنزل. هناك غرفة مخفية خلف الجدار السابع. شخص ما يعرف الحقيقة، لكنه يخاف التحدث عنها. والمرأة التي سمعتها في الليل قد تكون مرتبطة بكل ما يحدث.»
توقفت قليلًا، ثم أضافت:
«لكن السؤال الأهم: لماذا يبدو الجميع خائفين من هذا المنزل؟»
أغلقت الدفتر، ونظرت إلى الطريق.
لم تكن تعرف أن شخصًا آخر في البلدة كان يراقب عودتها.
شخصًا لم يكن يريد أن تُفتح الملفات القديمة من جديد.
وشخصًا كان يعتقد أن كل ما حدث في ذلك المنزل يجب أن يبقى سرًّا إلى الأبد.
في تلك الليلة، عادت ميرا إلى الغرفة المخفية، بعدما تأكدت أن بقية أفراد العائلة مشغولون في الطابق السفلي.
أخرجت الصندوق الأسود، وأعادت فحصه بحثًا عن شيء لم تنتبه إليه.
لم تجد شيئًا في البداية، لكن عندما قلبت الصندوق، لاحظت وجود ورقة ملتصقة بقاعدته من الداخل.
نزعتها بحذر.
كانت أصغر من بقية الأوراق، ومكتوبًا عليها عنوان واحد:
«القبو.»
وتحته جملة قصيرة:
«ما لم تجده في الجدار، ستجده تحت الأرض.»
شعرت ميرا بأن كل شيء أصبح أكثر وضوحًا.
الغرفة المخفية لم تكن سوى البداية.
كان هناك مكان آخر، مكان لم تكتشفه بعد.
مكان تحت المنزل نفسه.
وضعت الورقة في جيبها، ثم خرجت من الغرفة وأعادت إغلاق الباب.
نظرت نحو نهاية الممر.
كان السلم المؤدي إلى الطابق السفلي غارقًا في الظلام، ولم يكن هناك سوى ضوء ضعيف يتسلل من القاعة.
تقدمت خطوة.
ثم أخرى.
وعندما وصلت إلى أسفل الدرج، لاحظت بابًا صغيرًا خلف خزانة خشبية قديمة.
لم يكن الباب ظاهرًا من قبل، لأن الخزانة كانت تحجب معظمه.
دفعت ميرا الخزانة قليلًا، فظهر قفل معدني صدئ.
وعلى القفل، كانت هناك العلامة نفسها التي رأتها على المفتاح الأسود.
الرقم سبعة.
مدّت يدها نحو القفل، ثم توقفت.
من خلف الباب، جاءها صوت خافت.
لم يكن بكاءً هذه المرة.
بل صوت طرقات بطيئة، متباعدة، كأن شخصًا ما يضرب الجهة الأخرى من الباب بيده.
طرقة واحدة.
ثم ثانية.
ثم ثالثة.
تراجعت ميرا مذعورة.
وقبل أن تتمكن من الابتعاد، سمعت صوتًا واضحًا يأتي من خلف الباب:
«ميرا...»
تجمدت في مكانها.
كان الصوت صوت امرأة.
ثم همست المرأة بجملة جعلت ميرا تشعر بأن الأرض اختفت من تحت قدميها:
«لا تدعيهم يعرفون أنك وجدتِني.»
وفجأة، انطفأ الضوء في القاعة.
ساد الظلام.
ومن أعلى الدرج، جاء صوت خطوات تقترب ببطء.
خطوات شخص يعرف تمامًا إلى أين يتجه.
خطوات توقفت عند أول درجة.
ثم جاء صوت خالد من قلب الظلام:
«ميرا؟ هل أنتِ هنا؟»
لم تستطع الإجابة.
كانت تقف أمام باب القبو، ويدها ترتجف فوق القفل، بينما كان صوت الخطوات يقترب منها أكثر فأكثر.
ثم أضاء المصباح من جديد.
ظهر خالد عند نهاية الممر، ونظر إليها باستغراب.
«ماذا تفعلين هنا وحدك؟»
أجابت ميرا بصوت مرتجف:
«كنت... أبحث عن شيء.»
نظر خالد إلى الخزانة التي أزاحتها، ثم إلى الباب الذي ظهر خلفها.
قال بهدوء:
«هذا باب القبو. المكان مليء بالأغراض القديمة، ولا يوجد ما تحتاجين إليه هناك.»
ثم اقترب منها، وأعاد الخزانة إلى مكانها.
«هيا، عودي إلى غرفتك. لقد تأخر الوقت.»
صعدت ميرا الدرج دون أن تقول شيئًا.
لكنها، قبل أن تختفي في الطابق العلوي، التفتت نحو والدها.
كان يقف قرب الخزانة، ينظر إلى الباب المغلق.
لم يكن في وجهه ما يدل على الخوف أو الغضب.
كان يبدو طبيعيًا تمامًا.
وهذا ما جعل ميرا تشعر بقلق أكبر.
فهي لم تكن تعرف ما الذي يوجد خلف باب القبو.
ولم تكن تعرف من صاحبة الصوت الذي ناداها.
لكنها أصبحت متأكدة من شيء واحد:
في هذا المنزل، لم تكن كل الأسرار مدفونة في الماضي.
بعضها كان لا يزال ينتظر تحت أقدامهم.
وبعضها، ربما، كان ينتظر اللحظة المناسبة ليخرج إلى النور.
نهاية الفصل الثاني.
يتبع....