المنزل الذي ابتلع الضوء
9 دقائق قراءة · 1,678 كلمة
الفصل الأول: المنزل الذي ابتلع الضوء
لم تكن ميرا تؤمن بالأشباح، ولم تكن تخاف من الظلام كما يفعل الأطفال، لكنها كانت تؤمن بشيء واحد لم تستطع تفسيره يومًا: بعض الأماكن لا تنسى ما يحدث داخلها، حتى لو مرّت عليها مئات السنين.
في تلك الليلة الباردة، كانت السماء ملبّدة بالغيوم، والريح تضرب نوافذ السيارة بعنف، بينما كانت ميرا تجلس في المقعد الخلفي، تحدّق من النافذة في الطريق الطويل الذي بدا وكأنه لا ينتهي.
كانت أمها بتول تجلس بجانب والدها خالد، أما أخوها محمد فكان نائمًا، مستندًا إلى حقيبته الصغيرة.
قالت ميرا وهي تضمّ معطفها حول جسدها:
«أبي، هل بقي الكثير حتى نصل؟ لقد سئمت من الطريق.»
أجاب خالد مبتسمًا وهو ينظر إليها من المرآة:
«بضع دقائق فقط يا صغيرتي. أعلم أن الانتقال ليس سهلًا عليك، لكنني أعدك بأنك ستعتادين على المنزل الجديد.»
أشاحت ميرا بوجهها نحو النافذة.
لم تكن تريد منزلًا جديدًا، ولم تكن تريد ترك غرفتها القديمة، ولا مدرستها، ولا الحي الذي عاشت فيه طوال حياتها. لكنها كانت تعرف أن عائلتها لم تعد تملك خيارًا آخر.
قبل شهرين، خسر والدها عمله، وتراكمت الديون على الأسرة حتى اضطروا إلى مغادرة منزلهم القديم. وبعد أسابيع من البحث، وجد خالد منزلًا واسعًا بسعر منخفض على نحو غريب، يقع في أطراف بلدة صغيرة، بعيدًا عن ضجيج المدينة.
لم يعجب ميرا شيء في ذلك المنزل منذ اللحظة الأولى التي شاهدت فيها صورته.
كان قديمًا، تحيط به الأشجار اليابسة، وتعلو واجهته نوافذ طويلة بدت كعيون سوداء تراقب الطريق. أما سقفه، فقد غطّته طبقة من الطحالب، بينما كان السور الحديدي المحيط به مائلًا في بعض أجزائه، وكأنه تعب من الوقوف وحيدًا لسنوات طويلة.
قالت ميرا عندما ظهر المنزل أمامهم أخيرًا:
«هذا هو؟»
أوقف خالد السيارة أمام البوابة، ثم التفت إليها.
«نعم. ما رأيك؟»
تأملت ميرا البناء الضخم لثوانٍ قبل أن تجيب:
«يبدو كأنه منزل في فيلم رعب.»
ضحك محمد، الذي استيقظ لتوّه، وقال:
«رائع! أتمنى أن يكون فيه شبح حقيقي.»
ضربته ميرا بخفة على كتفه.
«اصمت، أيها الأحمق. لن تنام وحدك إذا ظهر شبح فعلًا.»
قالت بتول وهي تفتح باب السيارة:
«كفى أنتما الاثنان. الجو بارد، فلندخل قبل أن نهلك هنا.»
نزل الجميع من السيارة، وحمل خالد المفاتيح التي حصل عليها من صاحب المنزل السابق. وعندما دفع البوابة الحديدية، أصدرت صريرًا طويلًا شقّ سكون المكان.
كان الصوت مزعجًا إلى درجة جعلت ميرا تلتفت نحو الأشجار خلفها.
لم يكن هناك أحد.
ومع ذلك، شعرت للحظة بأن شخصًا ما كان يراقبهم من بين الأغصان المتشابكة.
هزّت رأسها محاولةً طرد الفكرة من ذهنها، ثم تبعت عائلتها إلى الداخل.
كان الباب الرئيسي مصنوعًا من الخشب الداكن، تتوسطه زخارف قديمة غطّاها الغبار. وحين أدخل خالد المفتاح وأداره، انفتح الباب بصوت مكتوم، لتستقبلهم رائحة الرطوبة والخشب العتيق.
دخلت بتول أولًا، ثم أشعل خالد المصباح المعلّق في السقف.
لم يضئ المكان فورًا، بل ومض عدة مرات قبل أن يستقر نوره الأصفر الضعيف، كاشفًا عن قاعة واسعة تتوسطها طاولة خشبية كبيرة، وعلى جانبيها بابان يؤديان إلى غرفتين مختلفتين.
أما السلم، فكان يقع في نهاية القاعة، وتصعد درجاته الخشبية نحو الطابق العلوي حيث تمتد ممرات ضيقة وغرف مغلقة.
قالت بتول وهي تنظر حولها:
«يحتاج المنزل إلى تنظيف أكثر مما توقعت.»
أجاب خالد:
«سنرتّب كل شيء خلال الأيام القادمة. المهم أننا أصبحنا نملك مكانًا نعيش فيه دون أن نقلق بشأن الإيجار كل شهر.»
لم تجب بتول، لكنها ابتسمت ابتسامة صغيرة، ثم بدأت تفتح النوافذ لتسمح للهواء بالدخول.
أما ميرا، فقد بقيت واقفة قرب الباب، تتأمل لوحة معلّقة على الجدار المقابل.
كانت اللوحة تُظهر منزلًا قديمًا يشبه المنزل الذي يقفون فيه، لكن ألوانها كانت باهتة، وقد غطّى السواد معظم زواياها. وفي أسفلها، كُتبت عبارة صغيرة بخط يصعب قراءته.
اقتربت ميرا لتتأمل الكلمات.
«حين يحلّ الليل، لا تثق بمن يناديك.»
تراجعت خطوة إلى الخلف.
«أمي؟»
التفتت بتول إليها.
«ماذا هناك؟»
أشارت ميرا إلى اللوحة.
«من كتب هذه العبارة؟»
اقتربت أمها، وقرأت الكلمات، ثم عقدت حاجبيها.
«لا أعرف. ربما تركها أصحاب المنزل السابقون.»
قالت ميرا:
«لكنها غريبة جدًا.»
أجابت بتول وهي تتابع طريقها نحو المطبخ:
«إنها مجرد كلمات يا ميرا. لا تبدئي باختراع القصص من الآن.»
بقيت ميرا تحدّق في اللوحة قليلًا، ثم قررت تجاهلها.
كانت مجرد عبارة سخيفة، هذا كل ما في الأمر.
على الأقل، هذا ما حاولت إقناع نفسها به.
بعد ساعة من ترتيب الأمتعة، اختارت ميرا غرفتها في نهاية الممر العلوي.
كانت الغرفة واسعة، ذات جدران رمادية وستائر ثقيلة بلون النبيذ الداكن. احتوت على سرير خشبي، وخزانة طويلة، ومكتب صغير موضوع أمام نافذة تطل على الحديقة الخلفية.
وضعت حقيبتها فوق السرير، ثم اقتربت من النافذة.
كانت الأشجار في الخارج تتحرك مع الريح، وأغصانها تضرب الزجاج بين الحين والآخر. وفي أقصى الحديقة، لاحظت مبنى صغيرًا منفصلًا عن المنزل، يكاد يختفي خلف الأعشاب الطويلة.
لم تستطع معرفة ما إذا كان مخزنًا قديمًا أم كوخًا مهجورًا.
فتحت باب غرفتها ونادت:
«أبي! ما ذلك المبنى الموجود في الحديقة؟»
جاءها صوته من الطابق السفلي:
«غالبًا مخزن قديم. لا تقتربي منه الآن، فالحديقة غير مرتبة وقد تتعثرين بشيء.»
«حسنًا!»
أغلقت الباب، ثم جلست على السرير وأخرجت هاتفها.
كانت قد وعدت صديقتها بأنها ستتصل بها فور وصولها، لكن الشبكة كانت ضعيفة للغاية. حاولت الاتصال مرتين، إلا أن المكالمة انقطعت قبل أن تبدأ.
تنهدت ميرا، ورمت الهاتف بجانبها.
في تلك اللحظة، سمعت صوتًا خافتًا.
ثلاث طرقات متتالية.
طَق... طَق... طَق...
رفعت رأسها نحو الباب.
انتظرت قليلًا، لكنها لم تسمع شيئًا آخر.
نهضت وفتحت الباب بحذر.
كان الممر فارغًا، والمصباح المعلّق في سقفه يومض بضوء متقطّع.
«محمد؟ إذا كنت تحاول إخافتي، فأقسم إنني سأخبر أمي!»
لم يجبها أحد.
أغلقت الباب وعادت إلى سريرها، محاولةً إقناع نفسها بأن أخاها لا بد أنه كان يمزح معها.
لكن محمد كان في الطابق السفلي، وقد سمعته قبل دقائق يتحدث مع والدته.
فمن الذي طرق الباب إذًا؟
في الساعة التاسعة مساءً، اجتمعت العائلة حول مائدة الطعام.
كان العشاء بسيطًا، فقد انشغل الجميع بنقل الأغراض وتنظيف الغرف، ولم يتبقَّ لدى بتول وقت لتحضير شيء آخر.
جلس خالد في رأس المائدة، بينما جلست بتول إلى جانبه، وجلس محمد قبالة ميرا.
قال محمد وهو يأكل:
«غرفتي أفضل من غرفتك يا ميرا.»
رفعت حاجبها.
«ومن سألك عن رأيك؟»
«أنا فقط أقول الحقيقة. غرفتي فيها خزانة أكبر.»
«خزانتي تكفي لوضع ملابسك وملابس أطفال الحضانة كلهم.»
ضحك خالد، وقال:
«كفى جدالًا. ما زلتما تتصرفان كأنكما في الخامسة من العمر.»
ابتسمت بتول وهي تضع كوب الماء أمامها.
للحظات، بدا كل شيء طبيعيًا تمامًا. عائلة تتناول عشاءها في منزل جديد، تحاول التكيف مع بداية لم يخترها أحد منهم حقًا.
ثم سُمِع صوت ارتطام قوي من الطابق العلوي.
توقّف الجميع عن الكلام.
رفعت بتول رأسها نحو السقف.
«ما هذا؟»
قال محمد بصوت منخفض:
«ربما هناك أحد في الأعلى.»
نظرت إليه ميرا.
«لا تقل أشياء سخيفة.»
لكنها لم تكن مقتنعة بكلماتها.
نهض خالد من مقعده وقال بهدوء:
«سأرى ما حدث. ربما سقط أحد الصناديق التي لم ننتهِ من ترتيبها.»
صعد الدرج، بينما بقيت العائلة في الأسفل.
مرّت دقيقة.
ثم دقيقتان.
كانت ميرا تحدّق في السلم، وتستمع إلى كل صوت يصدر من الطابق العلوي. وبعد قليل، سمعت خطوات والدها تتحرك في الممر، ثم صوت باب يُفتح ويُغلق.
عاد خالد أخيرًا، وقال:
«لا يوجد شيء. ربما تحركت إحدى النوافذ بسبب الريح.»
سألته بتول:
«هل أنت متأكد؟»
أجاب مبتسمًا:
«بالطبع. لا داعي للقلق.»
عاد إلى مقعده، واستأنف تناول الطعام كأن شيئًا لم يحدث.
حاولت ميرا أن تفعل الشيء نفسه، لكن عينيها بقيتا معلقتين بالدرج.
كانت تعرف صوت الريح جيدًا.
والصوت الذي سمعته لم يكن يشبه ارتطام نافذة.
كان أشبه بشيء ثقيل سقط على الأرض.
أو بشيء ضرب الجدار من الداخل.
في وقت متأخر من الليل، استلقت ميرا في سريرها، وقد عجزت عن النوم.
لم يكن المنزل هادئًا كما توقعت؛ فقد كانت تصدر عنه أصوات متفرقة، من صرير الخشب إلى حفيف الريح خلف النوافذ، وأحيانًا صوت خافت يشبه الهمس يأتي من مكان بعيد.
سحبت الغطاء حتى كتفيها، ثم نظرت إلى الساعة.
كانت تشير إلى الثانية عشرة وسبع عشرة دقيقة.
أغمضت عينيها، وحاولت التفكير في أي شيء آخر.
وفجأة...
سمعت صوت امرأة تبكي.
كان الصوت خافتًا في البداية، حتى ظنت أنه مجرد صوت الريح، لكنه تكرر بعد ثوانٍ، هذه المرة بصورة أوضح.
بكاء متقطع، يتبعه همس لا تستطيع تمييز كلماته.
جلست ميرا في سريرها.
«أمي؟»
لم تتلقَّ أي إجابة.
خرجت من غرفتها ببطء، وأطلت برأسها في الممر.
كان الظلام يملأ المكان، باستثناء ضوء خافت يتسلل من أسفل باب غرفة والديها.
أما البكاء، فكان يأتي من الطابق السفلي.
أرادت العودة إلى غرفتها، وإقناع نفسها بأن ما تسمعه مجرد صوت صادر عن المنزل القديم، لكنها شعرت بفضول غريب يدفعها إلى معرفة مصدره.
نزلت الدرج درجة بعد أخرى، واضعة يدها على الدرابزين حتى لا تصدر الخشبة صوتًا تحت قدميها.
حين وصلت إلى القاعة، توقّف البكاء فجأة.
ساد الصمت.
وقفت ميرا في مكانها، وأخذت تتلفت حولها.
كان باب المطبخ مفتوحًا قليلًا، فيما بقيت بقية الأبواب مغلقة.
اقتربت من المطبخ، ودفعته ببطء.
لم تجد أحدًا.
كان كل شيء في مكانه، باستثناء كرسي خشبي تحرك من جوار الطاولة، وأصبح مواجهًا للباب.
شعرت بقشعريرة تسري في جسدها.
ثم سمعت صوتًا خلفها.
«ميرا؟»
صرخت والتفتت بسرعة.
كان والدها خالد يقف عند مدخل القاعة، مرتديًا ثيابه المنزلية، وقد بدا عليه الاستغراب.
«ماذا تفعلين هنا في هذا الوقت؟»
وضعت يدها على صدرها.
«لقد أخفتني! سمعت صوت بكاء، فظننت أن أحدًا هنا.»
نظر خالد إلى المطبخ، ثم عاد ببصره إليها.
«ربما كانت الريح. هذا المنزل قديم، ومن الطبيعي أن تصدر عنه أصوات غريبة.»
ترددت ميرا قليلًا، ثم سألته:
«أبي، هل تعتقد أن المنزل مسكون؟»
ابتسم خالد ابتسامة خفيفة.
«لا أؤمن بالأشباح يا ميرا. وإذا كنت خائفة، يمكنك النوم في غرفة أمك الليلة.»
هزّت رأسها بسرعة.
«لا، أنا لست خائفة.»
«حسنًا إذًا. عودي إلى غرفتك، وحاولي النوم. أمامنا يوم طويل غدًا.»
صعدت ميرا الدرج برفقة والدها، ثم دخلت غرفتها وأغلقت الباب.
وقبل أن تستلقي، نظرت إلى النافذة مرة أخرى.
كان المبنى الصغير في الحديقة غارقًا في الظلام.
لكن هذه المرة، أقسمت أنها رأت ضوءًا يظهر خلف إحدى نوافذه.
ضوءًا خافتًا، أصفر اللون.
ثم اختفى.
في صباح اليوم التالي، استيقظت ميرا على صوت والدتها تناديها لتناول الإفطار.
حاولت أن تنسى أحداث الليلة الماضية، وأقنعت نفسها بأنها كانت متعبة بسبب الانتقال، وأن خيالها بالغ في تفسير الأصوات.
لكنها لم تستطع تجاهل شيء واحد.
حين نزلت إلى الطابق السفلي، وجدت اللوحة القديمة التي كانت معلّقة قرب الباب قد سقطت على الأرض.
انحنت لرفعها، ولاحظت أن إطارها الخشبي قد انكسر عند أحد الأطراف.
قلبت اللوحة لتفحصها، فوجدت ورقة صغيرة عالقة خلف الغطاء الخلفي للإطار.
كانت الورقة صفراء، مهترئة من الأطراف، وكأنها بقيت مخبأة هناك سنوات طويلة.
فتحتها بحذر.
لم يكن فيها سوى سطر واحد مكتوب بقلم أسود:
«إذا كنت تقرأ هذه الرسالة، فهذا يعني أن المنزل اختارك أنت أيضًا.»
تجمّدت ميرا في مكانها.
أعادت قراءة الكلمات مرة، ثم ثانية، وثالثة.
لم يكن هناك اسم، ولا تاريخ، ولا أي تفسير آخر.
سمعت صوت خطوات تقترب من خلفها، فأسرعت بإخفاء الورقة داخل جيبها.
ظهرت بتول عند مدخل القاعة، وهي تحمل سلة من الملابس.
«ماذا تفعلين على الأرض؟»
رفعت ميرا اللوحة بسرعة.
«لقد سقطت. كنت أحاول إعادتها إلى مكانها.»
نظرت بتول إلى الإطار المكسور، ثم تنهدت.
«اتركيها الآن. سأبحث عن شيء لإصلاحها لاحقًا.»
هزّت ميرا رأسها، لكنها لم تتحرك.
كانت تفكر في الرسالة.
من كتبها؟ ولماذا أخفاها خلف اللوحة؟ وما معنى أن المنزل اختارها؟
رفعت عينيها نحو السلم، ثم نحو الباب المؤدي إلى الحديقة.
للمرة الأولى منذ وصولها، شعرت بأن المنزل لم يكن مجرد مكان قديم انتقلت إليه عائلتها هربًا من الديون.
كان هناك سرّ مدفون بين جدرانه.
وسواء أرادت ذلك أم لا، فقد بدأت تقترب منه.
في تلك اللحظة، دوّى صوت هاتف خالد من الغرفة المجاورة، ثم سمعته يجيب عن مكالمة لم تستطع تمييز كلماتها.
لم تهتم ميرا بالمكالمة، ولم تحاول الاستماع إليها.
فقد كانت منشغلة بالورقة التي تخفيها في جيبها، وبالسؤال الذي لم تستطع إخراجه من رأسها:
ماذا حدث في هذا المنزل قبل أن نأتي إليه؟
لم تكن تعرف أن الإجابة ستغيّر حياتها إلى الأبد.
ولم تكن تعرف أن بعض الحقائق، حين تُكتشف، لا تمنح أصحابها النجاة...
بل تجعلهم هدفًا للسر الذي حاولوا كشفه
يتبع....