بداية الاضطراب
5 دقائق قراءة · 941 كلمة
تضغط نورة الأحمد على زر الإنهاء بهاتفها، مُنهيَّةً بثًّا مباشرًا آخر على حسابها الشهير في إحدى منصات التواصل الاجتماعي. بدا صوتها مليئًا بالحماس أمام الكاميرا، وعيناها تلتمعان بمعانهما المعتاد، لكن ما إن ينطفئ ضوء تسجيل الكاميرا حتى يتلاشى شيء من ذلك البريق المصطنع. تنتقل نظراتها من شاشة الهاتف التي تُظهر آلاف التعليقات والإعجابات إلى المرآة أمامها، فتُطيل النظر في عينيها وكأنها تبحث هناك عن بقايا صدقٍ أو إحساسٍ حقيقي.
رغم كل الضجيج الإلكتروني حولها، تشعر نورة بحزن خفي وعلامة استفهام تزداد اتساعًا في داخلها: "هل هذا هو كل شيء؟ أين أنا حقًّا من كل ما يحدث؟" سؤال لطالما حاولت تجاهله، لكنه كلما تصاعدت شهرتهـا، ازداد هذا الشعور بالتناقض والضيق.
تعمل نورة بجدٍ على حساباتها منذ سنوات، بدعمٍ معنوي واستشارات إدارية من صديقتها الأقرب رنا، التي أصبحت مديرة أعمالها فيما بعد. منذ أن ذاع صيت نورة وأصبحت "الوجه الإعلاني" لعددٍ من العلامات التجارية، لم تعد حياتها كما كانت. جدول مزدحم، تصوير يومي، تعليقات المعجبين، منتجات وتعاونات، ورحلات سريعة لحضور فعاليات فاخرة. غير أن قلبها يشكو من فراغٍ لا تعوِّضه أي هدية باهظة ولا لفتة إعلامية براقة.
بعد انتهاء البث بقليل، دخلت رنا إلى غرفة الاستديو المنزلي الذي أعدّته نورة في شقتها. كانت تحمل بيدها هاتفًا وتقرأ منه بعض الأرقام والتقارير:
رنا (بحماس مشوب بالجدية): "الأرقام رائعة اليوم! مشاركات الجمهور ارتفعت بصورة مهولة، هل رأيتِ عدد المتابعات الجديدة؟ هذا الأسبوع فقط تجاوزنا عشرة آلاف حساب جديد!"
نورة (بابتسامة باهتة): "صحيح… الحمد لله."
تلمح رنا فتور صديقتها، فتنظر إليها باهتمام يغلّفه نوع من الشك:
رنا: "ما بكِ؟ تبدين مرهقة، هل هناك خطب؟"
نورة: "أنا فقط متعبة من التكرار… كل يوم بث، كل يوم دعاية… أتساءل إن كنت قد فقدت حماسي الحقيقي."
تبتسم رنا ابتسامة مطمئنة وهي تضع يدها على كتف نورة:
رنا: "لا تقلقي يا نورة، هكذا هو ثمن النجاح. انظري إلى كل الحسابات التي تحاول تقليدنا، نحن في المقدمة دائمًا. لقد ضحيتِ بالكثير لتصلي إلى هنا، لا تتراجعي الآن."
ربما كانت كلمات رنا تحمل قدرًا من الصدق، لكن ما لم تدركه نورة في تلك اللحظة هو أن علاقة العمل المشترك بينهما كانت تحمل أكثر مما يظهر على السطح. علاقة معقّدة نسجتها المصالح والإعجاب بالنجاح السريع، مشبّعة بإغراءات الصفقات الكبرى وتضخيم حجم الحسابات والمتابعين. في تلك الأثناء، لم تكن نورة تعرف شيئًا عن خيوط الغيرة أو الأطماع التي قد تختبئ خلف ابتسامة أقرب الناس إليها.
في زاوية أخرى من حياة نورة، هناك من يراقب بفرحٍ كلُّ إشراقةٍ تظهر على ملامحها، ذلك هو خطيبها الذي تعرّفت عليه منذ عامٍ تقريبًا. لم يتسنَّ لنورة مساء ذلك اليوم أن تجتمع به بسبب جدول أعماله المزدحم واجتماعاته الكثيرة. فقد كان يعمل، حسب قوله، في إحدى المؤسسات التجارية الرائدة، ويسعى لتوسيع نفوذه. وعلى الرغم من غيابه المتكرّر، كانت نورة تشعر بالاطمئنان لوجوده في حياتها – أو على الأقل هذا ما أوحت به تصرّفاتها أمام الناس.
تزداد ضغوط نورة عندما تتلقى في اليوم التالي دعوة عاجلة من إحدى الشركات الراعية لحضور حدث ضخم يشارك فيه كبار الشخصيات التجارية في المدينة. وتحديدًا، قيل لها إن رجل الأعمال الشاب ياسر العمري سيكون حاضرًا. قيل عنه الكثير: يكره الأضواء، لا يمتلك أي حساب رسمي على السوشيال ميديا، ومع ذلك تتحدث عنه الصحافة كمستثمر شاب واسع النفوذ يعمد إلى توسيع أعماله دون ضجة. يتناقض تمامًا مع عالم نورة، فتشعر باستغرابٍ وفضول تجاهه في آنٍ واحد.
تتحمّس رنا لهذه المناسبة لأنها ترى فيها فرصة لتعزيز مكانة نورة، وربما التعاقد على مزيد من الإعلانات. تبدأ التحضيرات على قدمٍ وساق، الملابس المبهرة، الحضور الإعلامي، تجهيز الكلمات الافتتاحية، وكل ما يلزم كي تظل نورة تحت الأضواء.
لكن في مساء اليوم السابق للحدث، يحدث ما لم يكن في الحسبان.
يصل إلى نورة مقطع مصوّر غريب عبر رسالة مجهولة على حسابها. يظهر في المقطع تسريب محادثات “سرّية” تتحدث عن شرائها لعددٍ كبيرٍ من المتابعين الوهميين، وعن تلاعبٍ بالأرقام الذي تقوم به رنا نيابةً عنها. يتضمن المقطع أيضًا تلميحات عن علاقتها بخطيبها الذي يبدو أنه لا يحمل لها مشاعر صادقة، بل يوظّف شهرتها لاستقطاب deals وصفقات لصالح عمله.
ترتجف يدا نورة وهي تشاهد الفيديو عدة مرات، تتداخل الصور والعبارات أمام عينيها. صحيح أنها سمعت من قبل بمسألة شراء المتابعين، لكنها لم تتوقع أن يظهر الموضوع للعلن بهذا الشكل الصادم. والأدهى من ذلك ما ورد عن خطيبها واستغلاله لإسمها! تشتعل التساؤلات في رأسها: "كيف وصل هذا المقطع إلى هنا؟ ومن يقف وراءه؟ هل هي مؤامرة من حسابات حاقدة؟ أم شيء آخر؟"
تصيبها الحيرة والهلع في آنٍ واحد. ما يثقل قلبها هو أن تلك الكلمات في الفيديو تحمل جزءًا من الحقيقة التي كانت تحاول تجاهلها: لقد سمعت أكثر من مرة من هنا وهناك عن حجم المتابعين "الغير حقيقيين" في صفحتها، لكن رنا كانت تبرّر لها بأن ذلك يدخل في إطار "الدعاية المشروعة" وأن "الجميع يفعلون ذلك".
تجلس نورة على الأريكة في زاوية غرفتها، وسط أضواء خافتة، تشعر أن عالمها المضيء بدأ يخفت شيئًا فشيئًا. كيف ستواجه الناس إن علموا أنها لم تكن النجمة التي رسمتها لهم؟ والأصعب من ذلك: كيف ستتعامل مع حقيقة خطيبها إن تبيّن أن الفيديو صحيح؟
تحاول نورة لملمة أفكارها واستيعاب الصدمة، تُمسك بهاتفها لتتصل برنا ولكنها تتردد. هل رنا جزء من هذه المؤامرة؟ أم أنها أيضًا ضحية كالآخرين؟ ما الذي ينبغي عليها فعله في هذه اللحظة الحرجة؟
في تلك الليلة، تنقلب حياة نورة رأسًا على عقب، لكنها لا تُدرك أن الصدمات التي تنتظرها قد تكون أقسى وأعمق. الدموع تغلبها، ولكنها في ذات اللحظة تستشعر بداخلهـا شيئًا مختلفًا، كإنذارٍ بأن هناك انهيارًا كبيرًا قادمًا، وربما بعده ولادة جديدة.
عندما ينبلج الفجر، تكون نورة قد قضت ليلةً بيضاء تتقلب في القلق والخوف. تنعقد عزيمتها على فعل شيء، أي شيء، قبل أن يتداول الناس هذا المقطع ويصل الأمر إلى نقطة اللاعودة.
وبينما تتأرجح أفكارها بين الخذلان والرغبة في الحفاظ على ما تبقى من سمعتها، يرن هاتفها لتنطلق سلسلة أحداثٍ ستغيّر مجرى كل شيء.
عند بزوغ صباح جديد، تدرك نورة أنّ الحقيقة المؤلمة التي كشفتها المقاطع المسرّبة ليست سوى بداية لانهيارٍ أعمق. فهل سيكون انهيار وهمها هو الخطوة الأولى نحو اكتشاف ذاتها الحقيقية؟