العاصفة الإعلامية
6 دقائق قراءة · 1,188 كلمة
تستيقظ نورة في صباح اليوم التالي على خفقات قلبٍ متسارعة، وكأن صوت دقاتها يملأ الغرفة الخاوية من حولها. بالكاد نجحت في إغماض عينيها لساعاتٍ معدودة، مع كمّ الأسئلة والشكوك التي نَخرت تفكيرها طوال الليل. تتلفّت حولها بقلق، يُطالعها هاتفها الصامت على المنضدة، وكأنها تخشى مواجهته أكثر من أي شيء آخر في تلك اللحظة.
مع ضوء الشمس المتسلّل من النوافذ، تقرّر نورة أخيرًا أن تتعامل مع الأمر وجهاً لوجه. تلتقط الهاتف وتنظر في التنبيهات: رسائل كثيرة، مكالمات فائتة، إشعارات من كل التطبيقات التي تملكها تقريبًا. تحاول في البداية أن تمسح بصرها عن الإشعارات المتعلّقة بالتسجيل المسرّب، لكن لا مفرّ من الحقيقة.
تغمض عينيها لثوانٍ قبل أن تفتح صفحة أحد حساباتها على منصة التواصل. سرعان ما تتكشّف أمامها العاصفة: تعليقات حادّة تتساءل عن صحة الفيديو، تساؤلات جارحة حول شراء المتابعين، أصوات ساخرة تستنكر “الكذبة الكبيرة” التي بَنَت عليها نجاحها، وآخرون يدّعون “مصداقية” التسجيل المسرب. وبين حفنة التعليقات الحادة، تجد بعض الرسائل من متابعين أوفياء ما زالوا يدافعون عنها، لكن أصواتهم تبدو ضعيفة مقارنةً بالصخب العدائي ضدها.
تستجمع نورة شتات أعصابها وتتجه نحو المطبخ لإعداد كوبٍ من القهوة؛ فعلٌ تراه بسيطًا، لكنه يمنحها قليلاً من السلام المؤقّت. تشرب رشفة أو اثنتين، قبل أن تلتقط هاتفها وتتصل برنا وهي تحاول كبت ارتجاف صوتها:
نورة (بصوت مرتبك): "رنا… شفتِ اللي صار؟"
رنا (بنبرة هادئة على غير المعتاد): "نعم… شفته. فيديو غير حقيقي وكلّه افتراءات."
نورة: "وكيف ظهر للناس؟ وما قصة المحادثات؟ أنا… أنا مش فاهمة."
رنا (بتنهيدة): "فيما يخصني، الموضوع ببساطة تسريب من إحدى الجهات المنافسة، هم يحاولون تشويه سمعتنا. سنردّ ببيان قوي ننفي فيه كل ما ورد، وسنهدّد بالملاحقة القانونية."
تُنهي نورة المكالمة وهي لا تشعر براحة حقيقية. كلام رنا يبدو منمقًا ومباشرًا أكثر مما يجب، وكأنها تردّد نصًا حافظته عن ظهر قلب. لكن نورة تحاول التمسّك بأي خيط أملٍ يبعد التهمة عنها، خاصةً وهي ما تزال في حالة صدمة.
تتسابق وسائل الإعلام في إشعال الفضيحة أكثر. صفحات الأخبار الرقْمية تتناقل الخبر، تحت عناوين ساخنة مثل: "حقيقة المؤثرة الشهيرة"، "نورة بين الوهم والحقيقة"، و"فضيحة تزوير أم سوء فهم؟". لدى كل شخص نظريته الخاصة، وكل قنوات اليوتيوب وبرامج التحليل تستغل الموقف لكسب المزيد من المشاهدات.
بسبب الضغط الهائل، تبدأ نورة بإغلاق جهازها المحمول أكثر من مرة خلال اليوم، غير قادرة على تحمل سيل التعليقات والشتائم من بعض الحسابات المعروفة بتصيد الفضائح. في إحدى المرات، تضطر إلى إعادة تشغيله للرد على اتصال من خطيبها الذي ظلّ صامتًا منذ الليلة الماضية.
خطيب نورة (بنبرة جامدة بعض الشيء): "كيف حالك الآن؟ سمعت عن المشكلة الدائرة."
نورة (بخوف واضح): "لا أعلم ما أقول… الكل يهاجمني على السوشيال ميديا. هل تعلم شيئًا عن هذا التسريب؟"
خطيبها: "أبدًا، ولا أدري كيف حدث. عمومًا لا تقلقي، سيتضح كل شيء. لكن حاولي أن تظهري أقوى من ذلك في المنصّات، الناس لا تحترم الشخصية الضعيفة."
شعرت نورة ببرودة رده وكأن تعاطفه معها أمر ثانوي. كانت تنتظر منه مواساة صادقة أو كلمة تريحها من الهواجس، لكنه بدا مشغولاً بكيفية تخطّي الأزمة إعلاميًا بدل التفكير بمشاعرها. تتركها المكالمة في حيرة أشدّ، متسائلةً عما إذا كان الفيديو على حق عندما اتهمه باستغلال شهرتها.
في المساء، تصرّ رنا على حضور نورة للحدث التجاري الضخم؛ ترى أنه لا مجال للاختباء في المنزل وترك الشائعات تتحوّل إلى واقع. تظهر رنا في شقة نورة وهي تحمل حقيبة ملابس فاخرة وتلتمع عيناها بإصرار جاف:
رنا (بحزم): "اسمعيني، لو بقينا مختبئتين، سيظن الناس أننا مذنبتان بالفعل. يجب أن نوقف هذه الشائعات من خلال الظهور والإعلان عن ثقتنا بأنفسنا وبمشروعنا. هذه هي أفضل خطة حالياً."
رغم تعب نورة واستنزافها العاطفي، تقتنع بكلام رنا إذ لا ترغب في منح خصومها فرصة تشويه سمعتها أكثر. ترتدي فستانًا أنيقًا لكن محتشمًا، ويزين وجهها مكياج خفيف يوحي بالقوة بلا مبالغة. تنطلقان سويًا إلى ذلك الحدث الذي يجمع مشاهير التواصل الاجتماعي ونجوم عالم المال والأعمال، وفي ذهنها سؤال واحد: "كيف سأواجه الناس بعد كل ما حصل؟"
عند وصولهما، تكتشف نورة أن الحفل يعجُّ بالوجوه المعروفة من صناع المحتوى ورجال الأعمال والصحفيين. وعلى الرغم من توافد الكثيرين، تشعر بنظراتٍ فضولية تتعقبها. تربكها تلك النظرات التي تحاول اختراق ملامحها بحثًا عن أدلة الإدانة أو النفي. تحاول نورة رسم ابتسامة متماسكة بينما تلتقط أنفاسها في ردهة القاعة الفسيحة.
بعد قليل، يُعلن مقدم الحفل عن بدء جلسة نقاشية يديرها خبير اقتصادي معروف، ويجلس إلى جانبه عدة شخصيات بارزة، من ضمنهم رجل الأعمال الشاب ياسر العمري. تشيح نورة برأسها لترى رجلاً طويل القامة، ملامحه هادئة، ونظراته تبدو مركزة على الحديث أكثر من اهتمامه بالجمهور. وحتى حين يصفّق الحضور لبعض الأفكار التي طرحها، يبقى ياسر متحفظًا، يُجيب بهدوءٍ ودون انفعال. يبدو مختلفًا تمامًا عن عالم المؤثرين الذين يعتمدون على التعبير والحركة للفت الأنظار.
تستمع نورة لبعض المداخلات بتركيز مشتت، فجزء من عقلها منشغلٌ في محاولة إدراك كيف يستطيع البعض إثارة الاهتمام دون أن يرغبوا فيه من الأساس. تشعر بنوع من الانجذاب لشخصية ياسر الهادئة؛ كيف يمارس أعماله بثقة دون الحاجة إلى استعراض أو استجداء إعجاب الآخرين؟
تنقضي الجلسة النقاشية، ويطلب مقدم الحفل من الحضور الانتقال إلى صالة جانبية للتعارف وتبادل الكروت المهنية. بينما تتحرك نورة برفقة رنا نحو الصالة، تُفاجأ بنظرات مكثفة من أكثر من شخص. يتقدم أحد الصحفيين نحوها بحماس مصطنع:
الصحفي: "مرحبًا أستاذة نورة، هل يمكنني الحصول على تعليق منكِ حول ما تم تداوله مؤخرًا عن التلاعب بأعداد المتابعين؟"
تتجمد نورة في مكانها للحظات، وترتبك؛ فهذه أول مواجهة وجهاً لوجه مع أحد الإعلاميين منذ تسريب الفيديو. تحاول تجميع شجاعتها لترد، لكن رنا تقفز بسرعة:
رنا (بابتسامة رسمية): "الموضوع قيد الملاحقة القانونية، وأي سؤال حول الفيديو سنجيب عنه في الوقت المناسب. لا توجد أي تصريحات في الوقت الحالي. شكرًا."
يسحب الصحفي مايكروفونه إلى الخلف، ويرمق نورة بنظرة تنتظر إجابة أخرى. تشعر نورة بالضيق من رد رنا السريع، وتهمّ بالتعليق بشيء ما، لكنها تضطر لمجاراة خطتها.
تتحركان صوب ركن هادئ نسبيًا، عندها تلمح نورة رجلاً يقف أمام طاولة تقديم المشروبات، يستمع للحوار الدائر حوله بنصف اهتمام. تدرك أنه ياسر العمري. رغم الانشغال الواضح في ملامحه، تلتقط عيناه نظرة خاطفة نحو نورة، وكأنهما تلاقتا لثانية واحدة قبل أن يعود لتركيزه على الحديث مع رجل آخر. تشعر نورة برجفة خفيفة تعبر جسدها؛ ففي هذه النظرة الوجيزة، بدا لها وكأنه يرثي حالها – أو ربما يستنكر الضجة المحيطة بها.
يحاول بعض الحاضرين الاقتراب منها للتحية أو لالتقاط صور سريعة، لكنها تعتذر برقة متحججة بضرورة الإسراع نحو مكانٍ ما. في قرارة نفسها، تخاف أن تزيد هذه اللقاءات من اشتعال الشائعات أو الأسئلة التي لا تملك لها إجابات جاهزة.
بعد انتهاء الفقرة الرئيسية، تبدأ الأضواء بالخفوت تدريجيًا معلنة نهاية الحدث الرسمي. وخلال لحظات الزحام الأخيرة، تتلقى نورة رسالة على هاتفها من رقم مجهول:
"ظننتِ أن التجاهل سيحل المشكلة؟ ما ظهر حتى الآن ليس سوى البداية. إن كنتِ تظنين أن بإمكانكِ إنكار كل شيء، فانتظري المزيد."
تتسع عينا نورة، وتشعر بوخزة قوية في صدرها. تظهر على شاشة الهاتف صورة مقتطفة من محادثة قديمة بينها وبين رنا، تتضمن معلومات حساسة عن إحدى الحملات الإعلانية وكيف تم التلاعب في تحقيق أرقام عالية بالمقابل المالي. الصورة تحمل تاريخًا عائدًا إلى قبل عدة أشهر، وتكشف تنسيقًا خفيًّا لمضاعفة الأرباح عبر تضخيم البيانات.
ترفع نورة عينيها بذهول، وتلتقي نظراتها مجددًا بنظرات ياسر العمري الذي تصادف مروره على مقربة منها. في تلك الثانية، تحتار نورة في تفسير نظرته: هل رآها وهي تضطرب من فحوى الرسالة؟ أم أنه بقي على حياده المعتاد؟
بينما تغادر نورة المكان وقلبها مثقل برسالة التهديد، تدرك أن العاصفة الإعلامية ليست سوى البداية. هناك أطراف خفية تسعى لإغراقها في مزيدٍ من الفضائح، وأقرب الناس إليها قد يكونون جزءًا من هذه المؤامرة المظلمة. فهل ستنجح في النجاة وسط أمواجٍ متلاطمة من الأكاذيب والتهديدات؟