الذاكرة التي لم تكن لك
4 دقائق قراءة · 633 كلمة
كنت تظن أن النوم ينتهي دائمًا عند اللحظة التي تفتح فيها عينيك، وأن كل ما يحدث داخله يبقى محصورًا بين بدايته ونهايته، ولا يجد طريقًا إلى العالم الذي تعيش فيه. لكن في ذلك الصباح، عندما فتحت عينيك، لم يكن أول ما شعرت به هو النعاس، بل إحساس غريب بأنك كنت في مكان آخر قبل لحظات، مكان لا تستطيع تذكّره مهما حاولت.
بقيت مستلقيًا للحظات، تحدّق في السقف دون أن تتحرك. كان هناك شيء عالق في ذهنك، لا تستطيع الإمساك به. لم تكن صورة واضحة ولا صوتًا محددًا، بل إحساسًا بأنك رأيت شيئًا مهمًا، شيئًا كان يجب ألا تنساه بهذه السرعة. أغمضت عينيك مرة أخرى، محاولًا استعادة اللحظات الأخيرة من الحلم، فظهرت أمامك صورة خاطفة لمكان واسع تحيط به العتمة، ثم اختفت قبل أن تتمكن من معرفة أين كنت.
فتحت عينيك بسرعة وحاولت استعادة الصورة، لكن عقلك لم يمنحك سوى فراغ غريب. كلما حاولت الاقتراب من التفاصيل، شعرت بأنها تبتعد أكثر. لم يبقَ في ذهنك سوى إحساس لا تفسير له، كأنك لم تكن تحلم بمكان تراه للمرة الأولى، بل بمكان تعرفه جيدًا، من دون أن تعرف متى رأيته.
نهضت من سريرك وأكملت صباحك كالمعتاد، محاولًا ألا تعطي الأمر أهمية. لم تكن من الأشخاص الذين يبحثون عن معنى لكل حلم، وكنت تعرف أن العقل قادر على صناعة صور غريبة أثناء النوم، ثم محوها بعد الاستيقاظ. أقنعت نفسك بأن ما حدث لا يستحق التفكير، ومضيت في يومك، غير مدرك أن الصورة التي حاولت نسيانها لن تتركك بسهولة.
مرّت ساعات قبل أن يعود إليك ذلك الإحساس. كنت في مكان عادي، وسط أشخاص وحركة يومية لا تحمل شيئًا مميزًا، عندما وقع نظرك على رجل يقف على مسافة منك. لم تكن تعرفه، ولم تتذكر أنك رأيته من قبل، ومع ذلك شعرت للحظة بأن شيئًا داخلك قد توقّف.
لم تكن ملامحه أو ملابسه هي ما أثار ذلك الشعور، بل إحساس ظهر في داخلك فور التقت عيناك بعينيه. شعرت أنك تعرفه، لا معرفة عابرة، بل معرفة قديمة لا تستطيع تحديد بدايتها. بقيت تنظر إليه لثوانٍ، محاولًا العثور على أي ذكرى تربطك به، لكنك لم تجد شيئًا.
ثم حدث ما زاد حيرتك.
بدا الرجل وكأنه يحاول تذكّر شيء ما أيضًا. ظل ينظر إليك للحظات، ثم أشاح بنظره، كأنه قرر ألا يطيل النظر. لم يحدث بينكما أي حديث، ولم يقترب منك أحد. وبعد لحظات، اختفى الرجل بين الناس كما ظهر، تاركًا وراءه شعورًا لم تعرف كيف تتخلص منه.
حاولت أن تنسى الموقف، لكنك، بعد أن ابتعدت قليلًا، رأيت شيئًا جعلك تتوقف دون قصد.
كان هناك باب.
لم يكن مميزًا بما يكفي ليجذب انتباه أي شخص آخر، لكنك شعرت تجاهه بشيء مختلف. وقفت أمامه للحظات، وسرت قشعريرة خفيفة في جسدك. لم تفهم سببها في البداية، ثم أدركت فجأة ما الذي أثارها.
لقد رأيت هذا الباب من قبل.
لكن ليس في مكان تتذكر أنك زرته في الواقع.
عاد إليك شكله ومكانه كما ظهرا في الصورة الخاطفة التي رأيتها بعد استيقاظك، ومعهما الإحساس الغريب الذي رافقهما في الحلم.
تراجعت خطوة إلى الخلف، وظللت تحدّق فيه. حاولت إقناع نفسك بأن الأمر مجرد تشابه، وأن ذاكرتك ربما جمعت بين أشياء رأيتها في أماكن مختلفة وصنعت منها صورة واحدة أثناء النوم. كان هذا التفسير منطقيًا، أو هكذا حاولت أن تقنع نفسك.
لكن شيئًا في داخلك رفضه.
اقتربت من الباب ببطء ومددت يدك نحوه، ثم توقفت قبل أن تلمسه. لم تكن تعرف لماذا شعرت بالخوف، ولا ما الذي تتوقع أن يحدث إذا فتحته. كل ما كنت تعرفه أنك رأيت هذا الباب قبل ساعات، في مكان لا تستطيع تذكّره، وها هو الآن أمامك في الواقع.
رفعت يدك أخيرًا ولمست المقبض.
وفي اللحظة التي فعلت فيها ذلك، ظهرت في ذهنك جملة واضحة، كأنها خرجت من أعماق لا تستطيع الوصول إليها. لم تكن تعرف من قالها، ولا لمن كانت موجّهة، لكن كلماتها استقرت في رأسك كاملة:
«ستتذكر عندما يحين الوقت.»
سحبت يدك بسرعة.
نظرت حولك، وكأنك تتوقع أن يكون هناك شخص يراقبك، لكن المكان ظل كما هو. الناس يتحركون من حولك، والأصوات مستمرة، وكل شيء يبدو طبيعيًا.
إلا أنت.
لأنك في تلك اللحظة أدركت شيئًا لم تستطع تفسيره.
لم تكن المشكلة أنك رأيت هذا المكان في حلمك.
المشكلة أنك شعرت، للمرة الأولى، أن الحلم لم يكن حلمًا أصلًا.