قبل ان تولدبقلم صدى القارئ فصل 2

ذكرى لم تحدث

4 دقائق قراءة · 673 كلمة

لم تستطع البقاء أمام الباب أكثر من ذلك. سحبت يدك من المقبض وابتعدت عنه ببطء، بينما ظلت الجملة التي ظهرت في ذهنك تتردد دون توقف: «ستتذكر عندما يحين الوقت». لم تكن تعرف إن كانت ذكرى حقيقية أم مجرد وهم صنعه عقلك في تلك اللحظة، لكن أكثر ما أزعجك أنها لم تبدُ لك كجملة تسمعها للمرة الأولى.

حاولت تجاهل الأمر، وقلت لنفسك إن العقل يفعل أشياء غريبة أحيانًا، وإن التعب قد يجعل الإنسان يربط بين أمور لا علاقة بينها. لكنك، رغم محاولتك إقناع نفسك بذلك، لم تستطع التخلص من الإحساس الذي رافقك منذ رأيت الباب. كان هناك شيء في ذلك المكان يجعلك تشعر بأنك تعرفه، لا لأنك زرته من قبل، بل لأن جزءًا منك كان يتعامل معه كما لو أنه لم يكن غريبًا عليك قط.

واصلت السير محاولًا الابتعاد عن ذلك الشعور، إلى أن مررت برجل لم تنتبه إلى وجوده إلا عندما بدأ يتحدث. لم يكن في مظهره ما يلفت الانتباه، ولم تكن تعرفه، لكنك شعرت بشيء غريب قبل أن ينطق بكلمته الأولى. بدت لك الجملة التي سيقولها واضحة في ذهنك، وكأنك تعرفها قبل أن تسمعها.

قال الرجل: «أحيانًا، لا يكون النسيان هو المشكلة».

توقفت للحظة. لم تكن الجملة غريبة في حد ذاتها، لكنك شعرت بأنك سمعتها قبل أن ينطق بها. حاولت أن تتذكر إن كان قد قال شيئًا مشابهًا في وقت سابق، أو إن كنت قد قرأت العبارة في مكان ما، لكنك لم تجد ذكرى تفسر ذلك الإحساس. وحين رفعت عينيك إليه، كان قد تجاوزك ومضى في طريقه، تاركًا خلفه سؤالًا واحدًا: كيف عرفت ما سيقوله قبل أن يقوله؟

حاولت إقناع نفسك بأن الأمر مجرد مصادفة، وأنك ربما توقعت الجملة من دون أن تنتبه إلى ذلك. لكن ما حدث بعد قليل جعل تفسيرك أقل إقناعًا.

في مكان آخر، وجدت نفسك وسط مجموعة من الأشخاص الذين لا تعرفهم، وفجأة راودك إحساس بأنك تعرف ما سيحدث أمامك. ستقع حركة بسيطة، وسيلتفت أحدهم، ثم سيسقط شيء قريب منه. لم تكن تعرف من أين جاءت هذه التفاصيل، لكنها ظهرت في ذهنك بوضوح لافت.

انتظرت.

حدثت الحركة.

التفت الشخص.

وسقط الشيء.

جرت الأحداث بالترتيب الذي شعرت به تمامًا، فتوقفت للحظة، تراقب ما حولك وكأنك تحاول التأكد مما رأيته للتو. لم يكن المشهد مخيفًا في حد ذاته، بل الطريقة التي سبق بها إحساسك تفاصيله. لم تكن تتوقع احتمالًا من بين احتمالات كثيرة؛ بل شعرت كأنك تعرف ما سيحدث بالفعل.

حاولت استعادة اللحظة في ذهنك، والبحث عن موقف سابق يشبهها، لكنك لم تجد تفسيرًا واضحًا. لم تكن تعرف الأشخاص، ولم تتذكر أنك زرت المكان من قبل، ولم يكن لديك سبب يجعلك تشعر بأنك عشت ذلك المشهد سابقًا. ومع ذلك، كان هناك فرق يصعب تجاهله بين أن تتوقع أمرًا قد يقع، وأن تشعر بأنك تعرف تفاصيله قبل أن تقع.

ومع مرور الوقت، بدأت تلاحظ أن الأمر لا يقتصر على المواقف وحدها. كانت بعض الوجوه تثير فيك الشعور نفسه؛ تنظر إلى أشخاص لا تعرفهم، فتشعر كأن بينك وبينهم معرفة قديمة لا تستطيع تفسيرها. لم يكن الأمر مجرد تشابه في الملامح، إذ لم تكن تتذكر وجهًا بعينه أو موقفًا جمعك بأحدهم. كان إحساسًا أعمق من ذلك، يتركك في كل مرة أمام السؤال نفسه: من أين يأتي هذا الشعور؟

في وقت لاحق، مررت برجل آخر لم تتذكر أنك رأيته من قبل. لم يكن بينكما حديث، ولم يفعل شيئًا يجذب انتباهك، لكنك حين نظرت إلى وجهه عاد إليك الإحساس ذاته. حاولت أن تجد تفصيلًا يفسر هذا الشعور، أو ذكرى تربطك به، إلا أنك لم تصل إلى شيء. مضى الرجل في طريقه، وبقي السؤال معك، أكثر إزعاجًا هذه المرة؛ فقد بدأ يتكرر على نحو يصعب عليك تجاهله.

عدت إلى المنزل وأنت تحمل أسئلة أكثر مما كنت تحمل في بداية اليوم. لم تعد المسألة مرتبطة بالباب وحده، ولا بالجملة التي ظهرت في ذهنك، ولا بالمشهد الذي شعرت أنك تعرف تفاصيله مسبقًا. بدت لك هذه الأمور متفرقة، لكنها كانت تلتقي عند نقطة واحدة: إحساس متكرر بأنك تعرف أشياء لا تملك ذكرى واضحة تفسر معرفتك بها.

جلست في هدوء تحاول ترتيب ما حدث، لكنك لم تستطع الوصول إلى نتيجة. لم يكن لديك دليل يثبت أن ما تشعر به يتجاوز المصادفة أو خداع الذاكرة، وفي الوقت نفسه لم تستطع تجاهل ما حدث لمجرد أنك لا تملك تفسيرًا له. بقيت بين احتمالين، لا تعرف أيهما أقرب إلى الحقيقة.

ثم تسللت إلى ذهنك فكرة لم تستطع إبعادها.

ماذا لو لم تكن ذاكرتك تستعيد الماضي... بل تتذكر شيئًا لم يأتِ بعد؟