البيت الذي تذكّره
4 دقائق قراءة · 608 كلمة
مرت ثلاثة أيام على تلك الليلة، لكن بالنسبة لمالك لم تمر بشكل طبيعي. كان يحاول أن يقنع نفسه أن ما رآه لم يكن سوى كابوس نتيجة إرهاق وضغط عمل، إلا أن ذلك الشعور الغريب الذي تركه الحلم لم يختفِ، بل بقي عالقًا في صدره كشيء غير مكتمل، وكأن جزءًا منه ما زال هناك في مكان آخر.
في كل مرة يغلق عينيه كان يعود إليه نفس المشهد: الشارع الضيق، المطر الصامت، والبيت الذي بدا وكأنه يعرفه دون سبب واضح، ثم تلك الجملة التي لم يستطع نسيانها… “الموعد حان”.
صباح يوم السبت، رن هاتفه فجأة. كان المتصل رجلًا مسنًا يدعى الحاج يوسف، يطلب مهندسًا لتقييم بيت قديم يملكه في أطراف المدينة تمهيدًا لترميمه وبيعه، ولم يجد مالك سببًا للرفض، فوافق وحدد موعدًا في نفس اليوم، رغم أن وصف المكان أثار داخله شعورًا غير مريح لم يستطع تفسيره.
أثناء قيادته نحو العنوان، بدأت المدينة تتغير تدريجيًا دون أن يلاحظ ذلك في البداية. المباني الحديثة بدأت تختفي، والشوارع أصبحت أضيق وأقدم، وكأن الطريق نفسه يعود به إلى زمن آخر، ومع كل كيلومتر كان القلق يتسلل إليه دون سبب واضح يمكن الإمساك به.
ثم بدأت السماء تتغير.
لم يكن الأمر مجرد غيوم، بل انطفاء تدريجي للضوء نفسه، قبل أن تهطل أمطار كثيفة بشكل مفاجئ وغريب، ومعها شعر بانقباض حاد في صدره عندما أدرك أنه وصل إلى الشارع الذي رآه في حلمه.
توقف داخل السيارة لثوانٍ طويلة يحدق بصمت، ثم نزل ببطء، وكل خطوة على الإسفلت كانت تحمل شعورًا مألوفًا بشكل مزعج، كأن جسده يعرف الطريق قبل أن يمنحه عقله الإذن بالفهم.
وفي نهاية الشارع… كان هناك السياج الحديدي المكسور نفسه.
تجمّد في مكانه، غير قادر على التصديق، لكن التفاصيل كانت مطابقة تمامًا: الانحناءات، الصمت، وحتى ذلك الإحساس الثقيل الذي بدأ يعود إلى صدره كما لو أنه لم يغب أصلًا.
اقترب ببطء، كأن شيئًا داخله يدفعه رغم مقاومته، حتى وصل إلى الباب الخشبي القديم الذي أصدر نفس الصوت الذي سمعه في حلمه، صوتًا يشبه الأنين أكثر من كونه حركة باب.
وفي تلك اللحظة، فتح الباب من الداخل.
ظهر الحاج يوسف، بابتسامة هادئة لا تعكس أي شيء غير طبيعي، وقال وكأن كل شيء عادي:
“أهلاً يا باشمهندس، الجو تغير فجأة… “تفضل قبل أن تبتلّ من المطر.”
دخل مالك دون أن يرد، لكن أنفاسه كانت أثقل من أن تُخفى. كل شيء داخل البيت كان مطابقًا لما رآه: الرطوبة، رائحة العفن، الغبار العالق في الهواء كأنه ثابت في مكانه، وحتى الدرج الخشبي الذي بدا وكأنه ينتظره منذ زمن.
حاول أن يقنع نفسه أنها مصادفة أو ذكرى قديمة نسيها، لكن الإحساس في صدره كان يرفض أي تفسير منطقي، وكأن هناك شيئًا أقدم من الذاكرة نفسها يعمل هنا.
بينما كان الحاج يوسف يتحدث عن الطابق الأول، كان مالك ينظر إلى الدرج بصمت، كأن شيئًا داخله يجذبه رغم خوفه، ثم استأذن للصعود بحجة المعاينة، وبدأ يصعد ببطء شديد، وكل خطوة كانت تعيد نفس الإحساس الذي ظن أنه انتهى في الحلم.
عند الطابق الثاني، كان الممر أطول مما يجب، وفي نهايته ظهر الباب الموارب نفسه.
اقترب منه، ونبضه يعلو بشكل غير طبيعي، ثم دفعه ببطء.
لكن الغرفة لم تكن كما كانت في الحلم.
لم يكن هناك ضوء أحمر، فقط غرفة عادية يغمرها ضوء النهار الخافت، مليئة بالغبار والصمت، فتوقف للحظة وشعر بشيء يشبه الراحة، كأنه نجا من شيء لم يبدأ بعد.
التفت ليغادر… لكن جسده توقف فجأة.
في زاوية الغرفة كانت هناك مرآة دائرية كبيرة مكسورة من المنتصف بخط مائل، تمامًا كما رآها.
اقترب دون أن يشعر، وعيناه معلقتان بها، وفوق الغبار كانت هناك مساحة نظيفة في المنتصف على شكل كف يد بشرية، كأن أحدهم لمسها منذ لحظات فقط.
وفي تلك اللحظة، انطفأ كل شعور بالراحة داخله.
شعر ببرودة شديدة تضرب كتفه الأيسر فجأة، كأن شيئًا غير مرئي قرر أن يعلن وجوده، فسقط أرضًا دون أن يصدر صوتًا، وآخر ما رآه كان انعكاس المرآة… قبل أن يغرق كل شيء في الظلام.