الموعد
3 دقائق قراءة · 575 كلمة
لم يكن مالك يؤمن بالأحلام، كان يرى أن كل شيء في الحياة يجب أن يكون واضحًا ومقاسًا ويمكن تفسيره، أما ما يأتي في النوم فكان بالنسبة له مجرد نشاط عقلي بلا قيمة، لكن تلك الليلة كسرت هذه القناعة بطريقة لم يكن مستعدًا لها.
نام كعادته بعد يوم طويل، أطفأ الضوء واستلقى محاولًا التخلص من التعب، لكن النوم لم يأتِ تدريجيًا كما يحدث عادة، بل سقط عليه فجأة كأن وعيه انطفأ بالكامل في لحظة واحدة دون مقدمات.
فتح عينيه فجأة، لكنه لم يكن في غرفته.
كان في شارع ضيق وغريب لا يعرفه، تحيط به بيوت قديمة مائلة تبدو كأنها فقدت الحياة منذ زمن طويل، وكان المطر ينزل فوقه لكن دون أي صوت، لا ارتطام ولا رياح، فقط ماء بارد يلتصق به بشكل غير مريح وكأنه لا ينتمي لهذا العالم.
حاول أن يستوعب ما يحدث، لكن جسده لم يكن ينتظر وعيه، فقد بدأ يتحرك ببطء نحو نهاية الشارع دون إرادته، وكل خطوة كانت تزداد ثقلًا وكأن الأرض نفسها ترفض تركه يمر، إلى أن وصل أمام سياج حديدي مكسور خلفه بيت منفصل عن كل شيء كأنه نُسي من العالم.
البيت كان بطابقين ويبدو مهجورًا منذ زمن طويل، لكن مجرد النظر إليه زرع داخله شعورًا غريبًا بعدم الارتياح، كأنه يعرف هذا المكان رغم أنه متأكد أنه لم يره في حياته، ومع ذلك استمر في الاقتراب دون أن يقرر ذلك.
الباب الخشبي انفتح من تلقاء نفسه بصوت بطيء طويل يشبه الأنين، ولم يكن هناك أحد ينتظره، لكن الداخل كان يدعوه بطريقة غير مفهومة، فدخل وهو يشعر أن الهواء داخل البيت أثقل وأبرد من الخارج.
في الداخل كان الغبار معلقًا في الهواء بشكل غير طبيعي كأنه لا يسقط، ورائحة الرطوبة كانت خانقة لدرجة جعلت التنفس أصعب، بينما الدرج الخشبي صرخ تحت قدميه بصوت متأخر وكأن البيت لا يعترف بحركته فورًا.
صعد إلى الطابق الثاني ليجد ممرًا أطول مما يجب أن يكون داخل بيت عادي، وفي نهايته باب موارب يخرج منه ضوء أحمر خافت لا يشبه أي إضاءة طبيعية، فشعر بثقل في صدره لكنه استمر رغم إحساسه أن شيئًا ما يمنعه من التقدم.
عندما دفع الباب دخل غرفة شبه فارغة لا تحتوي سوى على مرآة دائرية كبيرة مكسورة من المنتصف، وقف أمامها لكنه لم يرَ انعكاسه، بل رأى خلفه شيئًا طويلًا جدًا يقف في المكان الخطأ وكأنه ليس جزءًا من هذا العالم، ثم شعر أن هناك حضورًا حقيقيًا خلفه رغم أنه لم يلتفت.
جاء الصوت من خلف أذنه مباشرة، قريبًا بشكل مستحيل، وهمس ببرود:
“تأخرت.”
تجمد جسده بالكامل، وكأن الهواء توقف داخل صدره، ثم لمس شيء بارد عنقه، ليس يدًا ولا مادة، بل إحساسًا بوجود قرار يُتخذ ضده.
ثم جاء الصوت مرة أخرى، أعمق وأقرب:
“الموعد حان.”
وفي اللحظة نفسها اخترق ألم حاد كتفه الأيسر، لكنه لم يكن طعنة، بل إحساسًا بأن شيئًا يُزرع داخله ببطء ليجعله جزءًا من هذا المكان.
ثم انقطع كل شيء فجأة.
استيقظ مالك وهو يلهث بعنف، وكأن الهواء أُعيد إلى رئتيه بالقوة، بينما العرق يغطي جسده رغم برودة الغرفة وصمتها الكامل.
نظر حوله ببطء، يتأكد أنه عاد إلى الواقع، لكن الإحساس داخله لم يكن يشبه أي حلم انتهى، بل كأنه شيء توقف فقط في منتصفه.
نهض بصعوبة واتجه نحو الحمام ليغسل وجهه ويحاول طرد ما رآه من رأسه، وكأن الماء قادر على مسح ما علق في ذاكرته.
وقف أمام المرآة لثوانٍ طويلة بصمت، ثم همس بصوت منخفض كأنه لا يصدق:
“مجرد حلم…”
لكن حتى هو لم يكن مقتنعًا بما قاله، لأن الألم داخل كتفه كان حقيقيًا بشكل مزعج لا يمكن تفسيره.
وخارج الحمام، في عمق الشقة، كان هناك شيء لا يتحرك… لكنه موجود.
شيء لم يعد ينتظر أن يستيقظ أحد… بل ينتظر أن يبدأ ما بعد الاستيقاظ.