الجيل بلا حدودبقلم صدى القارئ فصل 1

معجزة النبض الأول

5 دقائق قراءة · 815 كلمة

في أواخر القرن الحادي والعشرين، لم تعد الولادة مجرد بداية لحياة جديدة، بل أصبحت بدايةً لمشروع أكبر بكثير. في المستشفيات الحديثة، حيث غلب البياض على كل شيء، وحيث كانت الأجهزة تعمل بصمت لا يتوقف، كان الأطفال حديثو الولادة يمرون، بعد ساعات قليلة من صرختهم الأولى، عبر غرفة صغيرة مخصصة لإجراء أصبح طبيعيًا إلى درجة أن أحدًا لم يعد يتساءل عن خطورته. شريحة صغيرة، لا يتجاوز حجمها رأس الدبوس، تُزرع في مؤخرة الرأس. لم تكن العملية تستغرق أكثر من دقائق، وكانت النتيجة، كما وعدت الشركات والحكومات والعلماء، تستحق كل شيء.

"الجيل بلا حدود... أطفال لا ينسون، ولا يعجزون عن الفهم."

كان ذلك الشعار يملأ الشاشات في كل مكان عندما أُطلق المشروع للمرة الأولى. وبعد تسعة عشر عامًا، لم يعد أحد بحاجة إلى الدعاية لإثبات نجاحه. أطفال في السابعة يتعلمون لغات احتاج أسلافهم إلى سنوات لإتقانها، وأطفال في العاشرة يتعاملون مع مسائل علمية كانت تُدرّس سابقًا في الجامعات. وتراجعت معدلات الفشل الدراسي إلى مستويات لم تعرفها البشرية من قبل. كان العالم يعتقد أنه انتصر أخيرًا على أبطأ عيوب العقل البشري: النسيان، وبطء التعلم، وصعوبة استيعاب المعرفة.

وفي الطابق الخامس والأربعين من مركز الأبحاث السلوكية، كان ليث ينظر إلى الأرقام التي تثبت ذلك الانتصار. كان في التاسعة عشرة من عمره، وينتمي إلى أول جيل زُرعت في أدمغته الشرائح منذ الولادة. جلس أمام شاشة شفافة مائلة، تتدفق عليها عشرات الرسوم البيانية في وقت واحد. لم يكن بحاجة إلى وقت طويل لفهمها. كانت الشريحة الموجودة في مؤخرة رأسه تلتقط البيانات وترتبها، ثم تعرض العلاقات بينها داخل عقله بسرعة جعلت التفكير يبدو أحيانًا أقرب إلى رؤية الإجابة قبل الوصول إليها.

مرر يده أمام الشاشة، فتبدلت الصفحات. على بُعد خطوات منه، كانت سارة تراجع نتائج التقييم السنوي لطلاب المرحلة الابتدائية. قالت دون أن ترفع عينيها: "معدلات الاستجابة الذهنية ارتفعت هذا الشهر بنسبة أربعة في المائة." توقف ليث عن تحريك يده. "أربعة في المائة؟" قالت: "بالضبط." رفعت رأسها ونظرت إليه. "بعض الأطفال في العاشرة أصبحوا قادرين على استيعاب مفاهيم فيزيائية كانت تحتاج سابقًا إلى سنوات من الدراسة." ابتسم ليث. "وهذا ما وعدوا به قبل تسعة عشر عامًا." ثم أسند ظهره إلى المقعد وقال: "جيل لا ينسى، ولا يتعب من التعلم." قالت سارة بهدوء: "جيل لا حدود له."

ساد الصمت لثوانٍ. لم يكن في القاعة شيء يوحي بأن هناك خطبًا ما. كل شيء كان يعمل كما ينبغي: الأجهزة، والخوادم، والشاشات، والآلاف من البيانات التي كانت تصل كل دقيقة من مراكز التقييم المنتشرة حول العالم. لكن أثناء انتقال ليث بين التقارير، توقفت عيناه عند رسم بياني صغير. لم يكن الرقم مرتفعًا بما يكفي ليجذب انتباه أي شخص، ولم يكن هناك إنذار أحمر. فقط خط دقيق يتحرك بطريقة مختلفة عن بقية المؤشرات.

فتح التقرير، فتوسعت البيانات أمامه. قرأها مرة، ثم أعاد قراءتها. كانت الشريحة تعمل بكفاءة كاملة أثناء قيام الأطفال بمهام تتطلب تركيزًا وتحليلًا مرتفعًا، لكنها لم تكن تعتمد على مصدر الطاقة المزود لها وحده. كان هناك استهلاك آخر، ضئيل جدًا، مستقر جدًا، ومرتبط بنشاط منطقة محددة في الدماغ.

كبّر ليث الرسم البياني. ظهرت أمامه المنطقة المسؤولة عن عدد من الوظائف المهمة، من بينها المشاعر والتخيل واتخاذ القرارات. ظل يحدق فيها للحظات. كانت البيانات لا تشير إلى تلف أو خلل، بل إلى شيء آخر. كلما ارتفع مستوى التركيز الذهني لدى الطفل، انخفض نشاط تلك المنطقة بمقدار صغير جدًا، ثم تعود المستويات إلى طبيعتها.

في البداية.

لكن عندما قارن ليث النتائج بسجلات أخرى، لاحظ شيئًا جعله يعبس. النمط نفسه. في طفل، ثم آخر، ثم مئات الأطفال، ثم آلاف. النسب متقاربة إلى حد غريب.

قالت سارة من خلفه: "وجدت شيئًا؟"

لم يجب فورًا. ظل يمرر الملفات أمامه. ثم قال: "هناك نمط يتكرر."

اقتربت سارة. "أي نمط؟"

أشار إلى الشاشة. "أثناء التحليل المكثف، الشريحة تخفّض نشاط منطقة في مقدمة الدماغ."

نظرت سارة إلى الشاشة. "المنطقة المسؤولة عن المشاعر والتخيل؟"

أومأ ليث. "نعم."

قالت: "وهذا طبيعي؟"

تردد ليث للحظة. كانت الفكرة منطقية. الشريحة مصممة لتحسين التركيز، وإذا كان النشاط العاطفي أو التخيل العفوي يمكن أن يشتت الطفل عن المهمة، فمن الطبيعي أن تقوم المنظومة بخفضه مؤقتًا.

قال: "بحسب النظام، نعم."

أغلقت سارة التقرير. "إذن لا يوجد ما يدعو للقلق."

أعاد ليث النظر إلى البيانات. "يبدو ذلك."

لم يكن هناك شيء يدعو للقلق.

على الأقل، هكذا بدا الأمر.

قالت سارة: "اجتماع عرض النتائج السنوية سيبدأ بعد عشرين دقيقة."

نهض ليث من مقعده. "علينا الذهاب."

وفي اللحظة التي ابتعد فيها عن الشاشة، شعر بشيء في مؤخرة رأسه.

نبضة.

دافئة.

خفيفة.

استمرت لثانية واحدة فقط.

رفع يده ولمس المكان دون تفكير. لاحظت سارة ذلك. "ماذا حدث؟"

أنزل يده. "لا شيء."

ثم ابتسم. "مجرد نبضة."

لم تكن المرة الأولى. منذ طفولته، كان يشعر بها أحيانًا، نبضة هادئة في المكان الذي تستقر فيه الشريحة. وكان الأطباء قد أخبروه منذ سنوات أنها مجرد إشارة طبيعية إلى أن النظام يعمل بكفاءة. لم يفكر فيها أكثر من ذلك.

غادرا القاعة معًا. وخلفهما، استمرت الشاشات في عرض الأرقام. ملايين السجلات، ومليارات القياسات، وخط صغير لا يكاد يُرى، كان يتكرر في كل مرة يعمل فيها عقل بشري بكفاءة أكبر.

لم يكن أحد قد أعطاه اسمًا بعد.

ولم يكن أحد يعلم أن الشريحة التي صُممت لتمنح الإنسان عقلًا أقوى، كانت تتعلم شيئًا آخر؛ شيئًا لم يكن موجودًا في أي مخطط من مخططات المشروع.

وفي الخارج، كانت المدينة تستعد للاحتفال بمرور تسعة عشر عامًا على ولادة الجيل بلا حدود.

كان العالم يحتفل بأعظم إنجاز في تاريخ البشرية، بينما كان شيء ما، في أعماق ملايين العقول، قد بدأ بالفعل في التغير.