الجيل بلا حدودبقلم صدى القارئ فصل 2

العقول الزجاجية

6 دقائق قراءة · 1,041 كلمة

كانت القاعة الكبرى لمبنى التقييم تغصّ بالحضور. مئات الباحثين والمسؤولين التنفيذيين وممثلي وسائل الإعلام العالمية اجتمعوا لتغطية الحفل السنوي الذي يوافق مرور تسعة عشر عامًا على إطلاق مشروع الجيل بلا حدود. كانت الإضاءة الزرقاء تنعكس على الجدران اللامعة، بينما امتلأت الشاشات العملاقة بأرقام ونسب تُظهر الارتفاع الهائل في مستوى الذكاء وسرعة التعلم لدى الجيل الجديد. وقف ليث بجانب سارة بالقرب من أحد الممرات الجانبية، وبينما كانت القاعة تهتز بالتصفيق كلما ظهرت نتيجة جديدة على الشاشات، بقي ذهنه عالقًا عند ذلك الخط الصغير الذي رآه قبل قليل. لم يستطع أن ينسى الطريقة التي انخفض بها نشاط المنطقة المرتبطة بالمشاعر والتخيل كلما ارتفع تركيز الأطفال. ثم شعر بنبضة أخرى في مؤخرة رأسه، أقوى قليلًا من النبضة التي شعر بها في مركز الأبحاث. رفع يده للحظة، لكنه أنزلها سريعًا عندما بدأ التصفيق يعلو من جديد.

صعد الدكتور عادل إلى المنصة. كان المشرف العام على أبحاث التطوير السلوكي، وأحد العلماء الرئيسيين الذين شاركوا في تصميم الشريحة منذ بدايات المشروع. وقف أمام الحضور بثقة، وظهرت خلفه صورة ثلاثية الأبعاد لدماغ بشري تتوزع عليه عشرات المؤشرات المضيئة. قال بصوت واضح: "اليوم، لا نحتفل بالذكاء وحده، بل نحتفل بقدرة الإنسان على تجاوز الحدود التي ظلت تقيّد عقله لقرون. أطفالنا اليوم يتعلمون أسرع، يتذكرون أكثر، ويحللون المشكلات بدقة لم يكن من الممكن تخيلها قبل ظهور الشريحة. لقد نجحنا في جعل الدماغ يعمل بكفاءة أعلى من أي وقت مضى." انطلقت موجة جديدة من التصفيق، وابتسم الدكتور عادل قبل أن ينتقل إلى عرض النتائج التالية.

لكن ليث لم يصفق. التفت إلى سارة، فلاحظ أنها كانت تقف ساكنة تمامًا. لم يكن في وجهها شيء من الحماس الذي اعتاد رؤيته فيها. لا ابتسامة، ولا دهشة، ولا حتى محاولة لمشاركة الآخرين فرحتهم. كانت تنظر إلى المنصة بهدوء غريب، وكأنها تراقب تجربة علمية لا احتفالًا يشارك فيه مئات الأشخاص. قال لها بصوت منخفض: "سارة... ألا تشعرين أن هناك شيئًا غريبًا في المكان؟" التفتت إليه ببطء. "ما الذي تقصده؟" قال: "ردود أفعال الناس." نظرت إلى الحضور ثم عادت بعينيها إليه. "الجميع يتصرف بشكل طبيعي." هز ليث رأسه قليلًا. "لا أقصد أنهم يتصرفون بشكل خاطئ... أقصد أنهم متشابهون أكثر مما ينبغي." بقيت تنظر إليه لثوانٍ، ثم قالت بهدوء: "ربما لأن الناس أصبحوا أكثر قدرة على التحكم بأنفسهم." سكت ليث. كانت الجملة منطقية، لكنه لم يشعر بالارتياح لها.

ظل ينظر إلى سارة للحظة أطول. كانت صديقة عمره. يعرف ضحكتها منذ أن كانا طفلين، ويعرف كيف كانت تنفعل لأصغر الأشياء، وكيف كانت تتحدث بحماس عندما تجد فكرة جديدة، وكيف كانت تضحك أحيانًا بلا سبب. لكنه في الأشهر الأخيرة بدأ يلاحظ شيئًا تغير فيها. لم يكن تغيرًا واضحًا يمكن أن يضع له اسمًا، بل تفاصيل صغيرة تتراكم دون أن ينتبه إليها أحد. ضحكتها أصبحت أقل، انفعالاتها أصبحت أقصر، وحتى الأشياء التي كانت تثير فضولها لم تعد تشغلها طويلًا. قال: "أشعر أنك تغيرتِ." رفعت حاجبها قليلًا. "كل الناس يتغيرون." ثم أضافت بلا اهتمام: "وربما هذا جزء من التطور."

بقيت الجملة في ذهنه حتى انتهى الحفل. وعندما خرجا من القاعة، سارا معًا عبر الممر المؤدي إلى قسم التحليل السلوكي. كانت الشاشات الموزعة على الجدران تعرض بثًا مباشرًا من مدارس مختلفة حول العالم. توقف ليث أمام إحدى الشاشات. كانت تعرض فصلًا دراسيًا للأطفال في الثامنة من عمرهم. جلس الأطفال في صفوف منتظمة، وكل واحد منهم يعمل أمام شاشة صغيرة. كانوا يحلون مسائل علمية معقدة بسرعة مذهلة، بينما كانت الكاميرات تلتقط حركاتهم ونشاط أدمغتهم لحظة بلحظة.

حدق ليث في المشهد. لم يكن هناك طفل يتحدث مع الآخر. لم يضحك أحد. لم يلتفت أحد إلى زميله. حتى عندما أنهى أحد الأطفال الاختبار قبل الآخرين، لم تظهر على وجهه ابتسامة أو نظرة فخر. بقي جالسًا في مكانه، ينتظر المهمة التالية. قال ليث دون أن يشعر: "إنهم هادئون جدًا." ردت سارة: "هذه إحدى نتائج المشروع." اقترب أكثر من الشاشة. كانت وجوه الأطفال هادئة ونظراتهم ثابتة، حتى بدا له للحظة أنهم ليسوا أطفالًا على الإطلاق، بل عقولًا صافية تعمل بلا توقف. عقولًا حادة وشفافة... لكنها باردة بشكل يصعب تفسيره.

فتح ليث بيانات أحد الأطفال، وبدأ يقارن نشاط دماغه بالبيانات التي شاهدها قبل أقل من ساعة. ظهرت أمامه الرسوم نفسها تقريبًا. ارتفع نشاط الدماغ أثناء حل المسألة، ثم انخفض نشاط المنطقة المرتبطة بالمشاعر والتخيل. بقي ليث يراقب الخط حتى انتهى الطفل من الاختبار. انتظر عودة المؤشر إلى مستواه السابق، كما حدث في البيانات التي فحصها في الصباح. لكنه لم يعد بالكامل. ارتفع قليلًا فقط، ثم استقر عند مستوى أقل من البداية.

تجمد ليث في مكانه.

أعاد تشغيل التسجيل. راقب المنحنى مرة ثانية. ثم فتح بيانات طفل آخر. النتيجة نفسها. فتح ثالثًا. ثم رابعًا. بدأ يقارن الأرقام، وكلما فتح ملفًا جديدًا، وجد فرقًا صغيرًا يتكرر بطريقة لم يعد يستطيع تجاهلها.

قالت سارة: "ماذا وجدت؟"

لم يجبها مباشرة. كان يحدق في الشاشة وكأنه ينتظر منها أن تخبره بأن ما يراه مجرد خطأ في النظام. قال أخيرًا: "النشاط لا يعود بالكامل."

اقتربت سارة ونظرت إلى البيانات. "ماذا تقصد؟"

أشار إلى المنحنى. "بعد انتهاء المهمة، يرتفع النشاط من جديد، لكنه لا يصل إلى المستوى الذي كان عليه قبلها."

صمتت سارة للحظات. ثم قالت: "ربما يحتاج الدماغ إلى وقت أطول ليستعيد توازنه."

نظر إليها ليث. "ربما."

لكن كلمة "ربما" لم تطمئنه. فتح المزيد من الملفات، وبدأ يقارن البيانات القديمة بالحديثة. كان الفرق في كل مرة صغيرًا جدًا، أصغر من أن يثير إنذارًا في النظام، لكنه كان موجودًا. ومع تكرار المهام، بدا أن الفارق يتراكم ببطء.

قال ليث: "كم مرة يتكرر هذا خلال اليوم؟"

أجابته سارة: "يعتمد على نشاط الطفل."

"وإذا كان الطفل يتعلم طوال اليوم؟"

نظرت إليه، ثم قالت: "فهذا يعني أنه يستخدم الشريحة طوال اليوم."

عاد ليث إلى الشاشة. لم يقل شيئًا. لأول مرة، لم يرَ الأرقام على أنها دليل على نجاح المشروع. بدأ يراها بطريقة مختلفة تمامًا. لم يكن يعرف بعد ماذا يعني ذلك، ولم يكن يستطيع أن يثبت أن هناك ضررًا حقيقيًا، لكنه شعر أن شيئًا ما يحدث خلف تلك الأرقام، شيئًا لم يظهر في التقارير التي احتفل بها العالم طوال السنوات الماضية.

قالت سارة: "ليث، لا تبالغ في تفسير البيانات."

رفع عينيه إليها. "أنا لا أفسر شيئًا. أنا فقط أقول إن هناك فرقًا."

"فرق صغير."

"لكنه يتكرر."

نظرت سارة إلى الشاشة مرة أخرى، ثم قالت بهدوء: "إذا كان لا يؤثر على قدرة الطفل على التعلم، فما المشكلة؟"

لم يجد ليث جوابًا سريعًا. كانت هذه هي المشكلة تحديدًا. كل ما أمامه يشير إلى نجاح الشريحة. الأطفال أذكى، أسرع، وأكثر قدرة على التركيز. لا يوجد خلل واضح، ولا مرض، ولا انهيار في وظائف الدماغ. فقط شيء صغير يتغير في مكان لا يراقبه أحد تقريبًا.

مد ليث يده وأغلق التقرير.

وفي اللحظة نفسها، شعر بنبضة أخرى في مؤخرة رأسه.

هذه المرة لم تكن مثل سابقاتها.

كانت أطول.

وأدفأ.

وبقي ليث واقفًا أمام الشاشة، ينظر إلى المنحنى الذي لم يعد إلى مستواه الطبيعي، بينما كان السؤال الوحيد الذي يدور في ذهنه: ماذا يحدث لأدمغة هؤلاء الأطفال؟