الدقيقة المفقودة
6 دقائق قراءة · 1,043 كلمة
لم ينم سليم تلك الليلة.
كانت الرسالة ما تزال معروضة على شاشة هاتفه، رغم أنه قرأها عشرات المرات.
"أنت التالي... ابتسم جيدًا."
لم يكن يخاف الرسائل المجهولة.
فخلال اثني عشر عامًا في قسم الجرائم، تلقى تهديدات أكثر مما يستطيع عدّه. عصابات، قتلة، مهربون... جميعهم حاولوا إخافته يومًا ما.
لكن هذه الرسالة...
لم تكن تشبه أي تهديد عرفه.
لم تطلب منه التراجع.
ولم تهدده بالموت.
بل افترضت شيئًا واحدًا فقط...
أنه سيموت.
---
في تمام السابعة صباحًا، وصل سليم إلى إدارة الطب الشرعي.
كان المبنى هادئًا على غير عادته.
استقبله الطبيب الشرعي، الدكتور نادر، حاملاً كوبًا من القهوة.
"لم أتوقع أن تأتي بهذه السرعة."
رد سليم وهو ينزع معطفه:
"هل انتهيت من التشريح؟"
تنهد نادر.
"لهذا طلبت حضورك."
اتجها معًا إلى غرفة التشريح.
كانت الجثة مغطاة بملاءة بيضاء.
أمسك نادر بطرفها وسحبها ببطء.
ظهر وجه الضحية...
وما زالت الابتسامة في مكانها.
رغم مرور ساعات طويلة على الوفاة.
قال سليم بهدوء:
"ابدأ."
فتح نادر الملف.
"الاسم: فؤاد منصور."
"العمر: اثنان وأربعون عامًا."
"المهنة: محاسب في شركة استيراد."
"الحالة الاجتماعية: أعزب."
قلب الصفحة.
ثم أكمل:
"لا إصابات خارجية."
"لا كسور."
"لا نزيف."
"لا آثار تسمم في الفحص الأولي."
رفع سليم رأسه.
"وماذا عن القلب؟"
"سليم."
"الرئتان؟"
"طبيعيتان."
"الدماغ؟"
"لا نزيف."
بدأ الصمت يزداد ثقلًا.
قال سليم:
"لا بد أن يكون هناك سبب."
ابتسم نادر ابتسامة متعبة.
"أتمنى ذلك."
---
اقترب نادر من طاولة معدنية صغيرة.
وضع عليها عدة صور التقطت أثناء التشريح.
أشار إلى واحدة منها.
"انظر هنا."
اقترب سليم.
كانت الصورة لعضلات الوجه.
قال نادر:
"هل تعرف ما الذي حيّرني؟"
لم يجب سليم.
أكمل الطبيب:
"هذه العضلات مشدودة بقوة هائلة."
"وكأن الرجل ظل يبتسم لساعات قبل أن يموت."
قطب سليم حاجبيه.
"هل هذا ممكن؟"
"نظريًا... نعم."
"عمليًا... لا."
"لماذا؟"
"لأن عضلات الوجه كانت ستنهار من الإرهاق."
ساد الصمت.
ثم أضاف نادر بصوت منخفض:
"لكنها لم تنهَر."
---
دخلت مساعدة الطبيب وهي تحمل كيس الأدلة.
"دكتور، هذه مقتنيات الضحية."
بدأ سليم يتفحصها.
محفظة.
مفاتيح.
ساعة يد.
هاتف.
ثم...
ورقة صغيرة مطوية.
فتحها بحذر.
كانت بيضاء تمامًا...
إلا من جملة واحدة مكتوبة بخط أسود أنيق:
"لا تنظر عندما تبدأ الابتسامة."
رفع سليم رأسه فورًا.
"أين وجدتم هذه؟"
أجابت المساعدة:
"كانت داخل جيب سترته."
"هل فحصتم البصمات؟"
"لا توجد أي بصمات."
حتى بصمات الضحية...
لم تكن عليها.
أعاد سليم النظر إلى الورقة.
للمرة الأولى...
شعر أن القضية بدأت تتحول من جريمة غامضة...
إلى شيء لا يعرف حتى كيف يصفه.
وفي تلك اللحظة...
دق هاتف الدكتور نادر.
نظر إلى الشاشة.
رقم مجهول.
ابتسم ساخرًا.
"يبدو أن الجميع يحب الاتصال في هذه القضية."
ضغط زر الإجابة.
"مرحبًا؟"
لم يسمع أحد صوتًا.
فقط...
أنفاس بطيئة جدًا...
وكأن شخصًا يقف قريبًا من سماعة الهاتف.
ثم انقطع الاتصال فجأة.
نظر نادر إلى سليم وضحك بتوتر.
"شخص تافه."
لكن سليم لم يضحك.
كان يحدق في شاشة الهاتف...
لأنها انعكست عليها للحظة صورة ابتسامة لم تكن موجودة في الغرفة.
ظل سليم يحدق في شاشة الهاتف لثوانٍ.
رفع رأسه بسرعة.
لم يكن خلف الدكتور نادر أحد.
الغرفة مضاءة بالكامل، وأبوابها مغلقة، ولا يوجد فيها سوى ثلاثة أشخاص.
تنفس ببطء.
"مجرد انعكاس..." قالها في نفسه، لكنه لم يقتنع.
أعاد الهاتف إلى نادر دون أن يعلق.
---
بعد انتهاء التشريح، غادر سليم المستشفى متجهًا إلى قسم الجرائم.
كان مكتبه في الطابق الرابع، بعيدًا عن الضجيج المعتاد.
وضع ملف القضية على الطاولة، ثم كتب على السبورة البيضاء:
- لا آثار عنف.
- لا سبب واضح للوفاة.
- ابتسامة ثابتة.
- رسالة مجهولة.
- ورقة داخل جيب الضحية.
- انقطاع الكاميرات لمدة دقيقة.
تراجع خطوة إلى الخلف.
حدق في الكلمات طويلًا.
كل قضية مرّت عليه كانت تبدأ بفوضى، ثم تتحول تدريجيًا إلى صورة واضحة.
أما هذه...
فكل دليل جديد كان يجعل الصورة أكثر غموضًا.
طرق الباب.
"تفضل."
دخل شاب يحمل حاسوبًا محمولًا.
كان يوسف، مسؤول تحليل الأدلة الرقمية.
قال وهو يضع الحاسوب على المكتب:
"وجدت شيئًا غريبًا في كاميرات المبنى."
رفع سليم نظره.
"اجلس."
فتح يوسف التسجيلات.
"أعدت فحص الدقيقة التي اختفت فيها الصورة."
"والنتيجة؟"
"لم تُحذف."
عقد سليم حاجبيه.
"ماذا تعني؟"
أخذ يوسف نفسًا عميقًا.
"الملف نفسه موجود... لكن الدقيقة فارغة."
"فارغة؟"
"ليست شاشة سوداء... وليست تسجيلًا تالفًا."
ضغط عدة أزرار.
ظهرت موجات رقمية على الشاشة.
"انظر."
أشار إلى خط زمني.
"هنا تبدأ الدقيقة."
ثم أشار إلى المنتصف.
"وهنا..."
اختفى كل شيء.
لا بيانات.
لا صوت.
لا صورة.
لا حتى أثر يدل على أن الكاميرا كانت تعمل.
قال سليم ببطء:
"وكأن الدقيقة... لم تحدث."
أومأ يوسف.
"تمامًا."
ساد الصمت.
---
رن هاتف المكتب.
رد سليم.
"قسم الجرائم."
جاءه صوت امرأة تبكي.
"أرجوك... ساعدني."
"اهدئي، من أنتِ؟"
"اسمي ليلى."
"ما المشكلة؟"
ترددت لثوانٍ.
ثم قالت:
"أخي..."
"ماذا عنه؟"
"منذ أمس... لا يتوقف عن الابتسام."
نظر سليم إلى السبورة أمامه.
لم ينطق.
أكملت المرأة:
"في البداية ظننت أنه يمزح."
"ثم؟"
"الآن... لا يتكلم."
شعر سليم بأن نبضه تسارع.
"أين أنتم؟"
ذكرت له العنوان.
أغلق الهاتف بسرعة.
نظر إلى يوسف.
"جهّز السيارة."
"هل لدينا قضية جديدة؟"
أجاب سليم وهو يلتقط معطفه:
"لا أعلم..."
ثم همس لنفسه:
"...لكنني لا أريد أن أصل متأخرًا."
---
بعد خمسٍ وعشرين دقيقة، توقفت السيارة أمام منزل صغير في حي هادئ.
كانت امرأة في أواخر العشرينات تنتظر عند الباب.
وجهها شاحب، وعيناها حمراوان من كثرة البكاء.
ركضت نحوهما فور نزولهما.
"أنت المحقق؟"
"نعم."
أمسكت بذراعه بقوة.
"أرجوك... أنقذ أخي."
دخل سليم المنزل.
كان هادئًا بشكل يبعث على القلق.
لا صوت تلفاز.
لا موسيقى.
لا حديث.
فقط...
صوت ساعة حائط تدق بانتظام.
تقدمت المرأة نحو غرفة الجلوس.
توقفت عند الباب.
ثم همست:
"إنه في الداخل..."
أخذ سليم نفسًا عميقًا.
ودفع الباب ببطء...
ليجد شابًا في منتصف العشرينات جالسًا على الأريكة.
عيناه مفتوحتان.
ظهره مستقيم.
ويبتسم...
لكن هذه المرة...
كان لا يزال على قيد الحياة.
توقف سليم مكانه.
كان الشاب ينظر مباشرة إلى التلفاز، رغم أن الشاشة كانت مطفأة.
لم يرمش.
ولم يلتفت عندما دخل الجميع.
قالت ليلى بصوت مرتجف:
"اسمه سامر... منذ البارحة وهو هكذا."
اقترب سليم بخطوات حذرة.
"سامر."
لا رد.
"هل تسمعني؟"
بقيت الابتسامة مرسومة على وجهه، بينما كانت عيناه مثبتتين في الفراغ.
مد سليم يده ولوّح بها أمام عينيه.
لا استجابة.
قال يوسف:
"هل هو فاقد للوعي؟"
أجاب سليم:
"لا... انظر إلى تنفسه."
كان صدر سامر يرتفع وينخفض ببطء، وكأنه نائم بعينين مفتوحتين.
ركعت ليلى بجانبه.
"أرجوك يا سامر... قل أي شيء."
أمسكت بيده.
كانت باردة بصورة غريبة.
بدأت تبكي.
"هذا ليس أخي... أخي لا يسكت أبدًا."
نظر إليها سليم بهدوء.
"احكي لي كل شيء من البداية."
مسحت دموعها وقالت:
"أمس عاد من عمله كالمعتاد."
"في أي ساعة؟"
"حوالي الثامنة مساءً."
"هل كان طبيعيًا؟"
"تمامًا."
"ثم ماذا؟"
"تناول العشاء، وجلس يشاهد التلفاز."
"هل خرج بعد ذلك؟"
"لا."
"هل جاءه أحد؟"
"لا."
"هل تلقى اتصالًا؟"
هزت رأسها.
"لا."
صمتت لحظة، ثم أضافت:
"لكن..."
رفع سليم نظره إليها.
"وجدته يبتسم وهو ينظر إلى هاتفه."
"هل قرأتِ ما كان يشاهده؟"
"لم أستطع... عندما اقتربت، أقفل الشاشة بسرعة."
نظر سليم إلى هاتف سامر الموضوع على الطاولة.
ارتدى قفازيه وأمسكه.
كانت الشاشة مقفلة ببصمة الإصبع.
رفع إصبع سامر ووضعه على المستشعر.
انفتح الهاتف.
بدأ يتفقد التطبيقات.
لا رسائل.
لا مكالمات.
لا بريد إلكتروني.
كل شيء طبيعي.
لكن يوسف قال فجأة:
"انتظر..."
اقترب من الهاتف.
"هناك شيء ناقص."
"ماذا؟"
"آخر استخدام للهاتف كان الساعة العاشرة وثلاث عشرة دقيقة."
"وهذا طبيعي."
"لا..."
أشار إلى سجل النظام.
"بين العاشرة وثلاث عشرة دقيقة... والعاشرة وأربع عشرة دقيقة..."
توقف.
"لا توجد أي بيانات."
نظر سليم إليه.
"تقصد دقيقة كاملة؟"
أومأ يوسف.
"الدقيقة نفسها التي اختفت من كاميرات المبنى."
ساد صمت ثقيل.
شعر سليم بقشعريرة تسري في جسده.
هل يمكن أن يكون الأمر مجرد مصادفة؟
لم يكن يؤمن بالمصادفات.
أغلق الهاتف ووضعه في كيس الأدلة.
ثم عاد إلى سامر.
لاحظ شيئًا لم ينتبه إليه من قبل.
كانت عينا الشاب تتحركان ببطء شديد.
ليس نحوهم...
بل نحو زاوية الغرفة.
التفت سليم تلقائيًا.
الزاوية كانت فارغة.
جدار أبيض.
خزانة صغيرة.
ونبتة ذابلة.
لا شيء آخر.
عاد ينظر إلى سامر.
كانت عيناه ما تزالان معلقتين في المكان نفسه.
قال سليم بصوت منخفض:
"ماذا ترى؟"
لأول مرة...
تحركت شفتا سامر.
خرج صوته ضعيفًا جدًا، حتى كاد لا يُسمع.
"إنه..."
حبست ليلى أنفاسها.
اقترب الجميع.
"...يبتسم."
ثم اتسعت ابتسامته أكثر.
وتوقف عن التنفس.
صرخت ليلى وهي تهز كتفيه.
"سامر! سامر!"
اندفع سليم ليفحص نبضه.
لا شيء.
وصلت سيارة الإسعاف بعد دقائق، لكن الطبيب لم يستغرق سوى لحظات ليعلن الوفاة.
وقف سليم في منتصف الغرفة، بينما كان رجال الأدلة يصورون المكان.
نظر إلى زاوية الغرفة مرة أخيرة.
كانت فارغة...
ومع ذلك، لم يستطع التخلص من الشعور بأن أحدًا كان يقف هناك قبل لحظات.
خرج من المنزل بصمت.
فتح دفتر ملاحظاته.
وكتب أول رابط حقيقي بين الضحيتين:
- كلاهما كان يبتسم قبل الوفاة.
- كلاهما فقد دقيقة كاملة من التسجيلات.
- كلاهما نظر إلى زاوية فارغة قبل موته.
أغلق الدفتر ببطء.
ثم قال لنفسه:
"إذا كانت هذه جريمة... فأنا لا أبحث عن قاتل عادي."
نهاية الفصل الثاني.