الابتسامة الاخيرة☠️بقلم roro فصل 1

الابتسامة الاخيرة

5 دقائق قراءة · 924 كلمة

كان المطر ينهمر على المدينة منذ ساعات، حتى بدت الشوارع وكأنها فقدت ألوانها، واكتفت بعكس أضواء المصابيح الباهتة على الإسفلت المبلل.

الساعة الثانية وثمانٍ وأربعون دقيقة بعد منتصف الليل.

لم يكن في مركز الشرطة سوى بضعة ضباط يتناوبون على نوبة ليلية مملة، وصوت آلة القهوة التي تئن كلما ضغط أحدهم زرها.

قطع الهدوء رنين هاتف الطوارئ.

رفع الضابط المناوب السماعة بتثاقل.

"مركز الشرطة."

لم يسمع في البداية سوى أنفاس متسارعة.

ثم جاء صوت رجل مرتجف، بالكاد يستطيع الكلام.

"أ... أرجوكم... أرسلوا أحدًا... جاري..."

"اهدأ، ما الذي حدث؟"

ساد الصمت لثانيتين.

ثم همس الرجل:

"إنه... يبتسم."

قطب الضابط حاجبيه.

"ماذا؟"

"إنه جالس في شقته... منذ ساعة... لا يتحرك... لكنه... يبتسم."

انقطع الخط.

ظل الضابط ينظر إلى السماعة لثوانٍ قبل أن يضعها ببطء.

تنهد وقال لزميله:

"إما سكران... أو مختل."

لكن الإجراءات كانت واضحة.

أي بلاغ... يجب التأكد منه.

---

بعد عشرين دقيقة...

توقفت أول سيارة شرطة أمام بناية قديمة تتكون من سبعة طوابق.

كانت البناية هادئة بشكل غير طبيعي.

لا صراخ.

لا ازدحام.

فقط رجل في الخمسين من عمره يقف عند المدخل، يلف كتفيه ببطانية، ووجهه شاحب كمن رأى كابوسًا وهو مستيقظ.

اقترب منه أحد الضباط.

"أنت من اتصل؟"

هز الرجل رأسه بسرعة.

"نعم..."

"أين هو؟"

رفع إصبعه نحو الطابق الخامس.

"هناك."

"ماذا رأيت؟"

ابتلع ريقه.

"كنت أعود من عملي... رأيت باب شقته مفتوحًا قليلًا... ناديت عليه... لكنه لم يجب."

سكت لحظة.

ثم أكمل بصوت أكثر انخفاضًا:

"عندما نظرت من فتحة الباب... تمنيت لو أنني لم أفعل."

تبادل الضباط النظرات.

"لماذا؟"

أغلق الرجل عينيه.

"كان ينظر نحوي... ويبتسم."

"هل كان حيًا؟"

"...لا أعرف."

---

صعد رجال الشرطة السلالم بسرعة.

كانت الإضاءة في الطابق الخامس تومض كل بضع ثوانٍ، فيزداد الممر كآبة.

وقفوا أمام الشقة رقم 512.

كان الباب مفتوحًا فعلًا.

دفعه الضابط برفق.

صرير طويل شق الصمت.

دخل الجميع بحذر.

أول ما لفت انتباههم...

الرائحة.

لم تكن رائحة دم.

ولا رائحة تعفن.

بل رائحة قهوة طازجة.

ثم رأوا الرجل.

كان يجلس على كرسي خشبي في منتصف غرفة الجلوس.

ظهره مستقيم.

يداه فوق ركبتيه.

ورأسه مائل قليلًا إلى اليمين.

كأنه ينتظر ضيفًا تأخر عن موعده.

لكن وجهه...

كان يحمل ابتسامة جعلت الهواء داخل الغرفة يبدو أثقل.

لم تكن ابتسامة شخص سعيد.

ولا ابتسامة مجنون.

كانت ابتسامة واسعة... هادئة... وثابتة بشكل لا يمكن أن يصنعه إنسان بإرادته.

اقترب أحد الضباط ببطء.

وضع أصابعه على عنق الرجل.

ثم قال دون أن يرفع عينيه:

"ميت."

ساد الصمت.

دخل الطبيب الشرعي بعد دقائق.

فحص الجثة بعناية.

العينان سليمتان.

لا كدمات.

لا آثار مقاومة.

لا جروح.

القلب متوقف.

لكن...

"لا أستطيع تحديد سبب الوفاة."

نظر إليه الضابط باستغراب.

"ماذا تقصد؟"

"أقصد أن جسده سليم تمامًا."

"لا بد من وجود شيء."

"بالتأكيد... لكن ليس هنا."

رفع الطبيب رأسه نحو الابتسامة.

لأول مرة منذ خمسة وعشرين عامًا من العمل...

شعر بعدم الارتياح.

---

في تلك اللحظة...

وصل رجل يرتدي معطفًا أسود طويلًا.

لم يكن يحمل مظلة رغم المطر.

كان هادئًا بصورة لافتة، حتى إن خطواته لم تُحدث صوتًا تقريبًا.

توقف عند مدخل الشقة.

نظر إلى الجميع.

ثم أبرز بطاقته.

"المحقق سليم."

ابتعد الضباط ليفسحوا له الطريق.

دخل سليم دون أن ينطق بكلمة.

كان معروفًا في إدارة الجرائم بأنه لا يصدر أحكامًا متسرعة.

لا يؤمن بالصدف.

ولا يقتنع بأي قضية حتى يعيد بناءها بنفسه.

وقف أمام الجثة دقيقة كاملة دون حركة.

ثم بدأ يتجول في الغرفة ببطء.

لم ينظر إلى وجه الضحية أولًا.

بل إلى كل ما يحيط به.

النافذة مغلقة.

الستائر مرتبة.

المكتبة منظمة.

فنجان قهوة نصف ممتلئ.

كتاب مفتوح على صفحة واحدة.

وساعة حائط تشير إلى الثانية وتسعٍ وخمسين دقيقة.

ابتسم الطبيب الشرعي ابتسامة خفيفة.

"توقعت أنك ستبدأ بالغرفة قبل الجثة."

أجابه سليم وهو يواصل النظر حوله:

"الغرف لا تكذب..."

ثم أضاف بهدوء:

"...أما البشر، فيفعلون."

اقترب أخيرًا من الضحية.

نظر إلى الابتسامة طويلًا.

شعر بشيء غريب.

ليس خوفًا...

بل إحساسًا غير مريح، وكأن تلك الابتسامة لا تنتمي إلى وجه ميت.

مد يده ليلمس ذقن الرجل.

ثم توقف فجأة.

كانت أصابعه قد لامست شيئًا باردًا...

باردًا بصورة لم يشعر بها من قبل.

رفع نظره ببطء نحو عيني الضحية.

وتجمد في مكانه.

لثانية واحدة فقط...

أقسم أنه رأى بؤبؤ العين يتحرك.

تراجع سليم خطوة إلى الخلف دون أن يشعر.

لم يكن من الرجال الذين يفزعون بسهولة، لكن ما رآه قبل لحظات لم يكن طبيعيًا.

أعاد النظر إلى العينين.

ثابتتان.

لا حركة.

ظل صامتًا لعدة ثوانٍ، ثم تنفس ببطء وقال في نفسه:

"الإرهاق... لم أنم منذ يومين."

اقترب الطبيب الشرعي منه.

"هل هناك شيء؟"

هز سليم رأسه.

"لا... أكمل عملك."

لكنه لم يكن مقتنعًا بإجابته.

بدأ فريق الأدلة الجنائية بتصوير كل زاوية في الشقة.

كان صوت الكاميرات هو الصوت الوحيد الذي يقطع الصمت.

نقرة...

نقرة...

نقرة...

قال أحد الفنيين:

"لا توجد أي بصمات غريبة."

أجاب آخر:

"ولا آثار اقتحام."

"ولا حتى أداة قتل."

رفع أحد الضباط يديه باستسلام.

"إذًا... كيف مات؟"

لم يجب أحد.

---

انتقل سليم إلى المطبخ.

كان نظيفًا بصورة ملفتة.

في المغسلة كوب واحد فقط.

وفي الثلاجة وجبة جاهزة لم تُفتح.

فتح سلة المهملات.

وجد بداخلها فاتورة من متجر قريب.

نظر إلى التاريخ.

اليوم نفسه.

إذًا الضحية خرج من المنزل مساءً، اشترى حاجياته، ثم عاد.

كل شيء كان طبيعيًا.

بل طبيعيًا أكثر من اللازم.

وهذا ما أزعجه.

عاد إلى غرفة الجلوس.

لاحظ كتابًا مفتوحًا على الطاولة.

لم يكن رواية.

بل كتابًا عن علم النفس.

الصفحة المفتوحة تحمل عنوانًا صغيرًا:

"الخوف لا يقتل... لكن العقل قد يفعل."

أغلقه بهدوء ووضعه في كيس الأدلة.

رن هاتف الضحية فجأة.

التفت الجميع نحوه.

تقدم أحد الفنيين مرتديًا قفازات، ثم نظر إلى الشاشة.

"اتصال من رقم مجهول."

ترك الهاتف يرن حتى انقطع.

بعد ثوانٍ...

وصلت رسالة.

فتحها الفني، ثم تغير لون وجهه.

"سيدي..."

اقترب سليم.

"ماذا هناك؟"

ناولَه الهاتف دون أن ينطق.

كانت الرسالة قصيرة جدًا.

"هل أعجبتك ابتسامته؟"

لم يكن هناك اسم للمرسل.

ولا رقم.

فقط...

"مجهول".

ساد صمت ثقيل داخل الغرفة.

قال أحد الضباط محاولًا كسر التوتر:

"أحدهم يمزح."

نظر إليه سليم.

"لا أظن أن أحدًا يختار هذا الوقت ليمزح."

---

بدأ رجال الشرطة باستجواب سكان البناية.

الشقة الأولى...

لم يسمع أصحابها شيئًا.

الشقة الثانية...

لم يخرج منها أحد طوال الليل.

الشقة الثالثة...

قالت امرأة عجوز إنها سمعت ضحكة خافتة قرابة الثالثة صباحًا.

سألها سليم:

"ضحكة رجل أم امرأة؟"

أجابت بعد تفكير:

"لا أعرف..."

ثم أضافت بصوت مرتجف:

"لم تكن ضحكة بشر."

سجل ملاحظته دون تعليق.

أما الحارس، فكان أكثر الشهود هدوءًا.

جلس أمام سليم وهو يحتسي الشاي.

"متى رأيت الضحية آخر مرة؟"

"حوالي التاسعة مساءً."

"هل كان وحده؟"

"نعم."

"هل بدا خائفًا؟"

"على العكس."

"كيف؟"

ابتسم الحارس ابتسامة صغيرة.

"كان سعيدًا... بل أكثر هدوءًا من المعتاد."

توقف لحظة ثم قال:

"لكنه سألني سؤالًا غريبًا."

رفع سليم رأسه.

"أي سؤال؟"

"قال لي..."

ساد الصمت.

"...هل تؤمن أن الإنسان قد يموت من شدة الابتسام؟"

انعقد حاجبا سليم.

"وماذا أجبته؟"

ضحك الحارس بتوتر.

"قلت له: لا أحد يموت لأنه سعيد."

نظر الحارس إلى الأرض.

"أتمنى لو لم أقل ذلك."

كانت الشمس قد بدأت تشرق عندما خرج سليم من البناية.

المطر توقف أخيرًا.

لكن الغيوم بقيت تغطي السماء.

وقف ينظر إلى الطابق الخامس.

ثم أخرج دفتره الصغير.

كتب أول ملاحظة في القضية:

«لا يوجد سبب وفاة واضح.

لا يوجد قاتل ظاهر.

لا يوجد دليل واحد منطقي.»

أغلق الدفتر.

وقبل أن يضعه في جيبه...

اهتز هاتفه.

رسالة جديدة.

لم يكن يعرف الرقم.

فتحها.

كانت تحتوي على أربع كلمات فقط:

"أنت التالي... ابتسم جيدًا."

شعر لأول مرة منذ سنوات بأن قلبه خفق بعنف.

رفع رأسه بسرعة نحو البناية.

وفي إحدى نوافذ الطابق الخامس...

كان ستار النافذة يتحرك ببطء...

رغم أن جميع النوافذ كانت مغلقة.

.