​♛ قِـيـامَـةُ دِي مُـورتِـي ♛بقلم Asenaat فصل 2

الفصل الثاني : "​ترميم الرماد"

8 دقائق قراءة · 1,540 كلمة

وقفت فيتوريا فوق جثة أدريان، المطر يغسل الدماء عن وجهها الشاحب. التفتت إلى ليون الذي كان يراقبها بذهول، وسألت ببرود قاتل:

"ليون.. هل تعتقد أنني كنتُ سأسمح لأدريان أن يلمس شال أمي لو لم أكن أريده أن يفعل ذلك؟"

​توقف ليون عن التنفس للحظة. "ماذا تقصدين؟ لقد انهرتِ.. لقد بكيتِ يا سيدتي!"

​"البكاء هو السلاح الوحيد الذي لا يمكن للرجال من أمثال أدريان مقاومته،" قالت وهي تخرج من جيبها جهاز تسجيل صغيراً جداً كان مخبأً في "ياقة" معطفها التي أصلحها ليون في بداية الليلة. "أدريان كان ذكياً، لكنه كان مغروراً بانتصاره النفسي. حين بدأ يقرأ تلك 'المذكرات المزيفة' ليدمر روحي، كان في الحقيقة يعترف."

​ الاعتراف المسجل (ذكاء العباقرة)

​"يعترف؟" تمتم ليون.

​"نعم. في تلك اللحظة التي ظن فيها أنه كسرني، بدأ يفتخر بكل جريمة ارتكبها ضد عائلتي، وبكل خائن اشتراه في المجلس، وبكل عملية غسيل أموال قام بها. كان يظن أنه يتحدث إلى امرأة محطمة ستموت بعد دقائق، ففتح خزائن أسراره كلها."

​رفعت فيتوريا الجهاز الصغير. "هذا التسجيل ليس لإدانته هو.. هو ميت الآن. هذا التسجيل هو صك ملكيتي لتورينو. فيه أسماء كل من خانه، وتفاصيل كل صفقة سرية. أدريان لم يقتلني يا ليون، لقد أعطاني 'مفاتيح المملكة' وهو يظن أنه يحرق قلبي."

​《اللعبة الكبرى: "خمس دقائق" مرة أخرى》

​"ولكن.. كيف عرفتِ أنه سيحرق الشال؟" سأل ليون بذهول.

​ابتسمت فيتوريا ابتسامة باردة وذكية. "لأني أنا من وضعتُ الشال في ذلك القبو 'السرّي' لكي يجدوه. كنت أعلم أن رجلاً مثل أدريان سيبحث عن نقطة ضعفي ليستخدمها ضدي في اللحظة الأخيرة. أعطيته الطعم الذي يريده ليقود نفسه إلى الهاوية."

​ثم انحنت نحو جثة أدريان، وسحبت من جيبه "مفتاح تشفير" خاصاً.

"أتعلم لماذا لم أقتله في الرصيف 14 بالرصاص؟" سألت وهي تنظر إلى المفتاح. "لأنه كان يجب أن يقتادني إلى قبو 'عملياته' الحصين. هذا القبو لا يفتح إلا ببصمته هو. والآن، بعد أن قتلته داخل حصنه، أصبح كل ما يملكه لي. لو قتلته في الميناء، لضاعت أسراره معه."

​《الختام: السيادة بالدقة》

​وقفت فيتوريا شامخة، ونظرت إلى القصر المحترق.

"الذكاء يا ليون ليس في تجنب الجرح، بل في اختيار 'متى' و 'أين' ستنزف، ليكون دمك هو الحبر الذي يوقع على شهادة وفاة أعدائك."

​نظرت إلى الساعة؛ كانت الرابعة فجراً.

"لقد تأخرنا خمس دقائق عن موعدنا يا ليون. دعنا ننظف هذا المكان.. أنا لا أحب الفوضى

سحبت فيتوريا منديلاً حريرياً أبيض من جيب أدريان، ومسحت به الدماء عن نصل خنجرها ببطء، قبل أن ترمي المنديل الملوث فوق وجهه الهامد. التفتت نحو ليون، الذي كان لا يزال يحاول استيعاب حجم المؤامرة التي حاكتها "سيدته" بدمها وأعصابها.

《 تشريح النصر》

​"سيدتي،" قال ليون بصوت متهدج، "لقد كان الشال حقيقياً.. والذكريات كانت حقيقية. هل كان الألم أيضاً مجرد جزء من الخطة؟"

​توقفت فيتوريا عن المشي. لم تلتفت إليه، لكن كتفيها اهتزا لثانية واحدة قبل أن يستعيدا جمودهما الرخامي. "الذكاء الحاد يا ليون، هو أن تعرف كيف تستخدم سلاح عدوك حتى لو كان هذا السلاح يغرس في قلبك. نعم، تأذيتُ. نعم، بكيتُ. لكنني بكيتُ وأنا أحسب عدد الثواني التي يحتاجها أدريان ليفقد حذره. كل شهقة بكاء كانت تغريه لقول المزيد، وكل رجفة في جسدي كانت تدفعه لفتح ملفات لم يكن ليفتحها لولا ظنه أنني انتهيت."

​أخرجت هاتفها، وأرسلت رسالة قصيرة مشفرة: "البيت نظيف. ابدأوا الحصاد."

​《زلزال في "المجلس الأعلى"》

​بينما كان ليون يسند نفسه على حطام سيارة، سأل بصدمة: "ماذا سيحدث الآن؟ المجلس لن يصمت على مقتل أدريان."

​"المجلس الآن يواجه ما هو أسوأ من الموت،" أجابت ببرود وهي تضع نظاراتها الطبية التي استعادتها من جيبها. "التسجيل الذي في يدي ليس مجرد اعتراف، إنه 'فيروس قانوني'. لقد برمجتُ إرسال نسخة منه إلى المدعي العام في تورينو إذا لم يتم تفعيل بصمتي الحيوية في تمام الساعة الخامسة صباحاً. والآن، بما أنني حرة، سأتحكم في 'توقيت' سقوطهم."

​أكملت وهي تمشي نحو مخرج القبو: "أنا لا أريد قتلهم جميعاً يا ليون، القتل فوضى. أنا أريد 'امتلاكهم'. كل عضو في المجلس سيستيقظ ليجد تفاصيل خيانته لأدريان على مكتبه، مع عرض لا يمكن رفضه: الولاء المطلق لي، أو السجن المؤبد."

​《 السيادة فوق الأنقاض》

​خرجا إلى ساحة القصر المحترق. المطر كان قد غسل السواد عن الأرض، وضوء الفجر الرمادي بدأ يكشف ملامح الإمبراطورية الجديدة. توقفت فيتوريا أمام البوابة الحديدية الضخمة التي بدأت عندها القصة.

​"لقد أحرق أدريان ذكرياتي،" همست وهي تنظر إلى الأفق، "لكنه لم يدرك أن الرماد هو السماد الوحيد الذي تنمو فيه القوة التي لا تُقهر. لقد أراد أن يكسرني ليصنع مني عبرة، فصنعتُ من موته درساً في الهندسة البشرية."

​التفتت إلى ليون، وعيناها تحملان بريقاً لم يره من قبل، بريقاً يجمع بين حزن الابنة ودهاء الملكة.

"ليون، اتصل بـ 'الرصيف 14'. أخبرهم أن الشحنة لم تضِع.. لقد تغير صاحبها فقط. وأخبر 'ماركو' -إن كان لا يزال يتنفس- أن الخمس دقائق التي سرقها من وقتي، قد استعدتُها الآن.. على شكل عمر كامل من السيادة."

​《 الفجر الأسود》

​ركبت فيتوريا سيارة سوداء أخرى كانت تنتظرها عند البوابة. نظرت إلى المرآة، رأت وجهها المتعب، والجرح الصغير على جبهتها. لم تمسحه. تركته ليكون تذكيراً دائماً بأن "الكمال" في التخطيط يتطلب أحياناً قبول "الندوب".

​"إلى أين يا سيدتي؟" سأل السائق الجديد.

​نظرت فيتوريا إلى الساعة. كانت الرابعة وخمس دقائق. ابتسمت ابتسامة باهتة وقالت:

"إلى مكتب والدي.. حان الوقت لأعيد ترتيب الأوراق التي ظن الجميع أنها احترقت."

​لقد انتهت ملحمة أدريان، لكن "عهد فيتوريا"

مائدة الذئاب: الاجتماع الأول

​دخلت فيتوريا قاعة الاجتماعات الكبرى في "فيلا دي مديتشي". لم يكن هناك حرس، ولم تكن تحمل سلاحاً ظاهراً. كانت ترتدي بدلة سوداء رسمية، وشعرها مربوطاً للخلف بصرامة، والندبة الصغيرة على جبهتها لم تزل موجودة كأوسمة حرب.

​على الطاولة المستديرة، جلس سبعة رجال هم أقطاب الإجرام والتجارة في تورينو. كان الصمت ثقيلاً، وعيونهم تشتعل بالحقد والارتباك.

​"لقد مات أدريان،" قال أحدهم بلهجة هجومية، "وتظنين أنكِ بمجرد الجلوس على كرسيه ستصبحين ملكة علينا؟ نحن من صنعنا والده، ونحن من سندفنكِ."

​ابتسمت فيتوريا بهدوء، ووضعت جهاز التسجيل الصغير وسط الطاولة.

"أنا لا أطلب منكم الولاء لأنني ابنة والدي، ولا لأنني قتلت أدريان،" قالت وهي تضغط على زر التشغيل. "أنا أطلبه لأنني أملك 'قائمة المشتريات' الخاصة بأدريان."

​بدأ الصوت يخرج من الجهاز.. كان صوت أدريان وهو يفتخر بأسماء الخونة، المبالغ التي دفعها لكل واحد منهم، والجرائم التي ارتكبوها خلف ظهر بعضهم البعض. شحبت الوجوه، وبدأ العرق يتصبب على جباه "ملوك" تورينو.

​"هذا التسجيل سيصل للمدعي العام خلال 10 دقائق إذا لم يتم إدخال كود الإيقاف من هاتفي،" قالت وهي ترشف من قهوتها ببرود. "الخيار لكم: إما أن تخرجوا من هنا بالأصفاد، أو تبقوا كأدوات في منظمتي الجديدة."

ولادة "نظام الظل" (The Sentinel)

​بعد أن غادر أعضاء المجلس القاعة، وهم يجرون أذيال الهزيمة والتبعية المطلقة، التفتت فيتوريا إلى ليون الذي كان يقف خلفها كظلها.

​"ليون، هؤلاء الرجال مجرد أدوات صدئة،" قالت وهي تنظر إلى خريطة المدينة. "لا يمكنني الاعتماد على ولاءٍ بُني على الخوف وحده. أحتاج إلى نظام جديد.. جيش لا يراه أحد، ولا يشتريه

أنهت فيتوريا الجملة دون أن ترفع صوتها، وكأنها تخاطب المدينة كلها لا ليون وحده. كانت الكلمة الأخيرة تسقط على أنقاض القصر كحكم نهائي لا يقبل الاستئناف.

وقف ليون إلى جوارها، يتكئ على الألم بصمت. لم يعد يسأل. لقد أدرك أخيراً أن فيتوريا لم تكن تلعب على حافة الهاوية... بل كانت ترسمها بيدها.

في الأفق، بدأت صفارات الشرطة البعيدة تشق هواء الفجر، لكنها لم تكن تقترب. كل شيء كان يسير كما خُطط له، بالدقيقة.

أخرجت فيتوريا هاتفها مرة أخرى، ونظرت إلى الشاشة لثانية طويلة، ثم عطّلت الإرسال التلقائي.

"ليس بعد"، قالت بهدوء. "دَعهم ينتظرون. الخوف حين يطول، يصبح طاعة."

《ولادة الاسم الجديد》

استدارت نحو ليون أخيراً. كانت ملامحها مرهقة، لكن عينيها صافيتين على نحو مخيف.

"من هذه الليلة، اسم دي مورتي انتهى. كان اسم والدي... وقوانينه... وسجنه."

توقفت لحظة، ثم أضافت:

"ما سيبقى هو فيتوريا فقط. لا ملكة دم، ولا ظل غراب. امرأة تعرف متى تُحكم قبضتها، ومتى تترك العدو يسقط بوزنه."

انحنى ليون رأسه باحترام لم يمنحه لأحد من قبل.

"وأين سنبدأ؟"

ابتسمت ابتسامة خفيفة، لأول مرة لا تحمل قسوة ولا سخرية.

"من الصمت. أقوى الإمبراطوريات لا تُعلن ولادتها... تُكتشف متأخرة."

تورينو عند الفجر

مع أول خيط ضوء، كانت تورينو تستيقظ على يوم يبدو عادياً: مقاهٍ تُفتح، شوارع تُغسل بالمطر، وجرائد ستكتب عن "حادث غامض" و"انفجار غير مفسَّر".

لكن تحت هذا الهدوء، كانت موازين كاملة قد انقلبت.

في مكاتب فاخرة، ستصل رسائل بلا توقيع.

في خزائن رقمية، ستُغلق أبواب وتُفتح أخرى.

وفي عقول رجال اعتادوا السيطرة، سيولد اسم جديد مقرون بسؤال واحد مرعب:

هل تعلم... أم تأخرت خمس دقائق؟

رفعت فيتوريا معطفها، ومشت مبتعدة عن البوابة الحديدية، دون أن تنظر خلفها.

فالنساء اللواتي ينجون من النار...

لا يعدن لعدّ الرماد.

...............................................

بعد أسبوع من ليلة الحريق، لم تكن فيتوريا تسكن القصور. اختارت شقة قديمة في حي "سان سالفاري"، جدرانها متآكلة لكن نافذتها تطل على المدينة كبرج مراقبة. كانت الغرفة ممتلئة بملفات قديمة، بعضها يعود لثلاثين عاماً مضت؛ ملفات قضائية، تقارير طبية، وسجلات سجون عسكرية.

​كان ليون يقف خلفها، يراقبها وهي ترسم على سبورة زجاجية كبيرة رسماً تخطيطياً لجسد بشري، لكنها لم تكن ترسم أعضاءً، بل كانت تضع نقاطاً عند (العين، الأذن، الأنف، اللسان، والجلد).

​"ليون،" قالت وهي تضع دائرة حول القلب، "المجلس الأعلى يظن أن القوة في المال والسلاح. لكن القوة الحقيقية هي التكامل الحسي. الجسد الذي لا يسمع، يُباغت. والجسد الذي لا يشم رائحة السم، يموت مسموماً."

​أشارت إلى السبورة ببرود:

"سأقوم ببناء منظمة تكون هي (جسدي) في هذه المدينة. أنا سأكون العقل، والقرار. لكنني أحتاج إلى خمسة أفراد، كل منهم يمثل حاسة فطرية وصُقلت حتى أصبحت سلاحاً. لا أريد جنوداً، أريد (منبوذين)؛ لأن من لفظه المجتمع، لن يتردد في تحطيمه."

​"خمسة؟" سأل ليون.

​"نعم. امرأتان وثلاثة رجال. كل واحد منهم يمتلك 'لعنة' يظنها العالم ضعفاً، وسأثبت لهم أنها قمة الذكاء."

​فتحت فيتوريا الملف الأول، وكان يحمل رمز "العين".

"لنبدأ بالبصر يا ليون. سنبحث عن الشخص الذي رأى ما لم يتحمله عقله، فقرر العالم إغلاق عينيه للأبد.".......يتبع