​♛ قِـيـامَـةُ دِي مُـورتِـي ♛بقلم Asenaat فصل 1

الفصل الاول :" دِماء تورينو"

26 دقيقة قراءة · 5,016 كلمة

كانت الساعة تُشير إلى الثانية بعد منتصف الليل حين توقفت سيارة "الرولز رويس" السوداء أمام البوابة الحديدية الضخمة لقصر "دي مورتي". لم يكن هناك صوت سوى حفيف أوراق الشجر التي تلاعبها رياح "تورينو" الباردة، وصوت المحرك الذي هدأ تدريجياً ليفسح المجال لصمتٍ مهيب.

​داخل السيارة، كانت فيتوريا تجلس في المقعد الخلفي، غارقة في عتمة تامة لا يكسرها إلا وهج خفيف من سيجارتها الرفيعة. كانت ترتدي قفازات من جلد الغزال الأسود، وتراقب قطرات المطر وهي تنزلق على زجاج النافذة كأنها دموع باردة.

​لم تتحرك حين فتح الحارس الباب لها. انتظرت لثوانٍ، وكأنها تمنح المكان وقتاً ليستعد لحضورها. حين ترجلت أخيراً، كان وقع كعب حذائها العالي على الحصى المدبب منتظماً بشكل مرعب، "تك... تك... تك..."، إيقاع لا يعرف التردد.

​"هل وصل؟" سألت بصوت خفيض، نبرتها كانت تحمل برودة الرخام القديم.

​"نعم يا سيدتي،" أجاب "ليون" وهو يسير خلفها بمسافة مدروسة لا تزيد ولا تنقص عن المترين، "إنه في القبو الشرقي منذ ساعتين. لم يشرب قطرة ماء، كما أمرتِ."

​توقفت فيتوريا فجأة. التفتت نحو ليون ببطء شديد، مما جعله يتصلب في مكانه. نظرت إلى ساعته اليدوية، ثم رفعت عينيها لعينيه.

"قلتُ لك أن يوضع في الغرفة ذات الإضاءة البيضاء الساطعة، وليس القبو الشرقي. الغرفة 4-ب، يا ليون. هل أخطأتُ في نطق الرقم حين أعطيتك الأمر صباحاً؟"

​ابتلع ليون ريقه، وشعر ببرودة تسري في عموده الفقري. "الغرفة كانت قيد التنظيف، يا سيدتي، فظننتُ أن القبو.."

​"ظننتَ؟" قاطعته بهدوء جعل قلبه يخفق بعنف. اقتربت منه، وأصلحت ياقة معطفه بيدها المكسوة بالجلد. "في عائلتنا، الظن هو الرفيق الأول للفشل. والخطأ في تفصيل صغير كهذا يعني أنك بدأت تفقد تركيزك. أنا لا أتعصب للمكان يا ليون، أنا أتعصب لـ 'الدقة'. إذا قلت الغرفة 4-ب، فالموت بداخلها له طعم مختلف عن الموت في القبو. لا تجعلني أكرر هذا الدرس، لأن المرة القادمة لن تكون الياقة هي ما سأصلحه."

​تركته يتصبب عرقاً في ليلة باردة، وأكملت طريقها نحو الداخل.

​(2)

​في الأسفل، حيث كانت الأضواء النيونية تئط بصوت مزعج، كان "ماركو" معلقاً من يديه. كان العرق يمتزج بالدماء النازفة من أنفه. لم يُضرب كثيراً، لكن الانتظار في صمت تام هو ما كان يحطمه.

​دفع الحراس الباب الثقيل. دخلت فيتوريا، لكنها لم تتجه نحوه. ذهبت إلى ركن الغرفة حيث توجد طاولة خشبية صغيرة عليها كوب من القهوة المرة. نزعت قفازاتها ببطء، إصبعاً تلو الآخر، ووضعتها بترتيب هندسي مبالغ فيه على طرف الطاولة.

​سحبت كرسياً معدنياً، وجرّته على الأرض ليصدر صوتاً حاداً "صريييير" مزق هدوء المكان وجعل ماركو يتنفض في مكانه. جلست أمامه، وساق فوق الأخرى، وظلت تراقب وجهه المحطم بصمت دام خمس دقائق كاملة.

​"فيتوريا.. أرجوكِ.. كانت مجرد صفقة واحدة.." همس ماركو بصوت متحشرج.

​رفعت فيتوريا فنجان القهوة، ارتشفت منه رشفة صغيرة، ثم وضعته. "ماركو، هل تعلم لماذا أنت هنا؟ ليس لأنك سرقت من أموالي. المال يذهب ويعود. أنت هنا لأنك كذبت في التقرير الأسبوعي. كتبت أن الشحنة وصلت في السادسة، بينما وصلت في السادسة وخمس دقائق."

​بكت عينا ماركو بالدموع: "خمس دقائق؟ هل ستميتينني من أجل خمس دقائق؟"

​انحنت نحوه، وبرزت حدة ملامحها تحت الضوء الشاحب. "الخمس دقائق هي الفارق بين الإمبراطورية وبين الرعاع. من يستهين بخمس دقائق، يستهين بحياتي. وأنا، كما تعلم، متعصبة جداً لحياتي ولنظامي."

​أخرجت من حقيبتها الصغيرة شفرة حلاقة قديمة، لامعة وحادة. لم تكن تريد قتله، بل بدأت ببرود شديد تقص أزرار قميصه زراً زراً، وهي تتحدث بنبرة حالمة: "سأعطيك درساً في التفاصيل. سأبدأ بنزع كل ما هو 'زائد' في جسدك، كما نزعتِ أنتِ خمس دقائق من وقتي. سنبدأ بالأصابع التي كتبت ذلك التقرير الكاذب.."

بينما كانت نصل الشفرة يلامس جلد "ماركو" البارد، لم تكن فيتوريا تستخدم القوة الجسدية، بل كانت تستخدم "التشريح النفسي". كانت تقص أزرار قميصه ببطء يثير الجنون، ومع كل زر يسقط على الأرض الرخامية، كان ماركو يشعر بجزء من روحه يتهاوى.

​(3) طقس التفكيك

​"الأصابع التي تخطئ في كتابة الأرقام، لا تستحق أن تحمل قلماً مرة أخرى يا ماركو،" قالتها وهي تمرر الشفرة فوق سبابته المرتجفة. لم تجرحه بعد، لكن الخوف من الجرح كان أنكى من الألم نفسه.

​"سأعترف! سأعترف بكل شيء!" صرخ ماركو، والدموع تمتزج بالعرق الساقط على عينيه.

​توقفت فيتوريا عن الحركة. رفعت نظرها إليه ببرود قاتل، وسحبت كرسياً لتجلس أقرب. "أنا لا أحتاج لاعترافك يا ماركو. الأوراق التي في مكتبي تقول لي كل شيء. أنا هنا لأرى إن كان بإمكانك أن تكون 'مفيداً' قبل أن تصبح 'رماداً'. أخبرني عن أدريان فالتشي. متى كانت آخر مرة سلمته فيها إحداثيات مخازننا؟"

​تجمد ماركو. كان يظن أنها لا تعرف سوى عن تقرير الميناء، لكن فيتوريا كانت دائماً تسبق أعداءها بخطوتين. "كيف.. كيف عرفتِ؟"

​ابتسمت فيتوريا ابتسامة باهتة، ثم نهضت واتجهت إلى فنجان قهوتها الذي بدأ يبرد. "أنت تستهين بذكائي، وهذا خطأ ثالث يضاف لقائمتك. أدريان يظن أنه 'المهندس' الذي يبني الفخاخ، لكنه نسي أنني أنا الأرض التي يبني عليها."

​أمسكت بجهاز صغير من الطاولة، وضغطت على زر. ظهر تسجيلاً صوتياً لمكالمة مشفرة بين ماركو وأحد رجال أدريان. انهار ماركو تماماً، وانحنى رأسه كغصن مكسور.

​"سأعطيك خياراً واحداً،" تابعت فيتوريا وهي تلبس قفازاتها السوداء مرة أخرى بدقة متناهية. "ستتصل بأدريان الآن. ستخبره أنني ابتلعت الطعم، وأنني سأكون في 'الرصيف 14' الليلة بمفردي لتفقد الشحنة المسروقة. إذا فعلت ذلك بنبرة صادقة، ربما.. أقول ربما.. سأجعل رصاصة الرحمة سريعة بما يكفي لكي لا تشعر بها."

​(4) الرصيف 14: حيث تلتقي الأشباح

​كان الضباب يلف أرصفة ميناء تورينو ككفن رمادي ثقيل. رائحة الملح والصدأ والماء المالح كانت تزكم الأنوف. الساعة كانت تشير إلى الثالثة فجراً، الموعد الذي حددته فيتوريا لـ "سقوطها المزعوم".

​كانت تقف وحيدة في نهاية الرصيف، ترتدي معطفاً طويلاً واقياً من المطر، وتراقب الأفق. خلف الحاويات العملاقة، كان أدريان فالتشي يراقبها عبر منظاره الحراري. كان يبتسم؛ فقد ظن أن "ملكة الدم" قد فقدت صوابها أخيراً من فرط التعصب للنظام، ووقعت في فخه الساذج.

​"تحركوا،" أمر أدريان رجاله عبر اللاسلكي.

​في ثوانٍ، أحاط عشرة رجال مسلحين بفيتوريا. خرج أدريان من بين الظلال بخطوات واثقة، يصفق بيديه ببطء. "فيتوريا.. يا لعظمة المشهد. القوية، الصارمة، المتعصبة لكل دقيقة.. ها هي تضيع ساعات في انتظار شحنة لن تأتي أبداً."

​لم تلتفت فيتوريا. ظلت تنظر إلى البحر. "أنت تتحدث كثيراً يا أدريان. وهذا أول خطأ لك في قاموسي."

​"أوه، لا تزالين تتحدثين عن القوانين؟" ضحك أدريان وهو يقترب منها. "أنتِ محاصرة. رجالكِ في القصر يظنون أنكِ في غرفتكِ، وأنتِ هنا ستموتين وحيدة تحت هذا المطر."

​استدارت فيتوريا أخيراً. لم يكن في وجهها أي ذرة خوف، بل كانت هناك "نظرة شفقة". سحبت من جيبها ساعة جيب ذهبية، وفتحتها. "الثالثة وخمس دقائق يا أدريان. هل تذكر ما قلته لماركو؟ الخمس دقائق هي الفارق بين الإمبراطورية والرعاع."

​فجأة، انبعث ضوء أحمر صغير من تحت معطف أدريان. ثم آخر على جبين كل واحد من رجاله. لم تكن فيتوريا وحيدة. كان قناصوها يملأون أسطح المستودعات المحيطة، وكان "ليون" يقف خلف أدريان مباشرة، واضعاً فوهة مسدسه خلف رأسه ببرود.

​(5) قلب الطاولة

​"الرصيف 14 ليس مكاناً للاجتماع يا أدريان،" همست فيتوريا وهي تمشي نحوه ببطء، "إنه مكاني المفضل للتخلص من النفايات. ماركو لم يتصل بك لأنه أراد ذلك، بل لأنه كان يكتب وصيته بصوته."

​ارتبك أدريان، لكنه حاول الحفاظ على بروده. "ظننتُ أنني سيطرتُ على حساباتك البنكية.."

​"سيطرتَ على الحسابات التي أردتُك أن تسيطر عليها،" قاطعته وهي تلمس ياقة معطفه الفاخر ببرود. "المال الذي تراه في تلك الحسابات هو 'طعم' رقمي. بمجرد أن حاولت تحويله، تفعّل فيروس مسح ضوئي لكل خوادمك. الآن، يا ملك الرماد، أنت لا تملك سنتاً واحداً في هذا العالم. أنت مفلس، ومحاصر، ومنبوذ."

​اقتربت من أذنه، وهدست بصوت كحيح الأفعى: "أنا لا أتعصب للقوة يا أدريان.. أنا أتعصب لـ 'السيادة المطلقة'. وأنت حاولت مشاركتي العرش. والعرش في تورينو لا يتسع إلا لجسد واحد، وظل واحد."

​أشارت فيتوريا لليون. لم تقتله فوراً. "خذه. أريده أن يرى إمبراطوريته وهي تحترق قبل أن يلحق بماركو. أريده أن يفهم أن القوانين التي يسخر منها، هي التي ستحفر قبره."

​استدارت فيتوريا ومشت نحو سيارتها، بينما كان أدريان يصرخ خلفها بجنون. لم تنظر خلفها. ركبت السيارة، ونظرت إلى قطرات المطر على الزجاج، وقالت لليون الذي ركب بجانبها:

"ليون.. تأكد من تنظيف الرصيف جيداً. أنا لا أحب الفوضى."

بينما كانت فيتوريا تبتعد بسيارتها عن "الرصيف 14"، كانت أضواء الميناء الخافتة تتراقص على وجهها الجامد في مرآة الرؤية الخلفية. لم يكن هناك أي شعور بالانتصار؛ فالانتصار بالنسبة لها هو مجرد نتيجة طبيعية للمعادلات الصحيحة. لكن، في منتصف الطريق، اهتز هاتف "ليون" اللاسلكي بصوت تشويش حاد، تلاه صوت حارس القصر بلهجة يملؤها الذعر:

​"سيدتي........ لقد حدث شيء لم نحسب له حساباً!"

​توقفت فيتوريا عن تنظيف نظارتها الطبية ببطء. لم تنطق، بل رفعت عينيها لتقابل أعين ليون في المرآة. كانت تلك النظرة كفيلة بجعل السائق يستدير بالسيارة في حركة "دريفت" عنيفة، محرقاً المطاط على الأسفلت المبلل.

بعد خروجها من "الرصيف 14"، لم تكن فيتوريا تعلم أن تلك الليلة هي آخر ليلة ستنام فيها وهي تشعر بالأمان المطلق. كانت السيارة تشق طريقها عبر الضباب الكثيف، تنهب الأسفلت بسرعة منتظمة، بينما فيتوريا غارقة في صمتها، تمسح بقطعة من الحرير فوهة مسدسها الصغير.

​وفجأة، تحول كل شيء إلى جحيم.

​(6) ارتطام الوجود

​لم يكن هناك تحذير. شاحنة ضخمة، هائلة الحجم، اندفعت من زقاق جانبي مظلم كأنها وحش خرج من باطن الأرض. اصطدمت بمقدمة الـ "رولز رويس" بقوة جعلت المحرك ينفجر في سحابة من الدخان والزيت.

​قبل أن يستعيد "ليون" توازنه، جاء الارتطام الثاني من الخلف. شاحنة أخرى كانت تلاحقهم بصمت، أطبقت على السيارة وحشرتها بين فكي من حديد. فيتوريا شعرت بجسدها يقذف للأمام، ورأسها يرتطم بالزجاج الأمامي بقوة جعلت الدنيا تدور في عينيها. صرير المعدن وهو يتمزق كان الصوت الوحيد الذي ملأ أذنيها، قبل أن تبدأ السيارة بالتدحرج بعنف نحو الخندق الجانبي للطريق.

​انقلبت السيارة ثلاث مرات. في كل مرة، كان جسد فيتوريا يصطدم بجدران المقصورة الداخلية. تحطم كتفها الأيسر حين ارتطمت بالباب، وسمعت صوت طقطقة العظام بوضوح مرعب. ساد الظلام، ثم الغبار، ثم صمت قاتل لا يقطعه إلا أزيز الكهرباء المحترقة.

​(7) في قاع الحطام

​استقرت السيارة على سقفها. كانت فيتوريا معلقة بحزام الأمان، مقلوبة رأساً على عقب. الدماء كانت تسيل من جبهتها، تنزف ببطء لتدخل في عينها اليمنى وتصبغ رؤيتها باللون الأحمر القاني.

​حاولت تحريك يدها اليمنى، لكنها شعرت بثقل هائل. نظرت بجانبها، رأت "ليون" غائباً عن الوعي، رأسه ملقى على المقود المحطم، والدماء تغطي وجهه. حاولت أن تنطق باسمه، لكن حنجرتها كانت مليئة برمال وغبار الانفجار.

​سمعت وقع خطوات ثقيلة تقترب من حطام السيارة. خطوات عسكرية، واثقة، لا تردد فيها. انحنى شخص ما عند النافذة المحطمة. لم يكن أدريان، بل كان رجلاً يرتدي قناعاً أسود وبدلة تكتيكية.

​"إنها لا تزال حية،" قال الرجل عبر اللاسلكي.

​مد يده من خلال الزجاج المكسور، وببرود شديد، غرس إبرة في عنق فيتوريا. شعرت بمادة باردة تتدفق في عروقها. حاولت مقاومته، حاولت أن تغرس أظافرها في يده، لكن جسدها بدأ يرتخي. قوتها، سيطرتها، كبرياؤها.. كل شيء بدأ يذوب في سحابة سوداء من التخدير.

​آخر ما رأته قبل أن يغلق عليها الظلام، كان ضوء كشاف يدوي يسلط على وجهها، وصوت أدريان يأتي من بعيد عبر جهاز اللاسلكي:

"لا تقتلوها.. أريدها أن ترى كيف يتفكك عالمها قطعة قطعة وهي عاجزة."

​(8) الاستيقاظ في الجحيم الأبيض

​حين فتحت فيتوريا عينيها، لم تجد نفسها في قبوها المعتاد، بل في غرفة شديدة البياض، جدرانها مغطاة بالبلاستيك الشفاف، كأنها في غرفة عمليات أو مسلخ بشري. كانت مقيدة من معصميها وكاحليها بمرابط جلدية خشنة إلى سرير معدني مائل.

​كتفها المحطم كان يشتعل بألم نابض، وكل نفس تأخذه كان يشعرها بضلوعها المكسورة وهي تضغط على رئتيها.

​دخل أدريان الغرفة. لم يكن يرتدي بذلته الفاخرة، بل كان يرتدي قميصاً أبيض بسيطاً، مشمّر الأكمام، وفي يده ساعة جيب فيتوريا الذهبية. جلس على كرسي مقابل لها، وظل ينظر إليها بصمت لدقائق، كأنه يستمتع بمشهد انكسارها.

​"خمس دقائق يا فيتوريا،" قالها بنبرة ساخرة، محاكياً صوتها. "لقد استغرق الأمر مني خمس دقائق فقط لأدمر إمبراطورية 'دي مورتي' التي بنيتِها بالدم والدقة. هل تعلمين لماذا؟"

​لم تجبه. كانت تنظر إليه بعينين مليئتين بالسم، رغم الضعف.

​"لأنكِ تعصبتِ للقواعد،" تابع أدريان وهو يقترب منها ويمسح بيده على وجهها المدجج بالكدمات. "بينما أنا تعصبتُ لـ 'النتائج'. أنتِ كنتِ مشغولة بتنظيف قبوكِ، بينما كنتُ أنا أشتري حراسكِ، وأغير ولاء قادتكِ، وأحضر لكِ هذا الحادث الجميل."

​أخرج ورقة من جيبه ووضعها أمام وجهها. "هذا تنازل عن جميع أصولكِ في لوكسمبورغ وسويسرا. وقّعي، وسأنهي ألمكِ بجرعة زائدة من المورفين. ارفضي.. وسأترككِ هنا، في هذا البياض، حتى تنسي اسمكِ، وتتمني لو أن تلك الشاحنة قد سحقت رأسكِ."

​نظرت فيتوريا إلى الورقة، ثم رفعت نظرها إليه، وبصقت دماً على القميص الأبيض النظيف. "أنت.. لا تزال.. لا تفهم.. يا أدريان،" قالتها بصوت متحشرج ولكنه ثابت. "أنا لا أوقع.. أنا فقط.. أدفن الحمقى."

​ضحك أدريان، وهي ضحكة جافة خالية من الروح. "سنرى كم سيصمد كبرياؤكِ أمام الجوع والألم والوحدة."

​خرج وأغلق الباب الحديدي خلفه، تاركاً فيتوريا في صمت الغرفة البيضاء، وحيدة مع ألمها، تبحث في عقلها المنهك عن ثغرة واحدة، عن تفصيل صغير واحد فات أدريان.. لتبدأ منه رحلة العودة من الموت

​في ذلك القبو الذي تفوح منه رائحة الموت والمعقمات، لم يكن الضوء الأبيض هو ما يحرق عيني فيتوريا، بل كانت الصور التي تتدفق من ثقوب ذاكرتها المنكسرة. كانت الذكريات تهجم عليها كخناجر صدئة، تنبش في زوايا روحها التي حاولت لسنوات إغلاقها بإحكام.

​(9) رداء العيد الملطخ (ذكرى الأم)

​تذكرت فيتوريا حين كانت في السادسة، في يوم عيد ميلادها. كانت ترتدي فستاناً من الدانتيل الأبيض، جلبتها لها والدتها سراً بعيداً عن أعين الوالد الصارم. كانت الأم تمشط شعر فيتوريا القرمزي وتهمس لها: "أنتِ أجمل من أن تكوني ابنة لهذه العائلة، يا صغيرتي."

​وفجأة، اقتحم الوالد الغرفة. لم ينظر إلى جمال ابنتها، بل نظر إلى الفستان باحتقار. أمسك بالأم من شعرها أمام أعين الطفلة المذعورة.

"تريدين أن تصنعي منها أميرة ضعيفة؟" صرخ بصوت هز جدران الغرفة.

تذكرت فيتوريا كيف جر والدتها إلى الخارج، وكيف بقيت هي ترتجف في الزاوية، تسمع صرخات أمها ووقع الضربات المكتومة خلف الباب. حين انتهى كل شيء، دخل والدها ومعه سكين، ومزق فستانها الأبيض وهي ترتديه، حتى جرح جلدها الصغير.

"في هذا البيت، لا نلبس الدانتيل، نلبس الجلد الذي لا ينفذ منه الرصاص،" قالها وهو يتركها غارقة في بكائها، فوق بقايا فستانها الذي تحول من البياض إلى لون الدم. كانت تلك آخر مرة رأت فيها والدتها تبتسم؛ فقد انطفأت الروح في عيني الأم منذ ذلك اليوم حتى ماتت كمداً.

​(10) القبر المفتوح (ذكرى الوداع الأخير)

​وعادت بها الذاكرة إلى ليلة وفاة والدتها. كانت فيتوريا في العاشرة، تتسلل في ردهات القصر المظلمة لتصل إلى غرفة أمها. وجدتها شاحبة، هزيلة، كأنها خيال امرأة.

أمسكت الأم بيد فيتوريا الصغيرة وضغطت عليها بوهن: "فيتوريا.. اهربي.. لا تدعيهم يحولون قلبكِ إلى حجر. كوني إنسانة، ولو لمرة واحدة في العمر."

​وقبل أن تكمل جملتها، دخل الوالد. لم يترك لهما حتى لحظة الوداع الأخيرة. أبعد فيتوريا بالقوة، وأغلق الباب. تذكرت فيتوريا كيف كانت تخمش الباب بأظافرها وهي تصرخ: "أمي! افتحي الباب! أريد أن أقبل يدكِ لمرة واحدة!"

لكن الصمت كان الرد الوحيد. وحين فُتح الباب في الصباح، كانت الأم قد رحلت، وعيناها مفتوحتان تنظران إلى النافذة، وكأنها كانت تبحث عن حرية لم تنلها أبداً. في تلك اللحظة، شعرت فيتوريا بشيء ينفجر داخل صدرها، صرخة لم تخرج، ظلت حبيسة هناك حتى تحولت إلى كتل من الثلج.

​(11) رسالة لم تُقرأ (ذكرى الوحدة)

​وتذكرت ليلة تخرجها من المدرسة. كانت كل الفتيات يعانقن أمهاتهن وآبائهن، والضحكات تملأ المكان. أما هي، فكانت تقف وحيدة في الزاوية، تحمل شهادتها كأنها ورقة إعدام.

جاء سائق والدها، وسلمها علبة صغيرة. حين فتحتها، وجدت بداخلها "مسدساً مطلياً بالفضة" ورسالة قصيرة بخط والدها: "الآن انتهى وقت اللعب. غداً تبدأين العمل في القبو. لا تخيبي ظني."

​لم يقل لها "مبارك"، لم يقل "أنا فخور بكِ". تذكرت كيف ذهبت إلى الحديقة الخلفية للمدرسة، وحفرت حفرة صغيرة بيديها، ودفنت فيها "الرسالة" ومعها رغبتها في أن تكون فتاة عادية. بكت في تلك الليلة بكاءً مريراً، بكاءً لم يسمعه أحد، حتى كادت حنجرتها تتمزق. كانت تبكي لأنها أدركت أن قدرها هو أن تكون "أداة" وليس "ابنة".

​(12) النزيف الروحي في الزنزانة

​في الغرفة البيضاء، كانت فيتوريا تشهق بالبكاء، شهقات مكتومة تمزق صدرها المجهد. لم تعد "ملكة الدم" القوية، بل كانت تلك الطفلة الصغيرة التي تلبس الدانتيل الممزق، وتنتظر خلف الباب المغلق، وتبحث عن حضن أمها في عتمة القصر.

​الدموع التي كانت ممنوعة لثلاثين عاماً انهمرت الآن كالسيل، غسلت الدماء الجافة على وجهها، لكنها لم تستطع غسل الجراح المحفورة في أعماقها. كانت تبكي خيباتها، ووحدتها، والحب الذي لم تذقه يوماً، والجسد الذي أصبح مجرد خريطة للندوب.

​أطبقت بأسنانها على شفتها حتى نزفت، وهي تهمس وسط دموعها: "أمي.. لماذا تركتِني هنا؟ لماذا تركتِني أصبح مثله؟"

​كان هذا الانكسار هو أعمق نقطة وصل إليها أدريان، لكنه لم يكن يعلم أن هذه الدموع هي التي ستذيب الثلج عن قلبها، لتخرج منها قوة جديدة، قوة لا تعتمد على "قوانين الوالد"، بل على "انتقام الابنة" التي سُلب منها كل شيء جميل.

دخل أدريان وهو يرتدي قفازات حريرية، يحمل في يده صندوقاً خشبياً قديماً، تفوح منه رائحة خزانة مهجورة.. رائحة كانت فيتوريا تعرفها جيداً، رائحة سكنت أحلامها لسنوات.

​وضعه على الطاولة المعدنية بجانب سريرها، وبدأ يفتحه ببطء مثير للأعصاب.

​(13) تدنيس الطهر

​"أتذكرين هذا يا فيتوريا؟" قال أدريان وهو يخرج من الصندوق "شالاً من الحرير الأخضر"، مطرزاً بخيوط ذهبية باهتة.

​تسمرت عينا فيتوريا. غصّت أنفاسها في صدرها وكأن خنجراً طعنها في مقتل. كان هذا شال والدتها.. الشيء الوحيد الذي كانت الأم تضعه على كتفي فيتوريا حين تشعر بالبرد، الرداء الذي كانت رائحة عطر "الياسمين والتبغ" الخاصة بأمها لا تزال عالقة في ثناياه.

​"ابتعد عنه.." همست فيتوريا بصوت مكسور، محاولةً تحريك يدها المقيدة، مما جعل الجلد يتمزق حول معصمها. "لا تلمسه بيديك القذرتين."

​لم يبتعد أدريان، بل رفع الشال وقرّبه من وجهه، واستنشقه بعمق مقزز. "رائحة الذكريات الجميلة.. رائحة الضعف. هل تعلمين أين وجدته؟ في القبو الذي أحرقتهُ لكِ. كان مخبأً في تجويف خلف صورتكِ وأنتِ طفلة. كنتِ تظنين أنه سركِ الصغير، أليس كذلك؟"

​(14) الخديعة الكبرى

​اقترب أدريان منها، ولفّ الشال ببطء شديد حول عنقها، كأنه يلفّ كفناً. "والدتكِ المسكينة.. كانت تكتب مذكرات يا فيتوريا. مذكرات لم يقرأها والدكِ، لكنني قرأتها."

​مال نحو أذنها وهمس بسمّ زعاف: "هل تعلمين ما الذي كتبته في ليلتها الأخيرة؟ كتبت أنها كانت تتمنى لو أنكِ لم تولدي قط. كتبت أن وجودكِ هو ما أبقاها سجينة في ذلك الجحيم، وأنها كلما نظرت إلى عينيكِ، رأت وجه 'الغراب' الذي دمر حياتها. لم تكن تحبكِ يا فيتوريا.. كانت تمقتكِ لأنكِ النسخة الأنثوية من الرجل الذي قتل روحها."

​"كاذب!" صرخت فيتوريا بانهيار، والدموع تنهمر بغزارة لتغرق وجنتيها المحطمتين. "أمي كانت تحبني.. هي الوحيدة التي أحبتني!"

​"حقاً؟" سخر أدريان، وأخرج ورقة صفراء مهترئة من جيبه، وبدأ يقرأ ببرود: "اليوم نظرتُ إلى فيتوريا، ورأيتُ القسوة تنمو في ملامحها.. لقد أصبحت وحشاً يشبه أباه.. ليتني خنقتُها في مهدها قبل أن أرى هذا المسخ."

​لم تكن الكلمات حقيقية، كان أدريان يزيّف خط الأم ببراعة شيطانية، لكن فيتوريا، في حالة ضعفها الجسدي وانهيارها النفسي، صدقت. شعرت بقلبها ينخلع من مكانه. الصدر الوحيد الذي كانت تلجأ إليه في خيالها، أصبح الآن يلفظها من القبر.

​(15) ذروة البشاعة

​لم يكتفِ أدريان بذلك. أخرج ولاعة فضية، وأشعل النار في طرف الشال الحريري وهو لا يزال ملفوفاً حول عنقها.

​"لااااا!" صرخت فيتوريا صرخة مزقت سكون القبو.

​ترك الشال يحترق ببطء، والدخان الخانق يتصاعد تحت أنفها. "كما ترين، حتى ذكرياتكِ الجميلة ليست سوى رماد. أنتِ وحيدة يا فيتوريا. لم يحبكِ أحد يوماً، ولن يحبكِ أحد. وقّعي الآن.. لعل الموت يكون الحضن الوحيد الذي سيقبلكِ."

​رمى الشال المحترق على الأرض، وداس عليه بحذائه اللامع، ساحقاً بقايا الحرير والذكريات تحت قدمه، وخرج من الغرفة تاركاً وراءه حطام امرأة.

​(16) الصمت القاتل

​ساد الصمت، إلا من صوت شهقات فيتوريا التي تحولت إلى عويل مكتوم. نظرت إلى الرماد الأسود على الأرض.. رماد الشال الذي كان يمثل آخر خيط يربطها بالبشرية.

​في تلك اللحظة، وسط الحزن الذي كاد يقتلها، حدث شيء غريب. الشعور باليأس المطلق بدأ يتحول إلى "برود" مرعب. إذا كان العالم كله يكرهها، حتى أمها.. إذن هي لا تدين لهذا العالم بأي رحمة.

​جفت دموعها فجأة. لم تعد تلك الطفلة الباكية. نظرت إلى القفل الحديدي لمعصمها بتركيز لم يسبق له مثيل. لقد أحرق أدريان "الإنسانة" داخلها، ولكنه دون أن يشعر، أيقظ "الشيطان" الذي لا يبالي بالألم، ولا بالذكريات، ولا بالخسارة.

ساد السكون الغرفة البيضاء، لكنه لم يكن سكون الموت، بل كان سكون ما قبل العاصفة.

​ظلت فيتوريا تشق أنفاسها بصعوبة، رائحة الحرير المحترق لا تزال عالقة في رئتيها، وصوت كلمات أدريان المسمومة يتردد في أذنيها كطنين النحل. نظرت إلى كومة الرماد تحت السرير؛ بقايا الشال الذي كان يوماً ملاذها الأخير.

​في تلك اللحظة، انكسر داخلها شيء لا يمكن إصلاحه. لقد سلبها أدريان أغلى ما تملك: "قدسية الماضي".

​(17) استعادة الوعي من تحت الأنقاض

​بينما كان أدريان يظن أنه حطم روحها، كانت فيتوريا تراقب "الرماد". لاحظت شيئاً لم يلحظه هو في غمرة غروره. الشال الأخضر لم يكن مجرد حرير؛ كانت والدتها قد خاطت في أطرافه، قبل سنوات طويلة، تميمة صغيرة من الفضة الخالصة، كانت دائماً ما تقول لها: "هذه لحمايتكِ يا فيتوريا".

​وسط الرماد الأسود، لمعت قطعة الفضة الصغيرة تحت ضوء النيون. كانت حادة، رقيقة، وصمدت أمام النار.

​لم تكن فيتوريا تملك القوة الجسدية لكسر القيد، لكنها كانت تملك "الألم". بدأت بجر جسدها المنهك نحو طرف السرير، متجاهلةً صرخات عظام كتفها المحطم. كان كل سنتيمتر تتحركه يمثل جحيماً من الوجع، لكنها كانت تركز بصرها على تلك القطعة الفضية.

​(18) المجهود الجسدي المرير

​مدت أصابع قدمها العارية، وبدأت تحاول سحب قطعة الفضة من بين الرماد. سقطت منها مرة، واثنتين، وفي الثالثة، استطاعت تثبيتها بين إصبعيها. بجهد خرافي، رفعت قدمها نحو يدها المقيدة، في حركة تطلبت مرونة تفوق طاقة جسدها المصاب.

​العرق البارد تصبب من جبينها، وعضت على لسانها حتى سال الدم لكي لا تصرخ من شدة الشد العضلي في ظهرها المنهك. وأخيراً، أصبحت الفضة في يدها.

​بدأت "برد" الجلد الخشن للقيد. لم تكن تحاول كسر الحديد، بل كانت تقطع الجلد الذي يربط معصمها بالسرير. كانت القطعة الفضية حادة بما يكفي لتخترق الجلد، لكنها كانت تخترق لحم معصمها أيضاً مع كل حركة.

​الدم بدأ يغطي يدها، لكنها لم تتوقف. كانت تهمس لنفسها بكلمات أمها، ليس النسخة المزيفة التي قرأها أدريان، بل الكلمات التي كانت تحفظها في قلبها: "القوة يا ابنتي ليست في السلاح، بل في القدرة على تحمل النزيف حتى النهاية".

​(19) ليلة التطهير

​بعد ساعات من العمل المضني، شعرت فيتوريا بارتخاء القيد. سحبت يدها بقوة أدت إلى خلع إبهامها، لكنها لم تهتم. كانت حرة.. جزئياً.

​فتحت قيود قدميها، ووقفت على الأرض الباردة. كان العالم يدور من حولها، وجسدها يرتجف من الجوع والحمى، لكن عينيها كانتا تحملان بريقاً لم يره أحد من قبل. لم تعد فيتوريا "دي مورتي" الأرستقراطية؛ بل أصبحت "فيتوريا المنتقمة".

​مشيت نحو الباب بخطوات صامتة. كانت تعرف أن الحارس سيأتي بعد قليل ليتفقد حالتها "المحطمة".

​وقفت خلف الباب، ممسكة بقطعة الفضة الملطخة بدمائها. حين فُتح الباب ودخل الحارس وهو يحمل صينية الطعام، لم يجد فيتوريا على السرير. وقبل أن يتمكن من استيعاب الموقف، كانت قد انقضت عليه كالنمر الجريح.

​لم تكن حركة قتالية أنيقة. كانت معركة يدوية قذرة. غرزت قطعة الفضة في عنقه بكل ما أوتيت من غضب، وبينما كان يحاول خنقها بيديه القويتين، كانت هي تضغط بوزن جسدها كله على الجرح، وهي تنظر في عينيه وكأنها ترى وجه أدريان فيه.

​سقط الحارس جثة هامدة. استندت فيتوريا إلى الجدار، تلهث، تنظر إلى يديها الملطختين بالدماء. سحبت مسدس الحارس، وتناولت قطعة خبز من الصينية، مضغتها ببطء وهي تشعر بقوتها تعود تدريجياً.

​(20) الوعد الصامت

​نظرت إلى كومة الرماد للمرة الأخيرة. انحنت، وجمعت ما تبقى من قطعة الفضة، ووضعتها في جيب سجنها.

​"لقد أحرقتَ ماضيّ يا أدريان،" همست وهي تخرج إلى الممر المظلم، "الآن.. سأحرق مستقبلك."خرجت فيتوريا من زنزانتها بخطوات تشبه وقع أقدام قطة جريحة، جسدها يميل نحو الجانب الأيسر بسبب كتفها المحطم، لكن يدها اليمنى كانت تقبض على المسدس بصلابة لا تهتز. كانت الممرات ضيقة، تفوح منها رائحة الأسمنت الرطب والصدأ، والإضاءة الخافتة ترسم ظلالاً طويلة مشوهة على الجدران.

​(21) صدى الألم المألوف

​بينما كانت تقترب من نهاية الممر المؤدي إلى الزنازين الانفرادية الأكثر عزلًا، تناهى إلى مسامعها صوت حشرجة مكتومة، تبعه صوت وقع سوط جلدي يرتطم بلحم بشري، ثم صمت مطبق. توقفت فيتوريا، وتجمدت الدماء في عروقها؛ لم تكن تلك الصرخة غريبة عليها. لقد كانت تعرف "إيقاع" هذا الألم.

​تسللت نحو الباب الحديدي الثقيل الذي كان موارباً قليلاً. نظرت من الشق، لتجد مشهداً مزق ما تبقى من رباطة جأشها.

​كان ليون معلقاً من معصميه في سقف الغرفة، تماماً كما فعلت هي بـ "ماركو". كان جسده خريطة من الندوب الطرية، ووجهه الذي كان يوماً ما درعها الحصين أصبح غارقاً في الدماء لدرجة أنها لم تميز ملامحه إلا من خلال وشم "الغراب" الصغير على رقبته.

​كان أحد الحراس يقف أمامه، يمسح العرق عن جبينهويقول بسخرية: "ما زلت صامداً يا ليون؟ أخبرنا أين وضعت فيتوريا ملفات 'البروتوكول الأسود' وسأجعل رصاصتي تنهي عذابك."

​لم يرد ليون، بل رفع رأسه ببطء، وبصق دماً على حذاء الحارس، وابتسم ابتسامة محطمة كأنها سخرية من الموت نفسه.

​(21) الانفجار الصامت

​في تلك اللحظة، لم تفكر فيتوريا في "الدقة" أو "التوقيت". اشتعلت داخلها نار الانتقام لكل ذكرى حزينة، لكل دميمة ديس عليها، ولكل قطرة دم نزفت من هذا الرجل الذي كان الصديق الوحيد في عالم الخونة.

​دخلت الغرفة كشبح غاضب. قبل أن يلتفت الحارس، كانت قد أطلقت رصاصة واحدة سكنت مؤخرة رأسه، ليسقط جثة هامدة عند قدمي ليون.

​ارتمت فيتوريا نحو ليون، متجاهلة ألم كتفها الذي كاد يفقدها الوعي. "ليون... ليون، انظر إليّ!"

​فتح ليون عينيه بصعوبة بالغة. حين رأى وجهها الملطخ بالدماء، اعتقد أنه يهذي في سكرات الموت. "سيدتي... هل هذا أنتِ؟ أم أن الجحيم بدأ يعرض عليّ أجمل كوابيسي؟"

​"إنه أنا يا ليون. أنا حية، وأنت ستعيش لترى كيف سنحرقهم جميعاً،" قالتها وهي تحاول بجهد بدني مضنٍ فك قيوده الحديدية باستخدام مفاتيح الحارس القتيل.

​(22) العبء والعهد

​حين سقط ليون بين يديها، كاد ثقل جسده يطرحها أرضاً. تأوهت من الألم وهي تسنده بكتفها السليم. كان ليون بالكاد يستطيع الوقوف، لكنه قبض على يدها بقوة.

​"سيدتي... يجب أن تهربي... أدريان... لقد غيّر شيفرات المخرج. إنه ينتظر موتكِ ليعلن سيادته أمام المجلس الليلة."

​نظرت فيتوريا في عيني ليون، ومسحت الدماء عن جبهته بقطعة من ملابس السجن الممزقة. "أدريان لا ينتظر موتي يا ليون. إنه ينتظر أكبر خطأ ارتكبه في حياته. لقد تركني حية ليعذبني بذكرى أمي، لكنه لم يدرك أنه بذلك أعطاني سبباً لأحيا من أجله: تدميره."

​أسندت ليون على الجدار، وأعطته مسدس الحارس الآخر. "هل تستطيع الضغط على الزناد؟"

​هز ليون رأسه بإصرار، وعادت تلك اللمعة القاتلة إلى عينيه المنهكتين. "من أجلكِ يا سيدتي... حتى آخر نبضة."

​(23) الخروج من القبر

​بدآ بالتحرك معاً في الممرات المظلمة؛ هي تقوده بعقلها وجسدها المحطم، وهو يحمي ظهرها بما تبقى له من رمق. كان كل متر يقطعانه يمثل معركة ضد الألم والزمن.

​وصلا إلى لوحة التحكم الرئيسية للمصعد المؤدي لسطح الأرض. كانت فيتوريا تعلم أن أدريان يراقب الكاميرات، وتعلم أن هذا هو الفخ الأخير.

​توقفت للحظة، وأخرجت من جيبها قطعة الفضة الصغيرة التي استخلصتها من شال والدتها المحترق. نظرت إلى انعكاس وجهها الشاحب فيها، ثم قالت لليون:

"لقد أحرقوا الشال يا ليون... أحرقوا كل شيء جميل. لم يعد هناك مكان للرحمة أو القواعد القديمة. من هنا وصاعداً، تورينو لن تشهد مافيا... ستشهد مجزرة."

​ضغطت على زر الصعود، وهي تعلم أن الأبواب حين تُفتح في الأعلى، لن تجد سجادة حمراء، بل ستجد فوهات البنادق.. وستجد أدريان بابتسامته الواثقة، التي ستمحيها قريباً من الوجود.انفتح باب المصعد ببطء، ليصدر صريراً معدنياً حاداً اخترق سكون الليل فوق سطح الأرض. لم يكن القصر كما تركته فيتوريا؛ بل كان أطلالاً مسودة، جدران عارية تفوح منها رائحة الحريق القديم، وسماء "تورينو" كانت تمطر رماداً خفيفاً يختلط بقطرات المطر الباردة.

​(24) فخ السجادة الحمراء

​في منتصف الساحة التي كانت يوماً ما مدخلاً أرستقراطياً، كان أدريان يجلس على كرسي جلدي منفرد، يحيط به عشرة من رجاله المدججين بالسلاح، مصطفين بنسق عسكري مرعب. كانت كشافات السيارات القوية مسلطة نحو باب المصعد، مما جعل فيتوريا وليون يظهران كشبحين خارجين من باطن الجحيم.

​أدريان لم يبدُ متفاجئاً. صفق ببطء، وصدى صفقاته يتردد بين الجدران المحترقة.

"فيتوريا... يا لعنادكِ الأسطوري. خرجتِ من القبر ومعكِ ظلكِ الوفي. هل تظنين أن هذه الدراما ستغير النهاية؟"

​كانت فيتوريا تستند بكتفها السليم على كتف ليون المنهك. كانت يداها ترتجفان من الحمى والألم، لكن عينيها كانتا كفوهات المدافع.

​"النهاية كُتبت منذ أن لمستَ ذلك الشال يا أدريان،" قالتها بصوت أجش، ثم همست لليون: "عندما أعد إلى ثلاثة، انبطح."

​(25) مجهود يائس.. ورصاص طائش

​"واحد..."

ضحك أدريان ورفع يده ليعطي الأمر لرجاله بالاستعداد. "وداعاً يا ملكة الدم."

​"اثنان..."

فجأة، وبمجهود جسدي خارق، سحبت فيتوريا من جيبها قنبلة غازية صغيرة كانت قد انتزعتها من حزام الحارس القتيل في القبو، وألقتها في منتصف الساحة.

​"ثلاثة!"

ارتطمت فيتوريا وليون بالأرض الصلبة في اللحظة التي انفجرت فيها القنبلة، ليمتلئ المكان بدخان كثيف يحجب الرؤية. بدأ رجال أدريان بإطلاق النار بجنون، والرصاص يتطاير فوق رؤوسهم محطماً ما تبقى من زجاج القصر.

​زحفت فيتوريا على بطنها، متجاهلة ألم كتفها الذي كان يشعرها بأن روحها تُنزع منها. وصلت إلى خلف إحدى الأعمدة الرخامية المحطمة، وسحبت مسدسها.

​(26) رقصة الموت تحت المطر

​بدأت فيتوريا بإطلاق النار بدقة مذهلة رغم تشوش رؤيتها. لم تكن تطلق بعشوائية؛ كل رصاصة كانت تقتنص حارساً. ليون، رغم جراحه، كان يغطي ظهرها بإطلاق نار متقطع يشتت انتباه المسلحين.

​سقط ثلاثة... ثم أربعة.

"اقتلوها! ماذا تنتظرون؟" صرخ أدريان وهو يختبئ خلف سيارته المصفحة.

​نفدت ذخيرة فيتوريا. رمت المسدس، ونظرت إلى ليون الذي كان ينزف بغزارة من جانبه. لم يعد هناك وقت للتكتيك. كان عليها أن تصل إلى أدريان بجسدها المنهك.

​نهضت فيتوريا، وركضت وسط الرصاص المنهمر، مستغلة ركام الحجارة والظلام. أحد الحراس اعترض طريقها، فانقضت عليه بحركة انتحارية، استخدمت رأسها لتضربه في أنفه، ثم لوت ذراعه بقوة حطمت رسغه، وانتزعت منه خنجراً قتالياً.

​غرزت الخنجر في صدره بصرخة وجع، وسقطت معه على الأرض. كانت تلهث، وعرقها يختلط بالمطر والدماء.

​(27) المواجهة الأخيرة: وجهاً لوجه

​وقفت فيتوريا أخيراً أمام سيارة أدريان. لم يتبقَ من رجاله أحد واقفاً؛ فليون قد أجهز على الأخير منهم قبل أن يسقط مغشياً عليه من شدة النزيف.

​خرج أدريان من خلف السيارة، حاملاً مسدسه الذهبي. وجهه الذي كان هادئاً أصبح مشوهاً بالذعر. "لا تقتربي! أنتِ مجرد حطام امرأة! أنتِ لا شيء بدون رجالكِ وقصركِ!"

​"أنا لست حطاماً يا أدريان،" قالت وهي تمشي نحوه بخطوات وئيدة، مترنحة، والخنجر يقطر دماً في يدها. "أنا الخلاصة التي تبقت بعد أن أحرقتَ أنت كل الزوائد. أنا الانتقام الذي صنعته يداك."

​أطلق أدريان رصاصة، لكنها أصابت كتف فيتوريا المصاب أصلاً. صرخت صرخة مكتومة، لكنها لم تتوقف. الرصاصة لم تزدها إلا إصراراً. اندفعت نحوه كالنمر الجريح قبل أن يتمكن من إطلاق الثانية.

​اصطدم جسدها بجسده، وسقطا معاً على الأرض الموحلة. بدأ صراع جسدي شرس؛ أدريان يحاول خنقها بيديه القويتين، وفيتوريا تحاول غرس الخنجر في حنجرته. كانا يتمرغان في الطين والدم، في مشهد وحشي يختصر سنوات من الصراع.

​أمسك أدريان برأسها وضربها بالأرض المبلطة. "موتي! لماذا لا تموتين؟"

​في تلك اللحظة، استحضرت فيتوريا وجه أمها، والشال المحترق، وكل لحظة ذل عاشتها في قبو أدريان. وبقوة نابعة من أعماق يأسها، غرزت قطعة الفضة -التي كانت تخبئها في يدها الأخرى- في عين أدريان.

​صرخ صرخة هزت أركان "تورينو". تراجع للخلف وهو يمسك بوجهه، وفي تلك اللحظة، انقضت فيتوريا عليه بالخنجر، وغرزته في قلبه بكل ما تملك من حقد.

​سكنت حركة أدريان تدريجياً. نظرت فيتوريا في عينيه وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة، وهمست ببرود:

"أمي لم تكن تمقتني يا أدريان... كانت تخاف عليّ من امرأة مثلي. واليوم، أثبتُّ لها أن خوفها كان في محله."

​(28) الملكة فوق الرماد

​سقطت فيتوريا بجانب جثته، تنظر إلى السماء الممطرة. كانت تشعر بكل عصب في جسدها يصرخ من الألم، لكن روحها كانت هادئة لأول مرة.

​زحفت نحو ليون الملقى بعيداً. وضعت رأسها على صدره لتتأكد أنه لا يزال يتنفس. "لقد انتهى الأمر يا ليون... لقد أحرقنا الرماد نفسه."

​وسط أنقاض القصر، وتحت المطر الذي غسل الدماء عن وجهها، وقفت فيتوريا دي مورتي وحيدة. لم يعد لديها قصر، ولا أموال، ولا جيش. لم يعد لديها سوى "ليون" وحقيقتها العارية.

​لكنها، وهي تقف فوق حطام حياتها القديمة، كانت تعلم أن "فيتوريا" الجديدة التي ولدت الليلة، هي امرأة لن تجرؤ "تورينو" ولا العالم على مواجهتها مرة أخرى.

يتبع ........