بين الحاضر والماضيبقلم احمد الرحال User 9089 فصل 1

الفصل 1

دقيقتان قراءة · 448 كلمة

بين الحاضر والماضي

الفصل الأول: الساعة التي توقفت

لم يكن أحمد يؤمن بأن الماضي يستطيع أن يعود.

كان يعتقد أن الأشياء التي تنتهي، تنتهي إلى الأبد؛ الوجوه التي تختفي من حياتنا لا تعود، والأماكن التي نغادرها لا تنتظرنا، والذكريات مهما كانت قاسية لا تملك قدمين لتلحق بنا.

لكن في تلك الليلة، تغيّر كل شيء.

كانت الساعة تشير إلى الثانية عشرة وسبع عشرة دقيقة بعد منتصف الليل، عندما استيقظ أحمد على صوت طرق خافت.

ثلاث طرقات.

ثم صمت.

فتح عينيه ببطء، وظل مستلقيًا للحظات وهو ينظر إلى سقف الغرفة.

عاد الصوت.

طرقة واحدة.

ثم طرقتان.

جلس على حافة السرير.

لم يكن في المنزل أحد سواه.

قال بصوت منخفض:

— من هناك؟

لم يجبه أحد.

نهض، وأشعل مصباح الغرفة، ثم خرج إلى الممر.

كان المنزل هادئًا بصورة غير طبيعية. حتى صوت الثلاجة في المطبخ، الذي اعتاد سماعه كل ليلة، اختفى.

تقدم نحو الباب الخارجي.

وقبل أن يمد يده إلى المقبض، لمح شيئًا على الأرض.

ظرفًا قديمًا.

كان موضوعًا أمام الباب من الداخل.

توقف أحمد.

لم يتذكر أنه رآه من قبل.

انحنى والتقطه.

كان الظرف أصفر باهتًا، وحوافه متآكلة، وعلى وجهه اسم واحد:

أحمد.

تجمدت يده.

لم يكن الغريب أن يجد رسالة باسمه.

الغريب أن الخط الذي كُتب به الاسم كان خطه هو.

فتح الظرف ببطء.

في داخله ورقة واحدة.

لم يكن عليها سوى جملة قصيرة:

«إذا أردت أن تعرف من أنت، فارجع إلى المكان الذي تركت فيه طفولتك.»

قرأها مرة.

ثم مرة أخرى.

شعر بقشعريرة تسري في ظهره.

طفولته.

كان هناك مكان واحد لم يتحدث عنه منذ سنوات.

بيت قديم في أطراف المدينة.

البيت الذي عاش فيه حتى بلغ العاشرة.

البيت الذي اختفى بعد ذلك من حياته بطريقة لم يفهمها أحد.

أو هكذا كان يظن.

رفع أحمد رأسه نحو الساعة المعلقة في الممر.

كانت الساعة متوقفة.

عقرباها عند الثانية عشرة وسبع عشرة دقيقة.

تراجع خطوة.

لم يكن قد لاحظ ذلك من قبل.

اقترب منها، ومد يده إليها.

وفجأة...

بدأت الساعة تعمل.

دقة واحدة.

ثم ثانية.

ثم ثالثة.

لكن العقارب لم تتحرك إلى الأمام.

تحركت إلى الخلف.

ثانية.

ثانيتان.

دقيقة.

ثم ساعة.

كان أحمد يحدق فيها دون أن يفهم ما يحدث.

وفجأة انطفأت أنوار المنزل.

غرق كل شيء في الظلام.

ومن خلفه، في الممر، جاء صوت لم يسمعه منذ أكثر من عشرين عامًا.

صوت طفل.

صوت يشبه صوته.

قال:

— أحمد... لا تذهب إلى البيت.

استدار بسرعة.

لم يكن هناك أحد.

لكن في نهاية الممر، ظهر باب لم يكن موجودًا قبل لحظات.

باب خشبي قديم.

مغطى بالغبار.

وعلى سطحه خدوش عميقة، كأن شخصًا حاول الخروج منه.

اقترب أحمد منه.

لم يعرف لماذا.

ربما لأن الخوف أحيانًا لا يمنع الإنسان من الاقتراب...

بل يدفعه إليه.

وضع يده على المقبض.

كان باردًا.

باردًا بصورة جعلت أصابعه ترتجف.

ثم سمع الهمسة:

— لقد تأخرت كثيرًا.

فتح أحمد الباب.

ولم يجد خلفه غرفة.

وجد شارعًا.

شارعًا يعرفه.

شارع طفولته.

لكن ليس كما يتذكره.

كانت السماء رمادية، والمصابيح القديمة معلقة فوق الطريق، والسيارات الحديثة اختفت تمامًا.

وفي نهاية الشارع وقف طفل صغير.

ظهره إلى أحمد.

كان يرتدي القميص نفسه الذي كان أحمد يرتديه في إحدى صوره القديمة.

تقدم أحمد خطوة.

التفت الطفل.

وتوقفت أنفاسه.

كان وجه الطفل...

وجهه هو.

ابتسم الطفل ابتسامة حزينة، وقال:

— لماذا عدت؟

لم يستطع أحمد الكلام.

اقترب الطفل منه وقال:

— ألم تقل إنك لن تتذكر؟

ثم انطفأت جميع المصابيح.

وفي الظلام، سمع أحمد صوت باب يُغلق خلفه.

وعندما استدار...

لم يعد هناك باب.

فقط شارع طويل يمتد أمامه.

شارع بين زمنين.

وزمن واحد منهما لم يكن يريد له أن يعود.

يتبع...