حسون داخل القفصبقلم صدى القارئ فصل 2

أول خطوة

5 دقائق قراءة · 947 كلمة

في الأيام التالية، لم يتراجع حسون عن فكرته. كان يريد أن يعمل، ليس لأنه يحتاج إلى المال، بل لأنه أراد أن يعرف كيف يستطيع أن يعيش إذا اعتمد على نفسه. بدأ يسأل عن فرص العمل من الأشخاص الذين يعرفهم، وكان يذهب بنفسه إلى الأماكن التي يسمع عنها، ثم يعود في المساء إلى البيت ويحكي لوالده ما حدث. لم يكن والده يمنعه، لكنه كان يسأله دائمًا عن المكان وطبيعة العمل والناس الذين يعمل معهم، وكأنه يحاول أن يحميه حتى وهو يخطو أول خطواته خارج البيت.

بعد عدة محاولات، وجد حسون عملًا في محل كبير يبيع الأدوات والأجهزة المنزلية. كان العمل بسيطًا في ظاهره، لكنه يحتاج إلى حركة وترتيب والتعامل مع الزبائن طوال اليوم. في صباحه الأول، وقف أمام المحل للحظات قبل أن يدخل، وشعر بشيء من التوتر لم يعتده. لم يكن خائفًا من العمل نفسه، وإنما من فكرة أن يكون مسؤولًا عن نفسه أمام أشخاص لا يعرفونه، فلا يستطيع أن يعود إلى والده عند كل مشكلة صغيرة.

استقبله صاحب المحل وشرح له المطلوب منه، ثم عرّفه على بعض العاملين. صافحهم حسون بابتسامة، وكان يتعامل معهم بعفوية، كما تعود أن يتعامل مع الناس في حياته السابقة. في الساعات الأولى مرّ كل شيء بهدوء، لكنه بدأ يلاحظ أن بعض العاملين يتعاملون معه بحذر، بينما كان أحدهم يتحدث معه كثيرًا ويحاول أن يعرف عنه تفاصيل كثيرة. لم يفكر حسون بالأمر كثيرًا، فهو لم يكن معتادًا على الشك في نوايا الناس.

مع مرور الأيام، بدأ يتعلم العمل بسرعة. كان ذكيًا، ينتبه للتفاصيل، وإذا أخطأ في شيء لا يكرره. أعجب صاحب المحل بطريقة تفكيره، وبدأ يعطيه مهامًا أكثر اعتمادًا على نفسه. وكان حسون يشعر بسعادة حقيقية كلما أنجز شيئًا دون مساعدة أحد. حتى المبلغ الذي يحصل عليه في نهاية الأسبوع، رغم أنه لم يكن بحاجة إليه، أصبح له معنى مختلف عنده؛ لأنه كان يعرف أنه حصل عليه بجهده.

وفي أحد الأيام، حدث موقف بسيط لكنه بقي في ذهنه. جاء زبون إلى المحل واشترى عدة أشياء، ثم اكتشف بعد أن دفع ثمنها أن أحدها ليس بالمواصفات التي يريدها. بدأ يرفع صوته ويتهم العاملين بأنهم حاولوا خداعه. وقف حسون يستمع إليه، وكان يستطيع أن يرى أن المشكلة مجرد سوء فهم، لكنه تفاجأ عندما رأى أحد العاملين يحمّل المسؤولية لعامل آخر حتى يبعدها عن نفسه.

لم يتدخل حسون في البداية، ثم قال بهدوء: «خلينا نشوف الفاتورة ونفهم وين المشكلة بدل ما نلوم بعض.»

نظر إليه العامل الذي حاول أن يتهرب من المسؤولية، وقال بنبرة لم تعجب حسون: «إنت جديد هون، لا تدخل حالك بكل شيء.»

سكت حسون، لكنه شعر بشيء غريب. لم يكن يفهم لماذا يحاول شخص أن يترك الخطأ على غيره إذا كان يستطيع ببساطة أن يعترف به وينهي المشكلة. بالنسبة إليه، كان الاعتراف بالخطأ أمرًا طبيعيًا، أما بالنسبة لذلك الرجل فكان الاعتراف يعني خسارة صورته أمام صاحب العمل والزبون.

انتهى الموقف بعد أن اكتشف صاحب المحل أن الخطأ حصل فعلًا، وتم تبديل القطعة للزبون. عاد العمل إلى طبيعته، لكن حسون بقي يفكر في الأمر. في تلك الليلة، عندما عاد إلى البيت، سأله والده كيف كان يومه، فقال: «منيح، بس اليوم شفت شغلة غريبة.»

حكى له ما حدث، ثم قال: «ليش الواحد ممكن يرمي غلطه على غيره؟»

ابتسم والده وقال: «لأنه مش كل الناس بتفكر زيك يا حسون.»

لم تعجبه الجملة كثيرًا، لكنه لم يجادل. كان لا يزال يعتقد أن الأمر مجرد موقف عابر، وأن الناس في النهاية يتعلمون ويتصرفون بطريقة أفضل إذا أعطيتهم فرصة.

استمر حسون في عمله، وبدأ يشعر أنه أصبح جزءًا من المكان. صار يعرف الزبائن المعتادين، ويحفظ أماكن البضائع، ويتعامل مع صاحب المحل بثقة أكبر. وفي الوقت نفسه، بدأ يلاحظ أمورًا صغيرة لم يكن ينتبه إليها في البداية؛ بعض الناس يتقربون منك عندما يحتاجون شيئًا، وبعضهم يبتعد عندما تنتهي مصلحته، وهناك من يعطيك نصيحة لأنه يريد مساعدتك، وهناك من ينصحك لأن مصلحته مرتبطة بقرارك.

لكن حسون لم يكن قد تعلم بعد كيف يميز بين هؤلاء.

بعد عدة أسابيع، عرض عليه أحد العاملين أن يشتري منه جهازًا مستعملًا بسعر أقل من سعر السوق، وأخبره أن الجهاز بحالة ممتازة وأنه يحتاج فقط إلى مبلغ سريع. لم يرَ حسون سببًا يجعله يشك فيه، خصوصًا أنه كان يعمل معه كل يوم، فوافق على شراء الجهاز.

عاد إلى البيت وهو يشعر أنه حصل على صفقة جيدة، لكن بعد يومين اكتشف أن الجهاز فيه عطل لم يخبره عنه الرجل. حاول الاتصال به، فأجابه في البداية وقال إنه سيأتي ليرى المشكلة، ثم بدأ يؤجل، وبعدها توقف عن الرد.

وقف حسون أمام الجهاز في غرفته، ولم يكن المبلغ الذي خسره كبيرًا، لكن الأمر أزعجه أكثر من قيمة المال. لم يستطع أن يفهم كيف يمكن لشخص يراه كل يوم، ويجلس معه ويتحدث معه، أن يخفي عنه عيبًا في شيء يبيعه له.

في اليوم التالي، ذهب إلى العمل والتقى بالرجل نفسه. سأله حسون بهدوء عن الجهاز، فابتسم وقال: «يمكن المشكلة طلعت بعد ما أخذته، أنا ما كنت بعرف عنها.»

نظر إليه حسون للحظات، ثم قال: «بس أنت قلتلي إنه ممتاز.»

رد الرجل: «أنا حكيتلك اللي بعرفه.»

لم يرد حسون. لأول مرة شعر أن بعض الكلمات يمكن أن تحمل أكثر من معنى، وأن الشخص يستطيع أن يقول كلامًا يبدو صحيحًا بينما يخفي وراءه شيئًا آخر.

عاد إلى البيت في ذلك المساء أكثر هدوءًا من المعتاد. لاحظ والده تغير وجهه وسأله إن كان هناك شيء، لكن حسون اكتفى بالقول: «اليوم فهمت شغلة.»

قال والده: «شو هي؟»

أجاب حسون: «مش كل واحد بعرفه يعني بعرفه فعلًا.»

نظر إليه والده طويلًا، ثم قال: «هاي أول خطوة.»

لم يسأله حسون ماذا يقصد، لكنه بدأ يفكر بكلامه. كان يشعر أن شيئًا صغيرًا تغير داخله. لم يعد يرى العالم بالطريقة نفسها التي خرج بها من البيت قبل أسابيع، ومع ذلك لم يكن مستعدًا بعد لأن يحكم على الناس جميعًا بسبب موقف أو اثنين.

كان يريد أن يفهم بنفسه.

ولم يكن يعلم أن الأيام القادمة ستضعه أمام موقف أكبر بكثير من جهاز معطّل أو عامل حاول الهروب من خطئه، موقف سيجعله لأول مرة يتساءل إن كانت طيبته التي تربى عليها نعمة تحميه، أم بابًا يستطيع الآخرون الدخول منه إليه.