القفص الذهبي
4 دقائق قراءة · 749 كلمة
وُلد حسون في بيت لم يعرف الفقر طريقًا إليه. لم تكن عائلته من أصحاب الثروات التي يتحدث عنها الناس، لكنها كانت ميسورة إلى درجة جعلت الحياة بالنسبة إليه مختلفة عن حياة كثير من الأطفال من حوله. كان والده يعمل ويؤمّن لعائلته كل ما تحتاجه، وكانت والدته تهتم بالبيت وبحسون بشكل خاص، لأنه كان ابنها الذي تخاف عليه من كل شيء تقريبًا. إذا مرض قليلًا، سارعت إلى الطبيب، وإذا خرج من البيت، بقيت تراقب الساعة حتى يعود، وإذا أراد شراء شيء، لم يكن يسمع كثيرًا كلمة «لا». كان كل شيء متوفرًا له، من الملابس والألعاب إلى الطعام والرحلات والهدايا، ولم يكن يعرف معنى أن يتمنى شيئًا طويلًا قبل أن يحصل عليه.
لم يكن حسون طفلًا سيئًا أو متكبرًا، بل كان هادئًا وذكيًا، لكنه تعود منذ صغره أن هناك دائمًا من يفكر عنه ويحميه من النتائج. إذا اختلف مع طفل في المدرسة، كان والده يتدخل بطريقة أو بأخرى، وإذا أراد الذهاب إلى مكان بعيد، كان أحد أفراد العائلة يوصله، وإذا طلب أن يشتري شيئًا، كان والده يشتريه له دون أن يجعله يفكر كثيرًا في سعره. وحتى عندما كان حسون يكبر ويبدأ يفهم أن الحياة ليست سهلة على الجميع، بقيت حياته محاطة بسور من الحماية لم يكن يشعر بوجوده.
كان والداه يخافان عليه أكثر مما يحتاج، لكنهما لم يريا في ذلك مشكلة. بالنسبة إليهما، كان العالم مليئًا بالمخاطر، والناس ليسوا جميعًا طيبين، ولذلك كان الأفضل أن يبقى حسون قريبًا منهما. كانا يقولان له دائمًا: «إحنا ما بدنا منك غير تكون مرتاح، ولا تخلي حدا يستغلك أو يضرك.» كان حسون يسمع كلامهما ويبتسم، لكنه لم يكن يفهم لماذا يبدوان خائفين إلى هذه الدرجة من الحياة. فقد كان عالمه صغيرًا وواضحًا؛ بيت آمن، أهل يحبونه، أصدقاء يعرفهم، ومدرسة يعود منها إلى المنزل كل يوم. لم يكن قد احتاج يومًا إلى أن يواجه شخصًا يريد منه شيئًا لمصلحته، أو شخصًا يخدعه، أو موقفًا يجبره على الاختيار بين مصلحته ومصلحة غيره.
كبر حسون، وبقيت الأشياء من حوله تتغير بينما هو يعيش بالطريقة نفسها. لم يعد طفلًا، لكنه ظل يحصل على ما يحتاجه من البيت. اشترى له والده أول هاتف، وبعدها ساعده في شراء سيارة عندما بدأ يقود، وكانت والدته لا تزال تسأله أين ذهب ومع من ومتى سيعود. أحيانًا كان حسون يشعر بالضيق من كثرة الأسئلة، لكنه في الوقت نفسه لم يكن يريد أن يجرح مشاعرها، فكان يجيبها ويطمئنها ثم يخرج. لم يكن يرى في الأمر مشكلة حقيقية، لأنه لم يعرف حياة أخرى حتى يقارن بينها وبين حياته.
وكان حسون يظن أن الناس يشبهون أهله في طريقة تفكيرهم. إذا وعده شخص بشيء، صدقه. وإذا قال له أحدهم إنه سيقف إلى جانبه، لم يكن يخطر بباله أن ذلك الشخص قد يغير كلامه عندما تتغير مصلحته. كان يعتقد أن الكلمة لها قيمة كبيرة، وأن الإنسان إذا كان محترمًا وصادقًا مع الآخرين فسوف يعاملونه بالطريقة نفسها. لم يكن هذا اعتقادًا سيئًا، لكنه كان اعتقادًا لم تختبره الحياة بعد.
في إحدى المرات، جلس حسون مع والده في المساء، وأخبره أنه يريد أن يبدأ العمل بدل أن يبقى معتمدًا عليه. نظر والده إليه لحظات، ثم قال: «ليش مستعجل؟ كل شيء موجود عندك، وإذا بدك مصاري أعطيك.» ابتسم حسون وقال: «مش القصة مصاري، بدي أجرب وأعتمد على حالي.» لم يعارضه والده، لكنه لم يخفِ قلقه أيضًا. قال له: «جرب، بس انتبه من الناس. مش كل واحد بضحك بوجهك بيكون صاحبك.» كانت تلك من المرات القليلة التي شعر فيها حسون أن والده يحاول أن يخبره شيئًا عن العالم الذي لم يره بعد.
بدأ حسون يبحث عن عمل بسيط يناسبه، وكان يشعر بحماس غريب. لم يكن بحاجة إلى المال فعلًا، لكنه كان يريد أن يشعر بأنه يستطيع فعل شيء بنفسه. وفي أول يوم خرج فيه يبحث عن عمل، اكتشف أن الشوارع التي كان يراها من نافذة السيارة تختلف كثيرًا عندما يمشي فيها وحده. رأى أشخاصًا يركضون خلف أعمالهم، وآخرين ينتظرون دورهم، وناسًا يفاوضون على أسعار أشياء بسيطة، وسمع قصصًا لم يكن يسمع مثلها داخل بيته.
عاد إلى المنزل في المساء، فسألته والدته كيف كان يومه. أجابها بابتسامة: «منيح، شفت شغلات جديدة.» لم يذكر لها أنه شعر للمرة الأولى أن العالم أكبر بكثير مما كان يتخيله. جلس على مائدة العشاء، وبينما كان والده يتحدث عن أمور البيت، ظل حسون صامتًا يفكر في شيء واحد: لماذا كان كل شيء في حياته سهلًا إلى هذه الدرجة؟
لم يجد جوابًا واضحًا في تلك الليلة. لكنه لم يكن يعرف أن خروجه من البيت في ذلك اليوم لم يكن مجرد بحث عن عمل، بل كان أول خطوة خارج المكان الذي عاش فيه طوال عمره. كان لا يزال يحمل معه أفكار الطفل الذي تربى على أن الناس طيبون، وأن الحياة في النهاية ستفتح أبوابها لمن يتعامل معها بنية صافية.
وكان عليه أن يكتشف بنفسه أن الحياة لا تعمل دائمًا بهذه الطريقة.